الجزيرة:
2025-04-26@07:47:15 GMT

جنوب لبنان.. مركز المقاومة ضد إسرائيل

تاريخ النشر: 24th, November 2023 GMT

جنوب لبنان.. مركز المقاومة ضد إسرائيل

جنوب لبنان منطقة جغرافية تتميز بموقع إستراتيجي بحدودها التي تشكل مثلثا مع الحدود السورية والفلسطينية. وتعد بؤرة صراع بين إسرائيل ولبنان منذ عقود، تعيش حالات من عدم الاستقرار الأمني، جراء الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة.

بعد مرور ما يقرب من 17 عاما دون مواجهات بين أطراف الصراع منذ عام 2006، أصبح جنوب لبنان ساحة حرب جديدة تزامنا مع عملية طوفان الأقصى التي أطلقتها المقاومة الفلسطينية بقيادة كتائب عز الدين القسام -الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)- في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 ضد مستوطنات غلاف غزة، وردت عليها إسرائيل بحرب "السيوف الحديدية".

الموقع

يقع في الجهة الجنوبية من لبنان، يحده من الشرق سوريا ومن الجنوب إسرائيل. ويمتد من النهر الأولي شمالا (مدخل مدينة صيدا من جهة الساحل الشمالي) حتى الناقورة، عند الحدود مع إسرائيل جنوبا، ومن البحر الأبيض المتوسط غربا حتى مشارف البقاع عند مشغرة.

تتوزع على الحدود الجنوبية اللبنانية ثلاث قطاعات تعرف بـ "الخط الأزرق" هي: القطاع الغربي ويضم منطقة الناقورة، والقطاع الأوسط وتعد أبرز مناطقه عيتا الشعب، مارون الراس، بنت جبيل، والقطاع الشرقي الذي يعتبر الأهم إستراتيجيا، إذ يضم قرى منطقة العرقوب في سلسلة جبال تطل على فلسطين.

ويشمل جنوب لبنان إداريا محافظتي الجنوب -التي تقع على ساحل المتوسط- والنبطية -التي تقع في القطاع الأوسط والشرقي-.

المساحة والسكـان

يغطي جنوب لبنان مساحة تقدر بـ1045 كيلومترا مربعا، وتقدر ساكنته بحوالي 800 ألف نسمة. وقد دل الإحصاء السكاني الرسمي لعام 1921 وعام 1933 في عهد الانتداب الفرنسي، وإحصاء 1961 وعام 1964 في عهد دولة الاستقلال، على أن العدد السكاني في الجنوب يمثل نسبة 20% من إجمالي سكان لبنان، بما يمثل المرتبة الثالثة بعد محافظة جبل لبنان ولبنان الشمالي.

يحتل جنوب لبنان المرتبة الأولى بين العاصمة والمحافظات اللبنانية الأخرى بمعدل سنوي في الولادات نسبته 26.07%، وفق الإحصاء المركزي للمديرية التابعة لوزارة التصميم العام.

وصنفت الدراسات الجنوب اللبناني في سنوات 1960 و1970 أقل المناطق نموا في البلاد، وتسجل مناطق الجنوب والنبطية تراجعا نسبيا في جذب السكان بين عامي 1997 و2004، إذ كان لعدم الاستقرار جراء الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة أثر كبير على النمو الديمغرافي وتوزيع السكان.

التنوع العرقي واللغة

ينتمي غالبية سكان الجنوب إلى أصول عربية وقلة منهم تنحدر من أصول تركية وفارسية وأوربية، إضافة إلى أن كثيرا من عائلات السواحل من أصل مغربي. ويظهر التطور الديمغرافي للجنوب اللبناني تنوعا للطوائف والمذاهب، إذ يشكل الشيعة فيه المكون الأكثر عددا، يليهم الموارنة فالسنة، ثم بقية الطوائف.

ينتمي معظم المسلمين في الجنوب إلى الطائفة الشيعية على المذهب الجعفري، وبقيتهم من الطائفة السنية، ويقيم معظمهم في المدن الساحلية (صيدا)، وهناك فئة قليلة جدا من الدروز. أما المسيحيون فهم قلة ويقيم معظمهم في الداخل، وهم أقلية في الجنوب عموما، وأكثرية في بعض مناطقه، خاصة الجبلية والداخلية.

يتميز جنوب لبنان -إضافة إلى اللغة العربية اللغة الرسمية للبلاد- بتنوع لغوي رسخته الغزوات الاستعمارية والتبشيرية، بدءا بالفرنسية وانتهاء بالبعثات البريطانية أو الأميركية.

جبل عامل وبلاد البشارة

عُرف الجنوب قرونا عديدة باسم (جبل عامل أو بلاد البشارة)، ثم اختفى هذا الاسم مع إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920. وكان تاريخيا منطقة صراعات وتجاذبات إقليمية ودولية، وشهد مجموعة من الأحداث، شكلت تغييرات في الجغرافيا والبنية السياسية.

يعني الجنوب في التاريخ القديم (صيدا وصور) بالدرجة الأولى، ويرجع تاريخهما بحسب ما يتوافر من معطيات أثرية إلى ما لا يقل عن 5 آلاف إلى 6 آلاف سنة. وقد استمر نشاط المدينتين وما يجاورهما من مناطق الجنوب، في الملاحة والتجار ومختلف الصناعات والفنون الحرفية.

في أزمنة تاريخية غابرة عرفت أرض الجنوب باسم "جبل عامل"، وتختلف روايات تسميته بذلك باختلاف مصدرها، وإن رجحت نسبته إلى قبيلة بني عامل التي نزحت إليه من اليمن، فسميت المنطقة باسمها وأطلق على سكانها العامليين.

وأطلق على المنطقة أيضا اسم "بلاد البشارة"، ويقال أيضا البشارتان: القبلية والشمالية يفصل بينهما نهر الليطاني، فيما اختلف المؤرخون حول نسبة الاسم إلى بشارة بن معن والأمير حسام الدين بن بشارة.

وشهدت منطقة "جبل عامل" حركة نزوح سكانية ساهمت في توسيع الحركة الاستيطانية فيها، وأصبحت ملاذا لبعض الطوائف الدينية المسيحية كالموارنة، والمسلمة كالشيعة أو الدروز. وكانت بها نهضة علمية شاملة، إذ ضمت القرى والمدن مكتبات ومدارس ومعاهد، تخرج منها علماء ومثقفون.

