ما هي شركة “رافاييل” الإسرائيلية؟ ولماذا استهدف حزب الله مصنعها في مستوطنة “شلومي”؟
تاريخ النشر: 25th, November 2023 GMT
الجديد برس:
مثّل استهداف حزب الله لمصنع “رافاييل” في مستوطنة “شلومي ضربة على أكثر من مستوى بالنسبة لكيان الاحتلال وقيادته، كما بالنسبة للشركة الإسرائيلية الحكومية ومجمل الصناعات العسكرية الإسرائيلية.
وأعلن حزب الله منذ أيام استهدافه بالصواريخ مجمعاً لشركة “رافاييل” للصناعات العسكرية الإسرائيلية، في مستوطنة “شلومي” المحاذية للحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة، وأصابته إصابة دقيقة، مؤكداً أن النيران شوهدت تتصاعد من المبنى.
وذكر بيان المقاومة الإسلامية في لبنان (حزب الله) أن العملية جاءت رداً على قصف إسرائيلي طال مصنعاً للألومنيوم في منطقة وادي الكفور شمالي غربي منطقة النبطية، قبلها بيوم.
فما هي شركة “رافاييل”؟ وأي تبعات ستكون لاستهداف مصانعها في المستوطنات الشمالية على الشركة نفسها وعلى المستوطنات والمستوطنين والصناعات العسكرية الإسرائيلية؟
ما هي “رافاييل”؟تعدّ شركة “رافاييل لأنظمة الدفاع المتقدمة”، أو “هيئة رافاييل لتطوير الأسلحة” سابقاً، إحدى أبرز الأذرع الحكومية الإسرائيلية المعنية بمهمات تطوير التقنيات العسكرية التي يستخدمها “جيش” الاحتلال الإسرائيلي، وقد تمّ تأسيسها كمختبر وطني للبحث والتطوير الدفاعي في كيان الاحتلال عام 1948، ضمن فروع وزارة الدفاع الإسرائيلية.
وقد جرى تحويلها شكلياً في عام 2002 إلى شركة مساهمة محدودة، بهدف إنقاذها من سلسلة من الخسائر السنوية المتراكمة، وللمساهمة في الترويج لمنتجاتها بمعزل عن العلاقات الرسمية بين الاحتلال ودول العالم، ولفصل كل ما تقوم به شكلياً عن سياسات الحكومة الإسرائيلية، وكذلك للدخول بشكل أوسع في المنافسة مع الشركات العالمية، مع استمرار ملكيتها للحكومة.
ميزانيتها وأرباحها السنويةبعد قرار تحويلها إلى شركة وإعادة الانطلاق بها مجدداً، وهو مسار استمرّ من سنة 1995 بعدما بلغت خسائرها السنوية 120 مليون دولار عن مبيعات بلغت 460 مليون دولار، بدأت الشركة تحقق أرباحاً منذ عام 2002، وصلت إلى 37 مليون دولار سنوياً، وارتفع صافي أرباحها تدريجياً ليصل بحلول عام 2016 إلى 130 مليون دولار.
وبحسب ما نشرته الشركة من نتائجها المالية للربع الثاني (نيسان/أبريل – حزيران/يونيو) من عام 2023، بلغ حجم الطلبيات المتراكمة في الربع ما قبل عملية “طوفان الأقصى” 41.1 مليار شيكل أي نحو 10.7 مليارات دولار، وبلغت المبيعات في الربع نفسه 3,145 مليون شيكل، أو 840 ألف دولار أميركي.
ويعزى السبب الرئيسي في ارتفاع الطلب على منتجات الشركة في السنتين الأخيرتين إلى الحرب في أوكرانيا بين روسيا وحلف “الناتو”، والتي رفعت الطلب على الأسلحة عالمياً، لا سيما بين دول الحلف الأطلسي التي استنفدت جزءاً كبيراً من ترسانتها خلال الفترة الماضية من الحرب، وبشكل أساس في الدول الأوروبية.
وتولي “إسرائيل” اهتماماً خاصة لصناعاتها العسكرية في بناء العلاقات مع دول العالم، لا سيما الدول التي لا يجمعها مع الاحتلال أي رابط، مثل بعض دول آسيا وأفريقيا والقوقاز، أو دول عربية يفترض أنها كانت في صفّ الدول المعادية للاحتلال قبل أن تدخل حكوماتها في مسار التطبيع.
