ما الذي يريدة أردوغان في تغيير نموذج 50+1 في الانتخابات القادمة ؟
تاريخ النشر: 24th, November 2023 GMT
هذه الأسئلة وغيرها بحثت صحيفة "اندبندنت التركية" عن أجوبة لها. تاريخ 20 نوفمبر (تشرين الثاني) يعد مهماً في السياسة التركية، ففي مثل هذا اليوم من عام 1961 تم تشكيل أول حكومة ائتلافية في البلاد على يد رئيس الوزراء آنذاك عصمت إينونو، وضمت هذه الحكومة وزراء من حزب العدالة وحزب الشعب الجمهوري، لكن منذ عام 2002 يحكم تركيا حزب واحد، وخلال السنوات الخمس الماضية كانت السلطة بيد "تحالف الشعب" الذي يضم حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية، وبحسب بعض المحللين السياسيين، فإن نظام "50+1"، الذي بُني للقضاء على الائتلافات، جلب معه تحالفات سرية.
من وجهة النظر هذه فإن تصريحات الرئيس رجب طيب أردوغان للصحافيين عند عودته، أخيراً، من زيارة ألمانيا لافتة للنظر، إذ أوضح أنه يريد تغيير نموذج "50+1" في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
وقال إن "تغيير هذا النظام سيكون مناسباً جداً، فإذا تم تمرير إجراء انتخاب المرشح الذي يحصل على الغالبية، فستكون الانتخابات الرئاسية متسلسلة، ولن تسبب أي جهد ولن تؤدي إلى مسارات خطأ، وفي الوقت الحالي يقود نظام 50+1 الأطراف إلى الطريق الخطأ، وليس من الواضح يد من بجيب من، ومن يدري ماذا سيأتي بعد ذلك؟ وعلى رغم هذا فإنه عندما يكون النظام هو أن المرشح الذي حصل على أكبر عدد من الأصوات يتم انتخابه، من حيث عدد الأصوات، يتم الانتهاء من الانتخابات بسرعة".
لماذا بات مرفوضاً؟ بعد هذه الكلمات مما لا شك فيه أن السؤال الأول الذي يتبادر إلى ذهن المعارضة هو لماذا بدأ الرئيس أردوغان يجد أن نظام "50+1" مرفوضاً؟ بعض أطراف المعارضة ترى أن أردوغان يحاول بذلك أن يتخلص من التحالف الذي يربطه بحزب الحركة القومية، وبهذا الخصوص يقول رئيس "الحزب الديمقراطي" غولتكين أويسال: "عندما بدأ أردوغان يخسر، أنشأ شريكاً من شأنه أن يوفر توازناً في نظام 50+1، والآن هذا الشريك لا يكفي، يبحث أردوغان عن شركاء آخرين، لكن كل شريك سيكون عبئاً عليه".
في الحقيقة ليست هذه هي المرة الأولى التي يطرح فيها موضوع "50+1"، بل سبق أن تطرق إلى هذه القضية الرئيس أردوغان خلال بث مشترك لـ14 قناة تلفزيونية قبل الانتخابات الرئاسية في مايو (أيار) الماضي، ورداً على سؤال حول ما إذا كان سيكون هناك نظام عكس "50+1" للانتخابات الرئاسية، قال "إذا كانت هناك أحزاب سياسية ستشارك في مثل هذا الهيكل أو مثل هذا الترتيب، فلا يمكن أن يحدث هذا، وربما يحدث وأنا أؤيد ذلك".
وهناك من يرى أن أردوغان يريد حشد دعم لدستور جديد للبلاد، وقد أشار إلى ذلك قبل الانتخابات بستة أشهر، حيث ذكر أن حكومته ستتخذ خطوة في هذا الاتجاه، مشيراً إلى أن العمليات الانتخابية ستكون "أكثر راحة" بعد التعديلات الدستورية، إذا ما نوع الصورة التي يمكن أن يجلبها التغيير المحتمل لتركيا؟ الأستاذ في جامعة بيلغي إسطنبول إمره أردوغان يقول "لو أننا ذهبنا إلى نظام الغالبية المطلقة من الجولة الأولى في الانتخابات، يمكن أن يحصل المرشح الأوفر حظاً على 24 في المئة من الأصوات، وبذلك سيكون هناك 76 في المئة من الشعب لا يريده، وهذا يوضح أن هذا النظام الذي نسميه (اللقطات الأولى) يقوض التمثيل، وإذا تم انتخاب رئيس بهذه الطريقة سيؤدي إلى خلق مشكلات، وسيكون هذا النظام ضاراً بعمل ونوعية الديمقراطية، لذلك أنا لست متأكداً من مدى جدية عرض أردوغان".