وتتحدث كتب التاريخ عن حقب سياسية توالت على المنطقة لا تزال صروحها المعمارية والعمرانية بادية لحد الآن، بدءا بالأمويين، إلى الصليبيين في القرنين الـ11 والـ12م، ثم المماليك في القرن الـ13م، ثم العثمانيين ابتداء من القرن الـ16م.

ظل "جبل عامل" يتبع إداريا عدة مراكز تغيرت مع العهود المتوالية، ففي العهد العربي ألحق بجند فلسطين، وبقي كذلك في العهد الصليبي، وخلال العهد المملوكي تبع أحيانا لولاية صفد، وأحيانا أخرى لولايتي الشام وعكا على فترات، ومن عام 1888م إلى 1918م كان تابعا لولاية بيروت.

بقي اسم (جبل عامل وبلاد البشارة) هو الاسم المعتمد حتى فترة الاحتلال الفرنسي 1918، ولكن مع إعلان المفوض السامي الفرنسي الجنرال غورو دولة لبنان الكبير في أغسطس/آب 1920، أصبح اللقب المتواتر للمنطقة هو جنوب لبنان (أو الجنوب حسب التعبير الشائع على ألسنة العامة).

الجغرافيا

يوجد في جنوب لبنان ثلاثة مناطق جغرافية: سهلية وهضبية وجبلية، وشاطئ بحري يمتد من الناقورة جنوبا حتى صيدا شمالا، إضافة إلى ثروة مائية تمثل ثلث مياه لبنان.

يمتاز الجنوب بوعورة تضاريسه وكثرة الخوانق النهرية والمرتفعات الجبلية، ويعد أعلى قممها جبل الباروك عند بيت الدين، وجبل نيحا وجبل الريحان عند جزين.

تتخلل الجبال ممرات طبيعية منها ممر مرجعيون، الذي يفصل بين جبل لبنان في وسط جنوب شرق بيروت، وجبل عامل في الجنوب بالقرب من الحدود الفلسطينية.

قوس النصر يقع في مدينة صور وتعود أصوله للعصور الرومانية ويرمز للنصر في المعارك والحروب (غيتي)

كما تشكل عدد من الخوانق النهرية في الجنوب، جزءا من تضاريس السطح الجغرافي، ومن أهمها خانق عين زحلتا، وخانق بشري عند منابع نهر الأولي.

وينبع نهر الزهراني من سفوح جبل نيحا ويتجه نحو الجنوب والجنوب الغربي إلى أن يصب في البحر المتوسط جنوبي صيدا، بينما نهر الليطاني يسير في واد يبدأ من شمال سهل البقاع ويخترق جبال لبنان الغربية عند مشغرة شرقي صيدا، كما يخترق سهل القاسمية على الساحل، وتنتشر على ضفتيه مدن بنت جبيل ومرجعيون جنوباً، والنبطية وجزين وبعض قرى صيدا شمالا.

المناخ

يتميز الجنوب بالمناخ نفسه السائد في لبنان، وهو المناخ المتوسطي المعتدل، ذو الشتاء المطير والصيف الحار والجاف، مع بعض التفاوت الناجم عن امتداد التضاريس واختلافها في الجنوب.

أهم مدن جنوب لبنان

صيدا: تقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وهي بوابة الجنوب وثالث أكبر المدن اللبنانية، تبعد عن العاصمة بيروت بنحو 45 كيلومترا. اسمها باللاتينية واليونانية (صيدون) وبالسامية (صيدو)، فتحها العرب عام 667 م وأطلقوا عليها اسم (صيدا).

وهي في الأصل مدينة فينيقية يعود تاريخها لأكثر من 6 آلاف سنة، ومن أبرز معالمها القلعة البحرية، والقلعة البرية، وقلعة سان لويس، والمسجد العمري الكبير، ومتحف الصابون الذي يروي حكاية تصنيع الصابون في المنطقة الممتدة من حلب إلى نابلس.

وبرز من صيدا رؤساء ووزراء، منهم رياض الصلح ورفيق الحريري وفؤاد السنيورة وتقي الدين الصلح ورشيد الصلح الأبيض.

صور: تمتد على أكبر شاطئ رملي في لبنان، وتبعد 80 كيلومترا عن العاصمة بيروت. مع بداية القرن الـ18 أعيد بناء هذه البلدة التي يعود تاريخها إلى الألف الثالثة ق.م.

تعرف قديما بأنها "ملكة البحار"، إذ عرفت بالملاحة وصناعة السفن، ومراكب الصيد منذ الثمانيات، ومن آثارها المشهورة، بقايا مدينة رومانية، قوس النصر، خان الإفرنج ويعرف بخان الأشقر، والمرفأ الفينيقي.

في عام 1979 صنفتها اليونسكو موقعا أثريا عالميا، وقد برز بها الكثير من السياسيين والعلماء، وعدة رؤساء مجالس نيابية، منهم: نبيه بري، وأحمد الأسعد، وعادل عسيران، وكامل الأسعد.

النبطية: تقع في منطقة تتوسط مدن وقرى سلسلة جبال لبنان الجنوبي، وهي حلقة وصل بين الساحل والجبل والداخل، وتبعد بنحو 70 كيلومترا عن بيروت.

يعود تاريخها إلى عهود ومراحل زمنية قديمة، تشتهر بالآثار الرومانية والفينيقية، استطاعت أن تستقطب المستثمرين، ولا سيما في مجال الخدمات المصرفية.

تعتبر تاريخيا مدينة العلم والثقافة، وهي موطن الأديب والفقيه الشيخ عارف الزين، ومسقط رأس المخترع اللبناني حسن كامل الصباح، الذي نُصب تمثال له على مدخل المدينة.

جزين: تقع عند السفوح الغربية لجبل نيحا بين جبال تحيط بها من كل الجهات، وهي مركز قضاء جزين، وتبعد عن بيروت بـ73 كيلومترا. تعتبر واحدة من أهم المدن السياحية الاصطيافية، حيث تسمى عروس المصايف الجنوبية بشلالاتها. هي مدينة قديمة عثر فيها على آثار صليبية وإسلامية، وتتميز بأماكن أثرية أبرزها مغارة فخر الدين. تشتهر بعدد محدود من الزراعات أبرزها التفاح، وتعرف عالميا بحرفة السكاكين الجزينية منذ عام 1724.

الناقورة: بلدة ساحلية تقع في الزاوية الجنوبية الغربية على الحدود مع فلسطين، وهي المعبر الساحلي والبوابة الشمالية للأراضي المحتلة، وتبعد عن بيروت بـ103 كيلومترات. كانت مركزا للتجارة وتبادل البضائع بين حضارات بلاد الشام ومصر، ومركزا لعبور القوافل التجارية.