تركز الشركة في إنتاجها على الأسلحة التي يحتاجها “جيش” الاحتلال، وبالتالي يمكن دراسة تطور إنتاجاتها العسكرية بناءً على تطور الحاجات الواقعية لـ”جيش” الاحتلال باختلاف ظروف القتال وطبيعة التحديات التي تواجهه، لا سيما أن الإسرائيلي يحاول الاعتماد على صناعة أسلحة محلية قدر الإمكان، لاعتباره ذلك ضرورياً حتى يمتلك السيادة عليها والتحكم بقرارات نشرها واستعمالها.
وفي السنوات الأخيرة، تمحورت صناعاتها حول الأسلحة الدفاعية، لا سيما الدفاعات الصاروخية المختلفة، وتعدّ “رافاييل” المسؤولة عن تطوير وإنتاج منظومة “القبة الحديدية” للدفاع الصاروخي ضدّ القذائف قصيرة ومتوسطة المدى، بالإضافة إلى تطوير وإنتاج منظومة “مقلاع داوود” للتعامل مع التهديدات الصاروخية ذات المديين المتوسط والبعيد، بالإضافة إلى محاولات تطوير نظام دفاع ليزري، كردّ فعل على تعاظم القدرات الصاروخية لحركات المقاومة في المنطقة.
وأنتجت الشركة كذلك نظام “تروفي” للدفاع النشط عن الدبابات ضد الصواريخ الموجهة، كمحاولة لحلّ أزمة دبابات “جيش” الاحتلال التي ظهرت في عام 2006 في الحرب مع المقاومة في جنوبي لبنان.
كما طوّرت الشركة وأنتجت، إلى جانب الصناعات الدفاعية، صواريخ “سبايك” أرض-أرض الموجهة المضادة للدبابات والتحصينات، وصواريخ “بوب آي” جو-أرض، وتعديل آخر بحر-أرض ليتمّ إطلاقه من الغواصات، ومنظومة قيادة عن بعد للزوارق والآليات والأسلحة، بالإضافة إلى صواريخ “كاسر الموج” بحر-بحر.
أهمية الصناعات العسكرية بالنسبة للاحتلالتعتمد “إسرائيل” على منتجاتها العسكرية والأمنية المتقدمة، أو “التكنولوجيا العسكرية” التي تدّعي أنها متقدّمة على المستوى العالمي في هذا المجال، لتسويق أهمية العلاقات معها. وتبيع “إسرائيل” أسلحة وتكنولوجيا أمنية وعسكرية للعديد من الدول، كأذربيجان ونيجيريا والإمارات والبحرين والأرجنتين وفنلندا، ما يساهم في زيادة نفوذها في حكومات هذه الدول عبر امتلاك القدرة على التأثير في أمنها وقوتها العسكرية.
وتعدّ الأسلحة الإسرائيلية ذات ميزة عالمية بأنها “مجربة في الميدان”، وهي الميزة التي تفتخر بها الصناعات العسكرية الإسرائيلية أمام منتجات دول أخرى لا فرصة لديها لتجربة أسلحتها في حروب حقيقية. وبالتالي، تعدّ الحروب والاعتداءات المتكررة على الفلسطينيين بشكل خاص، فرصاً أمام شركات التصنيع العسكري والتطوير الإسرائيلية، لتجربة أسلحتها في ميدان حرب حقيقي.
مصانعهايقع المقرّ الرئيسي للشركة في منطقة خليج حيفا، ويضمّ مكاتبها الرئيسية. كما يقع مجمع المصانع الرئيسي في شرقي حيفا في الوسط بين الساحل وبحيرة طبريا، خارج الكتلة العمرانية للمدينة، ويضمّ المصانع الأساسية للشركة.
كما تملك الشركة عدداً من المصانع والمختبرات في مستوطنات في الجنوب والشمال، ضمن ما تراه “واجباً” تجاه انتشار المستوطنين في الأراضي المحتلة، ولا سيما في المناطق الحدودية.