أزمة شرعية حقيقية بينما يعتقد أستاذ العلاقات الدولية في جامعة كوتش علي شار أوغلو أنه إذا أصبح شخص لم يتم انتخابه بدعم من أكثر من نصف السكان رئيساً للسلطة التنفيذية، فإن ذلك سيخلق نقاشاً مباشراً حول الشرعية في تركيا، وفي مثل هذه الحالة قد يكون هناك خطر من أن الانتخابات في تركيا لن يكون لها معنى، لأن السبب الوحيد لعدم وجود أزمة شرعية حقيقية في تركيا في الوقت الحالي هو نموذج "50+1".
ويقول شار أوغلو "المعارضة في الواقع في نفس القارب مع حزب العدالة والتنمية وأردوغان، لأنه مثلما أن حزب العدالة والتنمية ملزم الحكم فقط من خلال تحالف، فإن المعارضة هي نفسها، ولا أعتقد أن المعارضة سترغب في إلغاء هذا النظام، لأن ذلك سيجلب لها خسارة جديدة، وتغيير هذا النظام سيكون بالنسبة لتركيا كارثة غير عادية، بأن يحكمها نظام رئاسي لا يحظى بدعم الغالبية".
ويوضح "أنا لا أبالغ عندما أقول كارثة، والسبب أن الناس الآن صامتة ومتقبلة لحكم أردوغان لأن هذا ما فرضته الديمقراطية، وهذا اختيار أكثر من نصف الشعب، لكن إذا تغير نظام 50+1 لن يصمت أحد، باعتقادي أن النظام الحالي هو الأفضل لأنه يعني أن هناك أكثر من 50 في المئة من الشعب خلف الرئيس، وأعتقد أن إلغاء هذا النظام لن يحدث على الإطلاق".
في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2019، ادعى الوزير السابق وأحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية فاروق جيليك أن نظام "50+1" متعب للانتخابات، موضحاً أن علم الاجتماع والاقتصاد في تركيا لا يمكنهما التعامل مع هذا النموذج. وقال جيليك "من يحصل على 40 في المئة أو أكثر من الأصوات في الجولة الأولى يجب انتخابه"، هذا الطرح حينها أدى إلى انتقادات متعددة، لأن أصوات حزب العدالة والتنمية انخفضت إلى ما دون 50 في المئة، وهذا العرض يؤدي إلى أن الحزب إذا حصل على أصوات تبلغ 40 في المئة وحده يمكنه التخلي عن التحالف مع حزب الحركة القومية، وبالفعل أُجري بحث في هذا الاتجاه.
وفي نوفمبر عام 2021، ظهرت هذه القضية مرة أخرى خلال اجتماع بين الرئيس أردوغان ورئيس حزب السعادة تمل كرم الله أوغلو، حيث قال حينها: "لقد فهمنا أن نموذج 50+1 تقطعت به السبل".
وبعد أيام قليلة من هذا الاجتماع قال وزير العدل وعضو المجلس الاستشاري الأعلى جميل جيجك، إن نظام 50+1 تسبب في الاستقطاب بتركيا.
في ذلك الوقت رد زعيم حزب الحركة القومية دولت بهجلي بشكل قاس على ذلك، حيث قال "أساس الشرعية الديمقراطية للنظام القائم في تركيا هو نموذج 50+1، نحن بهذا النموذج لا ننتخب النواب، ولا ننتخب رؤساء البلديات، بل ننتخب رئيساً يمثل الجمهورية بأكملها، من السخف بالنسبة لنا أن نتعاطف مع الذين ينتقدون هذا النموذج".
كما قال نائب رئيس المجلس الرئاسي للسياسة القانونية محمد أوتشوم إن مجرد "مناقشة نموذج 50+1 يعد تجزئة لإرادة الشعب، والذين لا يريدون هذا النموذج هدفهم تحطيم إرادة الشعب والسيطرة على تركيا بحرية".