خضعت للاحتلال الإسرائيلي قبل تحريرها عام 2000م، ويتمركز على شاطئها المقر العام لقوات الطوارئ الدولية (اليونيفيل) منذ 1978، وبها أجريت جولات التفاوض السابقة حول ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل، وهي واحدة من أكبر الوجهات السياحية التي يزورها الملايين سنويا.

جويّا: المدينة الثانية في قضاء صور من حيث عدد السكان والخدمات والمراكز الرسمية والإدارية والتعليمية، تبعد عن العاصمة بيروت 95 كيلومترا. وتمتاز بكثرة عيون الماء، وبمركزها العلمي والعمراني القديم الذي تصدّرت به القرى المحيطة بها نسبيا على مدى عقود.

وهناك روايات تشير إلى أنّ اسم جويّا أصله سرياني، ويعني "الداخلي". مصادر مياهها مشروع الليطاني وإنتاجها الزراعي حبوب وزيتون، وكان فيها من الأسر العلمية العريقة آل خاتون وآل نور الدين ومنهم العالم مصطفى نور الدين.

النشاط الاقتصادي

كان جنوب لبنان منذ العام 1920 حتى العام 1948 يعتمد اقتصاديا على العمل في الزراعة في حقول الجليل وسهل الحولة في فلسطين، وكان على حدود الدولتين أكثر من 10 أسواق، أشهرها مرجعيون وبنت جبيل وعديسه. لكن الاقتصاد تأثر مع إغلاق الحدود بين الدولتين إثر الاحتلال الإسرائيلي.

أثرت الحرب على الزراعة التي تشكل -بحسب التقديرات- نحو 75% من إجمالي دخل الأسر في جنوب لبنان. إذ تتركز المناطق المزروعة في الجنوب بنسبة 12.6% من مجموع الأراضي المزروعة في لبنان.

وتعتبر محافظة النبطية ثالث أكبر قطاع مضيف للعمالة بنسبة 14% في المنطقة، وفق إحصاءات المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمار. وتشكل نسبة أشجار الزيتون حوالي 85% من الأراضي المزروعة، إذ تنتج المحافظة أكثر من 21% من زيت الزيتون، وبشكل رئيسي في منطقتي حاصبيا ومرجعيون.

وبحسب توقعات أساسية لمستقبل الاقتصاد اللبناني للفترة الممتدة بين 2010 و2030 بفعل التغيرات المناخية، سيكون القطاع الزراعي في الجنوب أكثر تضررا مع تراجع بنسبة 9.66%، و9.98% على التوالي.

كانت زراعة التبغ حتى السبعينات من القرن الماضي تشكّل الدخل الرئيسي لغالبية عائلات الجنوب، لكنها تراجعت بشكل كبير في ظل نزوح عدد كبير إلى ضواحي بيروت، ثم لجأ الفلاحون إلى مهن بديلة أكثر مردودا، إذ شهدت زراعة نبات الزعتر الذي يوصف بـ(الذهب الأخضر) إقبالا في معظم المناطق بجنوب لبنان، وصنفت وزارة الاقتصاد والتجارة اللبنانية عام 2007، زعتر الجنوب منتجا نموذجيا، إذ يشتهر بنوعيته الجيدة على الصعيدين المحلي والإقليمي.

وتشير إحصاءات الوزارة إلى أن زراعة نبات السماق لاقت انتشارا واسعا في معظم المناطق الجرداء بالجنوب، ويبلغ إنتاجه السنوي بحدود 145 ألف طن.

متحف الصابون في مدينة صيدا بني من الحجر الصخري القديم والحجر الرملي الأصفر في القرن السابع عشر (غيتي)

وحسب إحصاءات بعثة الحسابات الاقتصادية اللبنانية فإن الجنوب يظل من المناطق الأقل حظوة في استقطاب المصانع اللبنانية، بنسبة تقدر بـ8%، إذ أنشأ بها 331 مصنعا، منها مصانع ذات صلة بالصناعات الغذائية، وأنشطة المفروشات، والآلات والمعدات الكهربائية، ولوجود الاحتلال الإسرائيلي على حدود جنوب لبنان وإمكانية تجدد الحرب في أي وقت، فإن الاستثمار الأجنبي يظل محدود جدا.

وتعتبر المنطقة من المحميات الطبيعية التي توفر فرصا للسياحة البيئية، وتستقطب شواطئها وآثارها التاريخية خاصة في ميدنتي صور وصيدا أكثر من 50 ألف زائر سنويا، وفق تقديرات محلية.

التنظيم الإداري

كان جنوب لبنان يتبع ولاية حيفا بعد اعتماد نظام المتصرفية رسميا عام 1861 مؤسسة إدارية جغرافية جديدة تفسح مجالا واسعا لممثلي الطوائف الدينية، ثم خضع لعدة أشكال إدارية بين سنوات (1920-1975). ففي نهاية الحقبة العثمانية كان مقسما بين ولاية بيروت وولاية دمشق، وفي أوائل سنوات الانتداب الفرنسي أصبح متصرفية باسم لبنان الجنوبي، تشمل جبل لبنان وسهلي البقاع وعكار ومنطقة جبل عامل.

وفي عام 1925، تحولت متصرفية لبنان الجنوبي إلى ثلاث محافظات تتبعها ست مديريات، وبعد أقل من خمس سنوات تم إدماج تلك المتصرفيات في محافظة واحدة حملت اسم محافظة لبنان الجنوبي مركزها صيدا وتتبعها أربعة أقضية.

بعد الاستقلال وتحديدا عام 1954م، أصدرت السلطات اللبنانية قرارا أبقت بموجبه جنوب لبنان محافظة واحدة، لكنها زادت عدد الأقضية إلى سبعة.

وفي عام 1975م، قامت السلطات اللبنانية بتعديل إداري أخير، قسمت بموجبه جنوب لبنان إلى محافظتين إداريتين: الأولى باسم "لبنان الجنوبي" مركزها صيدا، والثانية باسم "النبطية"، ومركزها مدينة النبطية التي تبعد بـ22 كلم عن مدينة صيدا.

وحسب لوائح الناخبين الرسمية الصادرة عن وزارة الداخلية اللبنانية لسنة 2014، تضمّ محافظة الجنوب 181 بلدة و 146 بلدية، فيما يصل عدد القرى التي تتبعها حوالي 412.

مخيمات اللاجئين

يضم جنوب لبنان خمس مخيمات للاجئين، هي:

مخيم عين الحلوة: أنشئ سنة 1949 قرب مدينة صيدا، وهو الأكبر مساحة وسكانا.