ومن أبرز هذه المنشآت معهد داوود في كريات، ومعهد ليخيم في غوش مشغاف، ومركز الابتكار في منطقة ثيريديون الصناعية، وفروع للأبحاث والتطوير في مدن “تل أبيب” والقدس وبئر السبع المحتلة، بالإضافة إلى عدد من الحقول التجريبية في وسط فلسطين المحتلة وجنوبها وفي صحراء النقب.
مصنع “شلومي”في تشرين الثاني/نوفمبر من العام 2020، أعلن الرئيس التنفيذي لشركة “رافاييل”، اللواء يوآف هار إيفان، في حفل في مستوطنة “شلومي” الحدودية مع لبنان، توقيع عقد بيع وبدء أعمال التجديد في مصنع جديد للشركة في المجمع الصناعي في المستوطنة، معتبراً أنّ “هذه بالنسبة لنا خطوة أولية صغيرة نحو خطوة كبيرة مهمة لاحقاً”.
وأضاف: “ليس لدي أدنى شك في أن هذا سيفتح الباب أمام العديد من الوظائف وإمكانات النمو الإضافية لرافاييل، فالأمن لا يقتصر على الميزانيات فحسب، ولا يقتصر على التسلح فحسب، بل يشمل أيضاً الأمن المهني والأمن الاقتصادي والأمن الاجتماعي”.
بدوره، رئيس مجلس مستوطنة “شلومي” أكّد أنّ “هذه أخباراً مهمة جداً لمستوطنتنا، وبالتأكيد هي شيء مهم ومهم جداً لتعليم أطفالنا ومهندسي المستقبل الذين سيأتون للعيش هنا في شلومي والمنطقة.. إنّ مصنع رافاييل الموجود هنا في شلومي هو شيء كبير وأنا أرحّب به”.
وكان من المقرر أن يكون المصنع فرعاً تنفيذياً آخر لأنشطة الإنتاج والصيانة الشاملة لشركة “رافاييل” في الشمال، وتمّ بناء الفرع على مبنى قائم في المنطقة الصناعية، وكان يعيش معظم موظفيه إلى حين اندلاع التصعيد في الشمال في “شلومي” وما حولها.
المقاومة تستهدف مصنع “رافاييل” رداً على قصف مصنع في الجنوبشكّل استهداف المقاومة لمصنع “رافاييل” ضربة على أكثر من مستوىً بالنسبة للاحتلال وقيادته كما بالنسبة للشركة الإسرائيلية الحكومية، وترك أثراً كبيراً في مستوطني الشمال كذلك.
فعلى مستوى الشركة، أعلن قصف المصنع أنّ الهدوء النسبي الذي كانت تنعم به الجبهة الشمالية انتهى بعد عملية “طوفان الأقصى”، وبالتالي فإنّ المنطقة التي أعلنت فيها حالة الطوارئ العسكري في الشمال، ضمن حزام حدودي يصل عرضه إلى نحو 5 كيلومترات، أصبحت مكاناً غير مناسب حالياً لأي نشاط صناعي إسرائيلي.
كما أنّ انعدام أي أفق بالنسبة لموضوع الردع على الجبهة الشمالية عند “جيش” الاحتلال، وعدم استعداد المقاومة لإعطاء أي ضمانات أمنية للاحتلال ومستوطنيه، وهو ما أدى إلى أن يرفض معظمهم العودة إلى المستوطنات في ظلّ الوضع القائم، ألغى الآفاق المستقبلية لأي رهان على التنمية الصناعية في المناطق الحدودية، وما يرتبط بها من ازدهار مرتقب على مستوى سكن المستوطنين والحركة الاقتصادية.
التبعات على مستوى الصناعات العسكرية الإسرائيليةكانت شركات “إلبيت سيستمز” و”رافاييل” وصناعات الفضاء الإسرائيلية، وهي أبرز شركات الأسلحة في الكيان، غارقة بالفعل بطلبات من الخارج بسبب الحرب في أوكرانيا وحاجة دول “الناتو” إلى أسلحة وذخائر وغيرها.