مقارنة سياسية أما الأستاذ في جامعي كوتش علي شار أوغلو، فيجري مقارنة بين النظام السياسي الحالي والسابق في تركيا، فيقول "في سبعينيات القرن الماضي لم يكن هناك حزب الحركة القومية، ولو كان النموذج حينها نفس النموذج الحالي لن يتمكن حزب العدالة والتنمية من الحصول على غالبية برلمانية، وكذلك سيكون منصب الرئاسة في خطر بالنسبة له، ومع ذلك في الماضي لم يكونوا في حاجة إلى انتخابات رئاسية، وعندما حصل حزب العدالة والتنمية على 34 في المئة من الأصوات كان قادراً على حكم البلاد كحزب مهيمن".
ويقول شار أوغلو "اليوم عندما نقول (دعونا نلغي التحالفات)، فهذه عبارة كبيرة جداً، لأن هذا القرار يتخذه الناخبون، فلا يمكن القضاء على التحالفات إلا من خلال تفضيلات الناخبين، وتفضيلات الناخبين في تركيا منقسمة، وبغض النظر عما فعله إلا أن حزب العدالة والتنمية هو في الواقع الحزب الأكثر نجاحاً في تركيا، فهذه البلد ليست دولة يمكن حكمها بسهولة".
ويضيف "هناك من يرى أن نظام 50+1 يزيد من شرعية الرئيس، ويضمن الاستقرار السياسي، ويقلل من خطر التحالفات، ويعكس تماماً إرادة الشعب، ووجهة النظرة المقابلة ترى أن هذا النموذج يعطي كثيراً من السلطة للرئيس، ويضعف السيطرة البرلمانية، ويزيد من الاستقطاب السياسي، ويعوق التعددية السياسية، وبالنسبة إلى المعارضة فهي ترى أنه في نظام من دون نموذج 50+1 يجب تعزيز الفصل بين السلطات، وزيادة سلطات البرلمان وتعزيز نظام قانوني قوي، وفي هذا السياق أعتقد أن أردوغان بدأ يرى أن حزب الحركة القومية يشكل عبئاً، وأنه يخطط للتخلص من هيمنته، وأيضاً يخطط لتأمين انتخابات 2028 من الآن".
لكن أستاذ العلوم السياسية إمره أردوغان يختلف بشدة مع هذا الرأي، ويقول "لا أرى أي خلاف بين حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية وأردوغان وبهجلي، الذين يقولون هذا هم نفس الأشخاص الذين يقولون إن دخول حزب الحركة القومية الانتخابات بمفرده هو انتحار، لكن الحقيقة هي أن حزب الحركة القومية راض عن الوضع الحالي، وبصفتي شخصياً أتابع حزب الحركة القومية فهو سعيد لأن الخطوط الحمراء التي وضعها لم يتم تجاوزها، ومن هذه الخطوط هي عدم إجراء أي مشاورات مع حزب الشعوب الديمقراطي، أما تصريحات أردوغان الأخيرة في شأن احتمالية تغيير نموذج 50+1 فأعتقد أنه أطلقها مثل (بالون يحلق) ليرى ما هو رد الفعل عليه ومدى التفاعل معها.
ما هو نظام "50+1"؟ نظام أو نموذج "50+1" يعني صوت واحد أكثر من 50 في المئة من الأصوات الصحيحة في الانتخابات، وقد تم تطبيق هذا النموذج للمرة الأولى في الانتخابات الرئاسية في 10 أغسطس (آب) 2014 وتم انتخاب رجب طيب أردوغان رئيساً من الجولة الأولى بنسبة 51.79 في المئة، وذلك بعد 7 سنوات من الاستفتاء الذي أجري في أكتوبر (تشرين الأول) 2007، حيث تمت الموافقة على انتخاب الرئيس من قبل الشعب بدلاً من البرلمان بنسبة 68.95 في المئة
المصدر: مأرب برس
كلمات دلالية: حزب العدالة والتنمیة الانتخابات الرئاسیة حزب الحرکة القومیة فی الانتخابات هذا النموذج فی المئة من من الأصوات هذا النظام فی ترکیا أکثر من نظام 50 1 أن حزب أن هذا
إقرأ أيضاً:
من أوكرانيا إلى فلسطين.. العدالة التي تغيب تحت عباءة السياسة العربية
في المحاضرة الرمضانية الـ 12 للسيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي، أشار إلى حقيقة صارخة لا يمكن إنكارها: الفرق الشاسع بين الدعم الغربي لأوكرانيا في مواجهة روسيا، وبين تعامل الدول العربية مع القضية الفلسطينية، هذه المقارنة تفتح الباب على مصراعيه أمام تساؤلات جوهرية حول طبيعة المواقف السياسية، ومعايير “الإنسانية” التي تُستخدم بمكيالين في القضايا الدولية.