مخيم الرشيدية: أنشأ عام 1936 على بعد 7 كيلومترات جنوب مدينة صـور لإيواء اللاجئين الأرمن، وفي عام 1948 بدأ يسـتقبل الفلسطينيين، ويسكنه أكثر من 22 ألف نسـمة وفق إحصاءات الأونروا، وهو من أكثر المخيمات الفلسطينية تعرضا للقصف الإسرائيلي لقربه من الحدود.

مخيم برج شمالي: أنشئ عام 1955، يقع على بعد 3 كيلومترات شرق مدينة صور، يضم لاجئين معظمهم من قرى شمال فلسطين.

مخيم المية ومية: يقع على تلة تبعد بـ4 كيلومترات إلى الشرق من مدينة صيدا، أنشئ عام 1954، يسكنه حوالي 4995 نسمة، وفق إحصاء الأونروا عام 2003.

مخيم البص: أنشئ سنة 1939 جنوب مدينة صور لإيواء اللاجئين الأرمن، وبدأ يستقبل الفلسطينيين عـام 1948، ويسكنه نحو 10 آلاف لاجئ.

الاعتداءات الإسرائيلية

تحول جنوب لبنان إلى ساحة قتال واجتياحات بعد الإعلان عن قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي عام 1948، وقد أحصى محمود سويد في كتابه "الجنوب اللبناني في مواجهة إسرائيل" 140 حادث اعتداء بين 1949 و1964.

ومن عام 1967 إلى عام 1976، نفذ جيش الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب 1434 خرقا للأجواء، و1818 قصفا مدفعيا، و120 قصفا جويا، و266 عملية دخول في المياه الإقليمية، ودخل 388 من الأراضي الجنوبية، وشق 24 طريق و453 تمركز في الداخل، حسب إحصائيات المركز العربي للمعلومات في بيروت.

شلالات جزين تمتد بطول 80 مترا من المياه المٌتدفقة دائمة الانسياب تتميز بخلفية جبلية طبيعية خضراء محيطة به (غيتي )

تكاثفت الاعتداءات بعد أن احتلت إسرائيل مناطق ثابتة داخل الأراضي اللبنانية في منطقة مرجعيون وبنت جبيل عام 1977. وفي عام 1978 وصلت إلى حدود نهر الليطاني واستمرت أكثر من ستة أشهر قبل أن تنسحب بقرار أممي، لكنها احتفظت بشريط أمني من الناقورة حتى جبل الشيخ. وبعد اجتياح عام 1982، ضمت مساحات أخرى، وأجبرت منظمة التحرير الفلسطينية على ترحيل آلاف المقاتلين إلى خارج لبنان.

تقدر الخسائر البشرية والمادية التي لحقت جنوب لبنان من العام 1967 إلى العام 1982، بنسبة 50% من مجمل الخسائر في لبنان، وفق إحصائيات المركز العربي للمعلومات.

عام 1985 انسحبت القوات الإسرائيلية من قسم كبير من مناطق الجنوب، وتم تعديل حدود الشريط الأمني حيث بقيت محتفظة بمنطقة جزين والتلال التي كانت تسيطر عسكريا على مجرى نهر الأولي شمالي مدينة صيدا، وخلقت هناك ميليشيا عميلة أو ما كان يسمى بجيش لبنان الجنوبي.

بقي الوضع كذلك، إلى أن حُررت قرى الجنوب اللبناني وغرب البقاع  في 25 مايو/أيار2000، باستثناء مزارع شبعا (14 مزرعة) التي مازالت تحت سيطرة الاحتلال.

تعتبر الهجمات الإسرائيلية في حرب يوليو/تموز 2006 أو ما تعرف بالحرب السادسة، الأكثر توسعا، وشملت أكثر من 40 بلدة وقرية في جنوب لبنان. وقدر خبراء من هيومن رايتس ووتش والأمم المتحدة أن مستوى وكثافة التلوث في جنوب لبنان فترة ما بعد هذا النزاع الأسوأ بكثير مما وجدوا في بلدان العراق أو أفغانستان أو كوسوفو جراء الأسلحة المستخدمة فيها.

محاولات السيطرة على المياه

عكست تصريحات سابقة لمسؤولين إسرائيليين عن نوايا الاستيلاء على جنوب لبنان لتأمين كميات المياه التي تحتاجها إسرائيل، ومنها ما نسب إلى رئيس الوزراء الأسبق ديفد بن غوريون "إن أمنيتي في المستقبل جعل الليطاني حدود إسرائيل الشمالية".

وتبدى الطمع في استغلال مياه الجنوب أيضا في تصريح رئيس الوزراء الأسبق ليفي أشكول "لا يسع إسرائيل الظامئة أن تقف مكتوفة اليدين، وهي ترى مياه الليطاني تتدفق إلى البحر، إن القنوات باتت جاهزة في إسرائيل لاستقبال مياه نهر الليطاني".

ويعتبر نهر الليطاني أكبر الأنهار وأهم مصادر المياه السطحية في لبنان، ويبلغ طوله 170 كيلومترا، ويبلغ متوسط التدفق السنوي لمياهه 475 مليون متر مكعب.

ظهرت محاولات جعل مياه هذا النهر ضمن المشاريع المائية لسلطات الاحتلال الإسرائيلي، أو تلك المقدمة من طرف الولايات المتحدة الأميركية منذ عام 1948، ومن بينها مشروعا إريك جونسون وجون كوتون عام 1954.

عام 1967 استولت إسرائيل على مياه الحاصباني، وعلى مياه الليطاني بشكل مؤقت عام 1978، أما سد الخردلي الذي جرى التخطيط لإنشائه في السبعينات على المجرى الأوسط لنهر الليطاني بسعة تبلغ 128 مليون متر مكعب، فقد علق في مرحلة التصميم الأولي بسبب الأوضاع الأمنية في منطقة الحدود الجنوبية.

في عام 1982 استولت إسرائيل على نهر الوزاني، ثم وضعت يدها على 12 قرية لبنانية وربطت شركة مياهها بمستعمرة إسرائيلية، قبل أن تجبر على الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000.

وقد تحولت الموارد المائية لنهر الحصباني إلى مصدر توتر بين لبنان وإسرائيل، حين أعلن لبنان بناء محطة ضخ جديدة على ينابيع الوزاني، والتي تغذي النهر الذي ينبع من جنوب لبنان ويقطع الخط الأزرق الحدودي ليغذي نهر الأردن وبحيرة طبريا التي تعتبر أبرز خزانات المياه في إسرائيل.