فقد بدأت العديد من الجيوش في أوروبا، التي فتحت مستودعات ذخيرتها لدعم الجيش الأوكراني وتجهيزه بوسائل القتال ضد الجيش الروسي، في تجديد المخزونات – وتوجهت إلى الصناعات الإسرائيلية لتأمين حاجاتها، مع التركيز على شراء أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ الهجومية الدقيقة، منجذبة بشكل خاص إلى تعهدات الشركات الإسرائيلية بتسليم سريع.
ولكنّ الحرب في غزة فاقمت المخاطر والاحتياجات العملياتية لـ”الجيش” الإسرائيلي، مع إعلان قيادة الاحتلال استمرار نيتها التوغل البري في غزة، إلى جانب إمكانية تفاقم الوضع على الجبهة الشمالية مقابل حزب الله، ما وضع الصناعات العسكرية الإسرائيلية أمام أحد أكثر التحديات تعقيداً في تاريخها.
وأدى هذا الأمر إلى أن تقوم المصانع بإعادة تقييم خطط الإنتاج الخاصة بها، على مديات قريبة ومتوسطة على الأقل، بسبب أنّ شركات “إلبيت سيستمز” و”رافاييل” وصناعات الفضاء الإسرائيلية كانت خطوط إنتاجها تعمل بكامل طاقتها قبل الحرب.
وقد أدّى إغلاق مصانع المستوطنات الشمالية، ومنها “شلومي”، بالإضافة إلى استهداف الأخير وإخراجه من الخدمة، إلى زيادة الضغط على الصناعة في المصانع في الجنوب، والتي اضطر عدد منها إلى الإغلاق كذلك بسبب قربه من غزة.
واليوم، تجهد مصانع الاحتلال لتأمين حاجة الكيان المستجدة من الذخائر والأسلحة، لا سيما الصواريخ الاعتراضية والقذائف، وتجد الصناعات نفسها تحت ضغوط إنتاجية كبيرة لم تشهدها سابقاً.
فمن بين منتجات “رافاييل”، تبرز صواريخ “تامير” المخصصة للقبة الحديدية، وصواريخ مقلاع داوود، وصواريخ سبايك، وغيرها، ومن منتجات شركة “إلبيت”، تبرز الصواريخ الدقيقة “روميك” و”كيدون كاسوم”، وقذائف الهاون وقذائف الدبابات من نوع “كالانيت”، و”هاتساف”، و”راكيفت”، التي استخدمها “الجيش” الإسرائيلي في العملية البرية على نطاق واسع.
وقد أطلق الاحتلال عملية لتجنيد الشباب والمتقاعدين لإدارة خطوط الإنتاج في منشأة التصدير التابعة لقسم الأراضي التابع للشركة، في منشأة تاس (الصناعات العسكرية الإسرائيلية) السابقة في “رمات هشارون”، واستجاب المئات للنداء، بعد تلقيهم وعوداً بالتعويض المناسب مقابل الالتزام بفترة عمل مدتها شهران مقابل 8 ساعات، مع إمكانية العمل الإضافي.
وتحولت شركة “رافاييل” إلى العمل على مدار الساعة في جميع مواقع الإنتاج التابعة لها، وذلك بعد أشهر قليلة من تلقي “رافاييل” الطلب الأول من عميل دولي، وهو الجيش الدنماركي، من أجل مقلاع داوود، وإعلان صفقة مرتقبة مع فنلندا. كما ذكرت شركة “إلبيت” أنها “معبّأة لدعم احتياجات “جيش” الدفاع الإسرائيلي، وتعمل في حالة طوارئ 24 ساعة يومياً و7 أيام في الأسبوع”.
وتعليقاً، قال مسؤول في الشركة إنّه “إذا كانت نيكاراغوا تنتظر صاروخاً، فسيتعين عليها الانتظار لفترة أطول قليلاً، وعليهم أن يتفهموا إذا تخلفنا عن الإمدادات لأن لدينا حرباً هنا”.
كما قال مسؤول تنفيذي في إحدى الشركات: “نحن جميعاً ملتزمون بالمهمة الوطنية المتمثلة في دعم المجهود الحربي”. ولدى هذه الشركات الثلاث حالياً أكبر تراكم للطلبات على الإطلاق، يقترب نطاقه من 150 مليار شيكل، أي نحو 30 مليار دولار، في ظلّ مخاوف جدية من تكاليف باهظة للعمل الإضافي ومخاطر حقيقية في التخلف عن التسليم، ما سيعني ضربة لسمعة الشركات الإسرائيلية في السوق الدولية وموثوقيتها.