أوروبا وأوكرانيا.. دعم غير محدود
منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، سارعت الدول الأوروبية، مدعومةً من الولايات المتحدة، إلى تقديم كل أشكال الدعم لكييف، سواء عبر المساعدات العسكرية، الاقتصادية، أو حتى التغطية السياسية والإعلامية الواسعة، ولا تكاد تخلو أي قمة أوروبية من قرارات بزيادة الدعم لأوكرانيا، سواء عبر شحنات الأسلحة المتطورة أو المساعدات المالية الضخمة التي تُقدَّم بلا شروط.
كل ذلك يتم تحت شعار “الدفاع عن السيادة والحق في مواجهة الاحتلال”، وهو الشعار الذي يُنتهك يوميًا عندما يتعلق الأمر بفلسطين، حيث يمارس الاحتلال الإسرائيلي أبشع الجرائم ضد الفلسطينيين دون أن يواجه أي ضغط حقيقي من الغرب، بل على العكس، يحظى بدعم سياسي وعسكري غير محدود.
العرب وفلسطين.. عجز وتخاذل
في المقابل، تعيش فلسطين مأساة ممتدة لأكثر من 75 عامًا، ومع ذلك، لم تحظَ بدعم عربي يقترب حتى من مستوى ما قُدِّم لأوكرانيا خلال عامين فقط، فالأنظمة العربية تكتفي ببيانات الشجب والإدانة، فيما تواصل بعضها خطوات التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، في تناقض صارخ مع كل الشعارات القومية والإسلامية.
لم تُستخدم الثروات العربية كما استُخدمت الأموال الغربية لدعم أوكرانيا، ولم تُقدَّم الأسلحة للمقاومة الفلسطينية كما تُقدَّم لكييف، ولم تُفرض عقوبات على إسرائيل كما فُرضت على روسيا، بل على العكس، أصبح التطبيع مع الكيان الصهيوني سياسة علنية لدى بعض العواصم، وتحول الصمت العربي إلى مشاركة غير مباشرة في استمرار الاحتلال الصهيوني وجرائمه.
المقاومة.. الخيار الوحيد أمام هذه المعادلة الظالمة
في ظل هذا الواقع، يتجلى الحل الوحيد أمام الفلسطينيين، كما أكّد السيد القائد عبدالملك الحوثي، في التمسك بخيار المقاومة، التي أثبتت وحدها أنها قادرة على فرض معادلات جديدة، فمن دون دعم رسمي، ومن دون مساعدات عسكرية أو اقتصادية، استطاعت المقاومة أن تُحرج الاحتلال وتُغيّر قواعد الاشتباك، وتجعل الاحتلال يحسب ألف حساب قبل أي اعتداء.
وإن كانت أوكرانيا قد حصلت على دعم الغرب بلا حدود، فإن الفلسطينيين لا خيار لهم سوى الاعتماد على إرادتهم الذاتية، واحتضان محور المقاومة كبديل عن الدعم العربي المفقود، ولقد أثبتت الأحداث أن المقاومة وحدها هي القادرة على إحداث تغيير حقيقي في مسار القضية الفلسطينية، بينما لم يحقق التفاوض والتطبيع سوى المزيد من التراجع والخسائر.
خاتمة
عندما تُقاس المواقف بالأفعال لا بالشعارات، تنكشف الحقائق الصادمة: فلسطين تُترك وحيدة، بينما تُغدق أوروبا الدعم على أوكرانيا بلا حساب، وهذه هي المعادلة الظالمة التي كشفها السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي، حيث يتجلى التخاذل العربي بأبشع صوره، ما بين متواطئ بصمته، ومتآمر بتطبيعه، وعاجز عن اتخاذ موقف يليق بحجم القضية.
إن ازدواجية المعايير لم تعد مجرد سياسة خفية، بل باتت نهجًا مُعلنًا، تُباع فيه المبادئ على طاولات المصالح، بينما يُترك الفلسطيني تحت القصف والحصار. وكما أكد السيد القائد عبدالملك الحوثي، فإن المقاومة وحدها هي القادرة على إعادة التوازن لهذه المعادلة المختلة، مهما تعاظم التواطؤ، ومهما خفتت الأصوات الصادقة.