وقالت مصلحة المياه الحكومية اللبنانية في أحدث تقرير لها، إن المياه الوافدة عبر نهر الليطاني إلى بحيرة القرعون تقلصت منذ عام 1962 حتى عام 2020. ويوفر سد القرعون كمية سنوية من المياه تصل إلى 110 ملايين متر مكعب تستعمل للري في جنوب لبنان، ومليوني متر مكعب للاستخدام المنزلي.

قلعة صيدا البرية أو قلعة المعز بناها الصليبيون خلال القرن الثاني عشر عرفت بقلعة القديس لويس (غيتي) الجنوب .. موطن المقاومة

أظهرت كتب التاريخ أن المقاومة لم تكن حدثا طارئا في حياة الجنوبيين، ففي الفترة بين 1918 و1920 شاركوا في الثورة العربية، وفي عام 1925 شاركوا في الثورة السورية، كما شاركوا في جيش الإنقاذ خلال معارك 1948 في فلسطين في مواجهة الانتداب البريطاني.

يعد الاجتياح الإسرائيلي الأول لجنوب لبنان عام 1978، والاجتياح الثاني عام 1982، حدثين بارزين ساهما في ظهور معطيات جديدة على الساحة اللبنانية، وأصبح يسيطر على المشهد السياسي بشكل رئيسي مكونان هما حركة أمل وحزب الله، وفي المنطقة الأمنية وامتدادها إلى قطاع جزين كانت تسيطر إسرائيل عبر ذراعها المحلية جيش لبنان الجنوبي.

وتمكن حزب الله وحركة أمل من جعل قرى الجنوب تنتفض في وجه الدوريات الإسرائيلية ومقاتلاتها، ثم استقرت الهيمنة شبه الكاملة لحزب الله على ساحة المقاومة في الجنوب، وظهر اسمه أول مرة في بيانات عن عمليات ضد جيش الاحتلال عام 1984.

زادت أهمية التنظيم الذي ينشط على الساحة اللبنانية سياسيا وعسكريا منذ أكثر من ثلاثين عاما، من خلال قدرته على تكوين الجناح العسكري، الذي تولى دور مقاومة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان. وتمكن من تحرير أراضي الجنوب (ما عدا مزارع شبعا غير المأهولة) في مايو/أيار 2000، بعد احتلالها لمدة 22 عاما.

ارتفعت أسهم الحزب في الأوساط الشعبية العربية والإسلامية بفضل نهج المقاومة العسكرية لإسرائيل، وتعزز هذا الصعود بأدائه العسكري خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان في حرب 2006. كما استمر في حضوره بالمنطقة من خلال عملياته العسكرية المتكررة.

ولم يكن الدور السياسي للحزب أقل أهمية من حمل مشعل المقاومة، حيث تمكن من السيطرة على عدد من مجالس البلديات في جنوب لبنان إضافة إلى وجوده في البرلمان، وخاصة في عهد الرئيس إميل لحود. وتشكل قيادته أحد أركان مفاصل المشهد السياسي اللبناني.

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: الاحتلال الإسرائیلی لبنان الجنوبی فی جنوب لبنان نهر اللیطانی مدینة صیدا فی الجنوب إضافة إلى لبنان من فی لبنان جبل عامل متر مکعب تبعد عن وفی عام منذ عام أکثر من فی عام عام 1948 إلى أن

إقرأ أيضاً:

حزب الله في لبنان.. من حرب العصابات إلى احتكار العمل المقاوم

في هذه المرحلة الدقيقة من مراحل الصراع مع إسرائيل، وفي ظل تحوّلات دراماتيكية تعيشها قوى المقاومة في لبنان وغزة والمنطقة، يبدو "حزب الله" مُحاطاً بجملة من التحديات المصيرية. فالحزب الذي نشأ في سياق مجابهة الاحتلال الإسرائيلي للبنان منذ العام  1982، وتطوّر ليصبح قوة سياسية وعسكرية يمتد تأثيرها إلى دول عديدة في المنطقة، يجد نفسه اليوم أمام امتحان صعب. إمتحانٌ لا يقتصر على الاستمرار في دوره كمقاومة مسلحة، ولا على المشاركة الفعّالة في منظومة الحكم اللبنانية المعقّدة، بل يتعداها إلى الحفاظ على فكرة "الممانعة" التي تمحور حولها تحالفٌ جمعه مع إيران وسوريا، وفصائل المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها "حماس" و"الجهاد الإسلامي"، وقوى أخرى في العراق واليمن. التحالف سُمّي بالمحور، ووُصف "حزب الله" تارة بأنه "درّة تاجه" وتارة أخرى بأنه "قلبه"، لكنّه يواجه اليوم متغيّرات استراتيجية أبرزها التحول في أولويات إيران بعد تقاربها المرحلي مع قوى غربية وإقليمية، وتبدّل التموضعات السياسية في العالم العربي والاهم من ذلك نتائج الحرب الأخيرة التي أرست قواعد اشتباك جديدة ليست في صالح الحزب ولا المحور الذي يضمه.

"عربي 21" ينشر حلقة جديدة من سلسلة مقالات حول "حزب الله"، يركّز فيها على ظروف نشأة الحزب وخلافه مع الأحزاب والمجموعات الإسلامية واليسارية الناشطة في تلك المرحلة وصولاً إلى احتكاره العمل المقاوم في لبنان طوال أكثر من 40 عاماً.

محتشمي وفضل الله والموسوي 

من الآية (56) من سورة المائدة "وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ"، اختار المؤسِّسون اسم الحزب الوليد. وكان المقال السابق قد تطرق إلى ظروف نشأة حزب الله عام 1982 في خضم الحرب الأهلية والاجتياح الإسرائيلي بدعم ورعاية من الحرس الثوري الإيراني الذي أرسل عناصره للمساعدة والتدريب وكان على رأسهم رجل الدين السيد علي أكبر محتشمي بور، الذي وُصف بالأب الروحي لحزب الله إذ أدرك منذ البداية أن "القوة" الناشئة التي نجحت في ملء الفراغ الناجم عن غياب مقاومة منظمة ضد الاحتلال، ستتحول إلى حزب عسكري وسياسي قادر على تغيير المعادلات، فأسماها "حزب الله".