التبعات على المستوطنينبالنسبة للمستوطنين في الشمال، فقد تلقوا خبر استهداف المصنع بقلق بالغ، إذ كانت هذه المصانع هي السبب في انتقال عدد كبير للعيش في هذه المستوطنات الحدودية، على أمل أن يجدوا فرص عمل جيدة وأمناً. أما اليوم، فقد أصبح الأمن بعيداً عن مستوطنات الشمال، على مستوى الاقتصاد كما على مستوى الأمن الجسدي والتعليمي وغيره.
وقد يتحول استهداف المصنع العسكري في “شلومي” إلى نموذج عن هشاشة الوضع الصناعي في الشمال، وبالتالي يؤدي إلى إلغاء خطط تطوير الصناعة على الحدود مع لبنان على أقلّ تقدير، هذا في حال لم تتوسع دائرة التصعيد والقصف الصاروخي، ما سيضع حياة آلاف المستوطنين، وآلافاً أخرى من عائلاتهم وأقاربهم، في مهبّ غياب فرص العمل والسكن والأفق، ويفاقم أزمة “هجرة اليد العاملة المتخصصة” من كيان الاحتلال إلى أوروبا والولايات المتحدة.
*الميادين نت – هادي حطيط
المصدر: الجديد برس
كلمات دلالية: بالإضافة إلى ملیون دولار فی مستوطنة فی الشمال على مستوى حزب الله لا سیما
إقرأ أيضاً:
“قاعدة دييغو غارسيا” العسكرية الأمريكية.. كيف تستخدمُها واشنطن في العدوان على المنطقة؟
تُعتبَرُ جزيرةُ دييغو غارسيا، أكبرَ جزر أرخبيل تشاغوس الواقعة في وسط المحيط الهندي، وتتميز بموقعٍ ذِي أهميّةٍ استراتيجية بالغة، حَيثُ تستضيف قاعدة عسكرية مشتركة بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة منذ سبعينيات القرن الماضي.
هذه الأهميّة الاستراتيجية جعلت قاعدة “دييغو غارسيا” العسكرية تلعب دورًا محوريًّا في العمليات العسكرية بمنطقة الشرق الأوسط ومناطق أُخرى.
وسنستعرض في هذا التقرير أسباب إنشاء “قاعدة دييغو غارسيا” العسكرية وأهميتها الاستراتيجية، ودورها في الصراعات الإقليمية، وإمْكَانية استخدامها المستقبلية.
أسباب قيام قاعدة عسكرية في دييغو غارسيا:
جاء قرار إنشاء القاعدة في سياق الحرب الباردة وانسحاب بريطانيا العسكري التدريجي من شرق السويس، حَيثُ رات الولايات المتحدة ضرورة ملحة لإنشاء وجود عسكري في المحيط الهندي لمواجهة النفوذ السوفيتي المتزايد مثل التواجد في عدن وبربرة في الصومال، وضمان السيطرة الأمريكية على المنطقة، وحماية ممرات نقل النفط الحيوية من الشرق الأوسط.
قدمت دييغو غارسيا موقعًا مثاليًّا لعدة أسباب حسب رؤية المخطّطين الأمريكيين (مثل ستيوارت باربر ومفهومه عن الجزر الاستراتيجية):
1 – الموقع المعزول: بعيدة عن التهديدات المحتملة والتعقيدات السياسية المرتبطة بالقواعد في دول مأهولة.
2 – الأهميّة الجغرافية: موقعها المركزي في المحيط الهندي يوفر نقطة ارتكاز استراتيجية.
زادت أهميّة القاعدة بعد الأحداث الإقليمية في أواخر السبعينيات، مثل سقوط شاه إيران وأزمة الرهائن، والاجتياح السوفيتي لأفغانستان؛ مما دفع الولايات المتحدة إلى توسيع كبير للمنشآت لضمان تدفق النفط من الخليج.