محتشمي بور كان صديقاً مقرباً من قائد الثورة الإسلامية آية الله روح الله الخميني خلال تواجده في المنفى، وكان قد أرسله خلال تلك المرحلة إلى الشرق الأوسط بهدف نسج علاقات مع الحركات الإسلامية ومن بينها منظمة التحرير الفلسطينية، ثم عينه بعد انتصار الثورة سفيراً لإيران في سوريا (1982 ـ  1986) فلعب دور الوسيط بين دمشق وطهران لتسهيل نقل الحرس الثوري الإيراني إلى سهل البقاع اللبناني، تحت غطاء المساعدة في "مقاومة الاحتلال الإسرائيلي" وشكّل هذا التنسيق قاعدة انطلاق لتأسيس البنية التنظيمية والعسكرية لحزب الله.

وقام محتشمي بور برعاية وتوحيد الفصائل الشيعية المسلحة (مثل حزب الدعوة، وأمل الإسلامية المنشقة عن حركة أمل وتنظيمات طلابية دينية) تحت راية واحدة، مما أدى إلى تشكيل حزب الله. وأشرف على تحويل الأموال والدعم اللوجستي للحزب في بداياته، ولعب دورًا أساسيًا في صياغة البيان التأسيسي للحزب الله، الذي تضمّن تبنّي ولاية الفقيه والانتماء للخميني كـ"قائد أعلى".

صحيحٌ أن حزب الله انبثق من الحركات الإسلامية الناشطة في تلك المرحلة، لكنه أيضاً جمع كوادر عسكرية مهمة كانت تعمل مع المقاومة الفلسطينية وبخاصة حركة فتح وكان الحاج عماد مغنية القائد العسكري الراحل للحزب أحد أبرز هذه الكوادر وقد اغتالته إسرائيل خلال تواجده في سوريا عام 2008.

ولا بدّ من الإشارة  إلى دور آية الله السيد محمد حسين فضل الله في رعاية الحزب اذ كان يوصف بمرشده الروحي جنباً إلى جنب مع السيد محتشمي بور. ومعلومٌ أن محتشمي بور تعرض لمحاولة اغتيال في العام 1984 عبر كتاب مفخخ، لدوره في تأسيس الحزب، أدت الى قطع أصابع يده وإحداث جروح في وجهه. فيما تعرّض أيضاً السيد محمد حسين فضل الله لمحاولة اغتيال فاشلة بانفجار سيارة مفخخة قرب منزله في بئر العبد عام 1985 وذلك لاعتباره قائداً للحزب وليس فقط مرشداً روحياً له. ولاحقاً، تعرّض الأمين العام لحزب الله السيد عباس الموسوي للاغتيال عام 1992 وأخيراً أمينه العام السيد حسن نصرالله.

الخلاف مع الحركات اليسارية و"أمل" و"حزب الدعوة"

لم يكتفِ "حزب الله" بتقديم نفسه كمشروع مقاومة إسلامية شيعية عقائدية بديلة للحركات المتفرقة القائمة بل سعى إلى الحلول محلها تدريجياً، عبر استقطاب عناصرها ومزاحمتها ميدانيًا. من حركة "أمل" إلى المقاومة التعددية التي كانت منتشرة منذ احتلال الجنوب عام 1978 في الجنوب أي منذ ما قبل اجتياح العام 1982 (الحزب الشيوعي، الحزب السوري القومي الاجتماعي، وحزب البعث، والناصريون...) لكنّ هذا الاحتكار تطلّب معارك سقط خلالها ضحايا كثر من جميع الأطراف ولم يكن لينجح من دون عودة الأحزاب اللبنانية الى الانخراط في الحرب الاهلية والخلط بين المقاومة والحرب.

ولعل أبرز مثال على ذلك هو إحراق القرى المسيحية في منطقة شرق صيدا عام 1985 وهي المنطقة التي تفصل الجنوب الشيعي عن منطقة جزين المسيحية، نتيجة مواجهات اندلعت بين ميليشيات الأحزاب الطائفية، فيما بقي حزب الله بمنأى عن تلك الممارسات فكرّس نفسه القوة المهيمنة في ساحات المواجهة مع إسرائيل، وفق رؤيةٍ وأهدافٍ ثلاثٍ: إقامة الدّولة الإسلامية، الجهاد والتمثل بالإمام الحسين، وتبنّي مرجعية ولاية الفقيه. وقد شرح  هذه الرؤية والأهداف الشيخ نعيم قاسم، الأمين العام الحالي لحزب الله في كتابه "حزب الله: المنهج، التجربة، المستقبل - لبنان ومقاومته في المواجهة".

عندما تكوّنت نواة حزب الله إبان اجتياح إسرائيل للبنان عام 1982 إنشق عدد من أعضاء حركة "أمل" وهي حركة شيعية كان قد أسسها الإمام موسى الصدر عام 1974، بدافع مزدوج. فهو من جهة، الولاء الأيديولوجي لنهج الثورة الإسلامية المنتصرة في إيران، ومن جهة أخرى هو تبنّي موقف أكثر راديكالية وحسمًا ضد الاحتلال الإسرائيلي مقارنةً بموقف "أمل" الذي اعتبره المؤسسون الجدد متهاونًا أو ملتبسًا خصوصا عندما انخرط زعيم الحركة المحامي الشاب نبيه بري في هيئة الإنقاذ الوطني مع كل من مؤسس القوات اللبنانية بشير الجميل، وزعيم الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط وزعيم حركة الوطنيين الأحرار كميل شمعون، وكان قد شكلها رئيس الجمهورية  يومذاك الياس سركيس بإشرافٍ أميركي.

لم يكتفِ "حزب الله" بتقديم نفسه كمشروع مقاومة إسلامية شيعية عقائدية بديلة للحركات المتفرقة القائمة بل سعى إلى الحلول محلها تدريجياً، عبر استقطاب عناصرها ومزاحمتها ميدانيًا. من حركة "أمل" إلى المقاومة التعددية التي كانت منتشرة منذ احتلال الجنوب عام 1978 في الجنوب أي منذ ما قبل اجتياح العام 1982 (الحزب الشيوعي، الحزب السوري القومي الاجتماعي، وحزب البعث، والناصريون...) لكنّ هذا الاحتكار تطلّب معارك سقط خلالها ضحايا كثر من جميع الأطراف ولم يكن لينجح من دون عودة الأحزاب اللبنانية الى الانخراط في الحرب الاهلية والخلط بين المقاومة والحرب.وعندما عرَّف الحزب عن نفسه بأنه جزء من الأمة الإسلامية ويتبع ولاية الفقيه (أي مرجعية المرشد الأعلى في إيران) وضع نفسه على طرف نقيض من بعض الأحزاب والحركات الإسلامية الناشطة في تلك المرحلة، ما زاد من توتّر علاقته مع الدولة اللبنانية ونظامها الطائفي الذي رفض ـ في المرحلة الأولى ـ الاعتراف بشرعيته واعتبره "نتاجًا للاستعمار".

واصطدم حزب الله بدايةً مع الحزب الشيوعي اللبناني والفصائل اليسارية التي كانت قد أطلقت جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية (جمول) التي اتسمت بالتعددية، فوقعت اشتباكات محدودة في بيروت والبقاع بين حزب الله وعناصر المقاومة اليسارية، انتهت أغلبها بتهميش اليساريين وتكريس النفوذ الشيعي في تلك المناطق. ويتهم بعض اليساريين "حزب الله" باغتيال عدد من المفكرين المعارضين للفكر الإسلامي، مثل المفكر الشيوعي مهدي عامل (18 أيار مايو 1987) والباحث الشيوعي في الفكر الإسلامي حسين مروّة (17 شباط فبراير 1987) فيما يستبعد البعض الآخر أن يكون اغتيالهما قد تم بقرار منظم ويرجّح أن أفراداً غير منضبطين استفادوا من فوضى الحرب الأهلية لتصفية كل من يرون فيه خطراً على وجودهم.

أما على الصعيد الشيعي الداخلي، فشهدت علاقة حزب الله مع حركة "أمل" و"حزب الدعوة" تنافسًا على النفوذ ونزاعاً مبنيّاً على اختلاف أساليب العمل واختلاف المرجعية الفكرية والدينية، فتحوّل النزاع مع "أمل" إلى صراع دموي فيما بقي النزاع مع حزب الدعوة تنظيمياً.

برغم تعاون "حزب الله" و"أمل"، مبدئيًا، ضد الاحتلال الإسرائيلي إحتدم الخلاف بينهما حول الموقف من قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 425 الذي انتقده حزب الله لوجود التباسات فيه ولاعترافه الضمني بـ"دولة" إسرائيل وحدث ما يشبه السباق بين الحركة والحزب على أحقيّة القيادة في الساحة الشيعية والمقاومة. وبلغت الخلافات ذروتها خلال ما عُرف بـ"حرب الإخوة" أواخر الثمانينات، حين نفّذ الطرفان سلسلة اغتيالاتٍ متبادلة استهدفت الكوادر والأعضاء. إلى أن توسّطت كل من إيران وسوريا لوقف الاقتتال بينهما وتم التوصل إلى هدنة في أوائل العام 1989 تكرست لاحقاً باتفاقٍ أبرمه الطرفان عام 1990 برعاية إيرانية ـ سورية وقد بُني على معادلة: أمل قوة سياسية، وحزب الله قوة مقاومة.

ويكشف رامي علّيق، القيادي السابق المنشق عن حزب الله، في كتابه "طريق النحل" عن بعض فصول الصراع الدامي مع حركة "أمل" ويروي تجارب الاعتقال والتعذيب المواجهات العسكرية الدموية بين الطرفين ومن بينها حادثة وقعت عام 1986 في وادي بلدة شوكين قرب النبطية حيث كان الحزب يجري تدريبات ومناورات:

"حضر أفراد الأمن في حركة أمل بعد انتهاء المناورات لسماعهم طلقات الرصاص ودويّ الانفجارات وحصل تلاسن بينهم وبين أفراد الحزب المشرفين على الدورة فصادروا الأسلحة والمتفجرات (...) بعد انتهاء الدورة كنا على وشك التوجه إلى البقاع لإجراء بعض التدريبات إلا أن التشنجات بين الفريقين أدت إلى إطلاق نار من قبل حاجز عسكري للحركة عند تقاطع بلدات حاروف والنبطية والدوير على موكب للحزب يضم شخصيات إيرانية كان متوجهاً إلى بلدة جبشيت. وشكّل هذا الحادث الشرارة الأولى للقتال بين الفريقين".

أما الخلاف مع "حزب الدعوة" الإسلامي وهو الفرع اللبناني لحزب الدعوة الذي أسسه السيد محمد باقر الصدر في العراق عام 1959 وكان الراحل السيد محمد حسين فضل لله مرشده الروحي، فبدا الخلاف فكرياً وتنظيمياً ولم يتّخذ منحى صدامياً. ذلك أن حزب الدعوة اعتمد خلال سنوات نشاطه منذ السبعينات على السرية والتنظيم تحت الأرض، مستندًا إلى تقاليد التقية الشيعية لحماية "المجتمع" من الاضطهاد، وكان مرتبطاً بالمرجعية التقليدية في النجف (العراق) فيما تبنى حزب الله نهجًا أكثر علنية في العمل السياسي والعسكري وكان مرتبطاً بولاية الفقيه بقيادة الإمام الخميني، ما أدى إلى اختلاف في التوجهات العقائدية والسياسية. ومع مرور الوقت، وخصوصًا بعد اندماج العديد من أعضاء حزب الدعوة في حزب الله، تلاشى الخلاف التنظيمي بين الحزبين منتصف العام 1984 وإن كانت التباينات الفكرية والعقائدية قد أثرت أحياناً في العلاقة بين الأعضاء الوافدين من حزب الدعوة وأولئك المنتمين أساسًا إلى حزب الله.

احتكار المقاومة

تصدّر "حزب الله" العمل المقاوم بعد انتهاء الحرب الأهلية في لبنان وتوقيع وثيقة الوفاق الوطني اللبناني التي عُرفت بـ "اتفاق الطائف" في أيلول سبتمبر من العام 1989. وبموجب هذا الاتفاق جرى حلّ جميع المجموعات المسلحة في لبنان وتسليم أسلحتها للدولة، باستثناء تلك التي اعتُبرت "مقاوِمة" ضدّ الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان ما أتاح استمرار نشاط "حزب الله" في الجنوب إلى حين انسحاب إسرائيل منه عام 2000.

وكانت هيمنة النظام السوري آنذاك (نظام البعث) على القرار في لبنان طوال فترة التسعينيات وحتى العام 2005 قد لعبت دوراً مساعِداً لحزب الله وضامناً لشرعية سلاحه فصار حزب الله القوّة المقاومة الوحيدة على الأرض فيما تلاشى حضور حزب الدعوة والقوى اليسارية وتحولت حركة أمل إلى قوة برلمانية وسياسية. وانفرد حزب الله بعمليات المقاومة وبفضل تكتيكاته الفعالة في حرب العصابات وتطوير قدراته (مثل استخدام صواريخ الكاتيوشا ضد مواقع الاحتلال)، نجح الحزب في إنهاك الجيش الإسرائيلي.