الأهميّة الاستراتيجية والوظيفية للقاعدة:
تُعَدُّ دييغو غارسيا ذات أهميّة استراتيجية ووظيفية هائلة للولايات المتحدة والمملكة المتحدة، حتى أنها تُلقَّبُ بـ “بصمة الحرية” لشكلها وموقعها.
تتميز جزيرة دييغو غارسيا بالموقع الجغرافي الفريد، حَيثُ تقع في وسط المحيط الهندي، مما يتيح الوصول السريع نسبيًّا إلى شرق إفريقيا والشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا وشمال غرب أستراليا، وتعتبر حاملة طائرات لا تغرق ونقطة ارتكاز محورية.
وتضمّ مطارًا به مدرجان متوازيان بطول 12,000 قدم (3,700 متر) وساحات واسعة لوقوف الطائرات، قادرة على استقبال وتشغيل قاذفات استراتيجية بعيدة المدى مثل B-52 وB-2 الشبح، بالإضافة إلى طائرات النقل والتزود بالوقود.
كما تحتوي الجزيرة على ميناء ذي مياه عميقة ومرسى واسع قادر على استيعاب أكبر السفن الحربية والغواصات وحاملات الطائرات في الأسطولين الأمريكي والبريطاني.
توفر القاعدة دعمًا لوجستيًّا شاملًا للقوات المنتشرة في المحيط الهندي والخليج العربي، بما في ذلك التزود بالوقود (تمتلك سعة تخزين ضخمة تبلغ 1.34 مليون برميل)، والصيانة، والتخزين المسبق للعتاد، ومرفق إسكان الآلاف من الأفراد.
تستضيف القاعدة سفن “سرب الدعم البحري المسبق الثاني” التابع للبحرية الأمريكية المحملة بمعدات تكفي لدعم قوة كبيرة من المارينز (دبابات، ناقلات جند مدرعة، ذخيرة، مستشفى ميداني متنقل) لمدة 30 يومًا.
تضم القاعدة منشآت اتصالات متقدمة مثل محطة الاتصالات والحوسبة البحرية، ومحطة نظام اتصالات عالمي عالي التردّد، ومرافق للمراقبة الفضائية مثل GEODSS التابع للقوة الفضائية الأمريكية، وكانت سابقًا مقرًّا لوحدة أمن بحرية متخصصة في استخبارات الإشارات، كما تعمل القاعدة كمركز انطلاق وتجمع وإعادة تموين للقوات قبل وأثناء العمليات العسكرية في المنطقة
دور القاعدة في حروب منطقة غرب آسيا:
لعبت قاعدة دييغو غارسيا دورًا حاسمًا كنقطة انطلاق ودعم لوجستي رئيسي في العديد من الصراعات والعمليات العسكرية الأمريكية في غرب آسيا وآسيا الوسطى:
حرب الخليج 1991: كانت مركزًا هامًا لنشر القاذفات ودعم العمليات ضد العراق بعد غزوه للكويت، وتم استخدام المعدات المخزنة مسبقًا على سفن لدعم القوات البرية.
عملية ثعلب الصحراء 1998: استخدمت كقاعدة لشن ضربات جوية على العراق.
عملية الحرية الدائمة في أفغانستان بدءًا من 2001: كانت نقطة الانطلاق الرئيسية للقاذفات الاستراتيجية (B-52، B-1B، B-2) التي شنت آلاف الغارات الجوية على أفغانستان، واستضافت أَيْـضًا قوات من دول حليفة مثل أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية.
عملية حرية العراق بدءًا من 2003: استمر دورها كقاعدة جوية وبحرية حيوية لدعم العمليات العسكرية في العراق.
الحملات ضد داعش: واصلت القاعدة تقديم الدعم الجوي واللوجستي للعمليات ضد التنظيم في العراق وسوريا.
باختصار، وفرت القاعدة منصة آمنة وبعيدة المدى ومجهزة تجهيزًا عاليًا مكنت الولايات المتحدة الأمريكية من إسقاط قواتها الجوية والبحرية في مناطق الصراع بالشرق الأوسط بكفاءة وفعالية.