في موازاة ذلك، انتقل الحزب من رافض للنظام اللبناني القائم (وفق ما ذُكر في بيانه التأسيسي 1985) إلى مشارك فيه من أجل تأمين غطاء سياسي لأجندته المقاومة وحرص على الاندماج في المؤسسات السياسية اللبنانية، ودخل البرلمان بكتلة نواب منذ العام 1992 وشارك لاحقًا في حكومات وحدة وطنية. فوصف البعض هذه الصيغة بـ"المعادلة الهجينة" التي يشكل فيها حزب الله "دولة موازية داخل الدولة اللبنانية" إذ يملك جيشاً وجهازاً أمنياً ومؤسّسات خدماتية خاصة به، وفي الوقت يشارك في صناعة القرار السيسي عبر ممثليه في البرلمان والحكومة.

انتقل الحزب من رافض للنظام اللبناني القائم (وفق ما ذُكر في بيانه التأسيسي 1985) إلى مشارك فيه من أجل تأمين غطاء سياسي لأجندته المقاومة وحرص على الاندماج في المؤسسات السياسية اللبنانية، ودخل البرلمان بكتلة نواب منذ العام 1992 وشارك لاحقًا في حكومات وحدة وطنية.وفي كتابه "حزب الله: المنهج، التجربة، المستقبل ـ لبنان ومقاومته في المواجهة" عدّد الشيخ نعيم قاسم المحطات البارزة في تاريخ حزب الله (حتى تاريخ صدور الكتاب عام 2005) ومن بينها حرب نيسان (بريل) 1996 وعملية أنصارية واستشهاد نجل الأمين العام الراحل السيد حسن نصرالله هادي نصرالله وتحرير الجنوب في أيار مايو 2000. وعن التحرير قال قاسم:

"إن قيمة الانتصار بكونه تحدياً لإسرائيل وليس تحدياً لأي طرف في منطقتنا، وهو يهدف إلى التحرير من دون المقايضة في بازار الأثمان السياسية الرخيصة، وهو حقيقة دخلت التاريخ المعاصر من أوسع أبوابه ليؤسس لحقبة جديدة تتطلب من جميع القوى والأحزاب والفاعليات إعادة النظر في منطلقاتها وتربيتها وأساليب عملها، مستفيدة من تجربة المقاومة في لبنان".

لكن إعادة النظر، في الواقع، دفعت بعض القوى والأحزاب إلى المطالبة بنزع سلاح حزب الله لانتفاء الحاجة إليه. فإصرار الجانب اللبناني أمام الأمم المتحدة على أن الانسحاب الإسرائيلي ليس كاملاً لأن منطقتي مزارع شبعا وتلال كفرشوبا ما تزال محتلة، لم يقنع جميع الأطراف.

وبذلك، بدأ الحديث الجدي في لبنان عن ضرورة نزع سلاح حزب الله بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان في أيار مايو من العام 2000، لكنه لم يتحوّل إلى أولوية لدى بعض الأحزاب أو إلى خطاب سياسي صريح إلا بعد العام 2005، وتحديدًا عقب اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري، وخروج الجيش السوري من لبنان.

وفي كل تلك المراحل، كان الحزب يشدد على أن انسحاب إسرائيل غير مكتمل وأن خطر الاعتداء ما يزال قائماً كما أن بقاء بعض الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية يمثل تحدياً يبرر الاحتفاظ بالسلاح. واقترحت بعض القوى فكرة دمج سلاح الحزب ضمن استراتيجية دفاعية وطنية داعيةً إلى تطبيق القرار 1559 الذي ينص على نزع السلاح من "الميليشيات" معتبرين أن حزب الله واحد منها. فرفض الحزب جميع هذه الدعوات، معتبرًا أن سلاحه جزء من "المعادلة الدفاعية" ضد إسرائيل، وأن القرار 1559 يخدم أجندات خارجية (أميركية وإسرائيلية). وتمسك بخطاب "الجيش والشعب والمقاومة" كمرتكز للسيادة.

إلى أن حدث التحول الكبير بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وبروز تيار سياسي واسع عُرف لاحقًا بـ"قوى 14 آذار" طالب بشكل صريح بتنفيذ القرار 1559 الذي يدعو إلى نزع سلاح الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية (في إشارة إلى سلاح حزب الله والسلاح في المخيمات الفلسطينية) وضم تيار 14 آذار الحزب التقدمي الاشتراكي والقوات اللبنانية وتيار المستقبل وكان خطاب هؤلاء يركّز على أن بقاء سلاح الحزب يُضعف الدولة، ويُبقي قرار الحرب والسلم خارج المؤسسات الرسمية، ويجعل من لبنان ساحة لصراعات إقليمية.

خطابٌ يتكرر اليوم بحدّة أكبر، ليعمق الانقسامات الداخلية اللبنانية، ويحوّل النقاش حول سلاح الحزب من كونه مسألة "مقاومة" إلى مسألة نزاع داخلي يتقاطع فيه الأمني بالسياسي، وتُطرح فيه تساؤلات حول مستقبل التوازن الوطني، وهو ما سيكون محور التقرير التالي الذي يتناول محطات صعود حزب الله سياسياً والنزاع الداخلي بينه وبين باقي القوى السياسية اللبنانية منذ العام 2005 حتى اليوم.

*باحثة وإعلامية لبنانية

مقالات مشابهة

  • بالفيديو: حادث سير على اوتوستراد الغازية -صيدا ووقوع إصابات
  • خبير عسكري: المقاومة تقوم بحرب عصابات واستنزاف لجيش إسرائيل المرهق
  • كيف تبدو خريطة إسرائيل لـاليوم التالي في غزة؟
  • الآلاف يتظاهرون في تعز تنديدا بجرائم إسرائيل وللمطالبة بكسر الحصار
  • في الجنوب.. هذا ما حصل مع اليونيفيل
  • سامح قاسم يكتب | فتحي عبد السميع.. الكتابة من الجهة التي لا يلتفت إليها الضوء
  • مدينة رفح.. هكذا تعيد إسرائيل رسم خريطة غزة
  • حزب الله في لبنان.. من حرب العصابات إلى احتكار العمل المقاوم
  • جولة على كواليس البلديات ... نقل انتخابات الجنوب الى 24 ايار بدل يوم عيد المقاومة والتحرير
  • منذ بداية وقف إطلاق النار مع لبنان.. إسرائيل تُعلن حصيلة اغتيالاتها لعناصر حزب الله (فيديو)