كيف يمكن استخدام القاعدة ضد إيران واليمن؟
بناءً على موقعها الاستراتيجي وقدراتها العسكرية، يمكن استخدام قاعدة دييغو غارسيا ضد إيران واليمن بعدة طرق، أهمها:
1 – نقطة انطلاق للضربات الجوية بعيدة المدى: مدرجاتها الطويلة وقدرتها على استيعاب القاذفات الاستراتيجية (B-52، B-1B، B-2) تجعلها مثالية لشن غارات جوية دقيقة أَو واسعة النطاق على أهداف في إيران أَو اليمن، متجاوزة الحاجة لقواعد أقرب قد تكون أكثر عرضة للخطر أَو للقيود السياسية، ويمكن أَيْـضًا إطلاق طائرات بدون طيار متطورة منها للمراقبة أَو الهجوم.
2 – دعم العمليات البحرية: ميناؤها العميق يمكن أن يدعم عمليات الأسطول الأمريكي في بحر العرب والخليج والبحر الأحمر، بما في ذلك حاملات الطائرات والغواصات والسفن الحربية الأُخرى المشاركة في مهام المراقبة أَو الحصار المحتمل أَو العمليات الهجومية ضد أهداف بحرية أَو ساحلية إيرانية أَو يمنية.
3 – مركز لوجستي ودعم متقدم: يمكن استخدامها كمركز رئيسي للتزود بالوقود وإعادة التموين والصيانة للقوات الجوية والبحرية المشاركة في أي صراع محتمل، مما يزيد من قدرتها على البقاء والاستمرار في العمليات لفترات طويلة.
4 – جمع المعلومات الاستخباراتية والمراقبة: منشآتها المتقدمة للاتصالات والمراقبة (بما فيها الأقمار الصناعية والاتصالات عالية التردّد) يمكن أن تلعبَ دورًا في جمع المعلومات الاستخباراتية الحيوية عن تحَرّكات وقدرات إيران واليمن.
5 – مِنصة للعمليات الخَاصَّة: موقعها المنعزل وقدراتها الجوية والبحرية تجعلها نقطة انطلاق أَو دعم محتملة لعمليات القوات الخَاصَّة.
تظل دييغو غارسيا موقعًا استراتيجيًّا لا يُقدّر بثمن للولايات المتحدة والمملكة المتحدة في المحيط الهندي، وتوفر قدرات عسكرية هائلة للانتشار والعمليات في مناطق حيوية كمنطقة غرب آسيا.
وتستخدم الولايات المتحدة في “قاعدة دييغو غارسيا” مركز اتصالاتها لرصد حركة الأسطول السوفييتي في منطقة المحيط الهندي، بعد أن أصبح ذلك الأسطول الأكبر من حَيثُ الكم في تلك المنطقة في العام 1975، وقادرًا على الإفادة من التسهيلات البحرية في عدن، و”فيز أخا باتنام” (في الهند) وسقطرى (عند مدخل البحر الأحمر)، والصومال. كما أنها تستخدم القاعدة لرصد تجارب الصواريخ التي تقوم بها الصين الشعبيّة في المحيط الهندي. وفي الوقت نفسه، فَــإنَّ المحيط الهندي يعد من المناطق التي يمكن منها للصواريخ التي تُطلق من الغواصات أن تضرب أهدافًا صناعية في قلب الاتّحاد السوفييتي أَو الصين الشعبيّة،؛ الأمر الذي يعطي قاعدة دييغو غارسيا أهميّة استراتيجية كبيرة للولايات المتحدة.
ولقد زادت أهميّة القاعدة بالنسبة إلى الولايات المتحدة -والغرب عُمُـومًا- بعد إعادة فتح قناة السويس للملاحة في العام 1975م؛ نظرًا لأَنَّ فتح القناة جعل من السهل على الأسطول السوفييتي الانتقال بسرعة كبيرة من البحرين الأسود والأبيض المتوسط إلى المحيط الهندي. وزاد من أهميّة القاعدة كذلك تنامي أهميّة الخليج العربي كمصدر حيوي للطاقة، وضرورة مراقبة منابع النفط وطرق إيصاله إلى الغرب.
* المصدر/ مركز الاتّحاد للدراسات والتطوير
المسيرة