يتحدث الكثير من الخبراء عن تغييرات طرأت على مجتمع الاحتلال منذ تأسيس الكيان حتى اليوم، فمع تحول هذا المجتمع إلى نمطٍ أكثر ليبرالية وماديّة، وارتباطه بالحداثة والحياة المرفهة، يُشير هؤلاء إلى التباين ما بين المجتمع الحالي وما سبقه وخاصة قبل سبعينيات القرن الماضي، والذي جاء تاليا لمرحلة التأسيس، فقد كانت سمة تحمل الخسائر من أبرز مزاياه، مع تفاصيل يُمكن الحديث عنها باستفاضة في مقال قادم، واعتمادا على المراجع والدراسات المختلفة.



وعلى إثر هذه التغيرات التي أصابت هذا المجتمع، من حيث تركيبته وما يحتويه من تباينات، وتطور اقتصاده وارتباطه بالنموذج الليبرالي، لدرجة محاولة التماهي مع النموذج الغربي، والإصرار المتكرر على أن دولة الاحتلال هي واحة الديمقراطيّة في المنطقة، ومن ثمّ فتح المجال أمام "الشذوذ"، وتقديم "تل أبيب" المحتلة على أنها "عاصمتهم" في العالم، وبعيدا عن أن هذه الادعاءات محاولة للتستر عن جرائم الاحتلال بحق الفلسطينيين، إلا أن هذه الادعاءات جزءٌ من هذه التغييرات المتلاحقة.

ومع استمرار الحرب على غزة ودخول اجتياح البري يومه السابع والعشرين، يتفاقم ما يتكبده المحتلّ ومجتمعه، بمختلف الأنواع والأشكال، من الاقتصاد إلى الأمن، وصولا إلى الرواية والسردية، وهو ما اضطر الاحتلال إلى اتخاذ جملة من الخطوات في محاولة رأب الصدوع المختلفة التي مُني بها.

ونقدم في هذا المقال إطلالة على أبرز خسائر الاحتلال منذ بداية العدوان على غزة، من خلال التركيز على ثلاثة عناوين أساسية..

على الصعيد البشري

على الرغم من تكتم الاحتلال عن خسائره البشرية منذ ابتداء العملية البرية، وإشارة العديد من المصادر إلى أن أعداد قتلى الاحتلال أكبر بكثير من الأرقام المعلنة، والتي توقفت عند مقتل أكثر من 1200 إسرائيلي وإصابة ألفين آخرين، واحتجاز أكثر من 240 شخصا لدى فصائل المقاومة، بينما يُعلن جيش الاحتلال عن أعداد القتلى بشكلٍ شبه يومي ولكن بأعداد محدودة.

ومما يؤكد أن أعداد القتلى أكبر بكثيرٍ من المُعلن، تقريرٌ لواحدةٍ من القنوات العبرية، تحدثت مع مسؤولٍ في إحدى المقابر، وقال بأنهم ينظمون في كل ساعة جنازة، وفي يومين قبل تصوير التقرير جرت في المقبرة أكثر من 50 جنازة، وهي أرقامٌ أضخم بكثيرٍ من المعلن، وتُشير بلا ريبٍ إلى أن أعداد قتلى جيش الاحتلال أضعاف ما أُعلن عنه، وهي محاولة من قبل جيش الاحتلال للحفاظ على صورته، والتكتم عن فداحة خسائره على الرغم من حشده المهول.

أما الإشارة الثانية، والتي نقلتها إذاعة جيش الاحتلال عن رئيس جمعية المعاقين في الجيش، أنه ومنذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر "تم الاعتراف بـ1600 جندي مصاب كمعاقين جسديا، من بينهم 400 لا يزالون يتلقون العلاج في المشافي". وأشار في حديثه إلى أنهم سيستقبلون آلاف الجنود الآخرين الذين يعانون من "صدمة ما بعد القتال"، وهي نتيجة حتمية للتصدي البطولي للتوغل البري.

وتكفي المقاطع المصورة التي تنشرها فصائل المقاومة لمعرفة حجم الخسائر التي تكبدها جيش الاحتلال في الآليات والجنود على حدٍ سواء.

على الصعيد الاقتصادي

يعاني اقتصاد الاحتلال من صعوبات جمة، امتدت من انهيار الشيكل الإسرائيلي في الأيام الأولى للحرب، واضطرار المصرف المركزي لضخ المليارات للحفاظ عليه، وصولا إلى التراجعات المهولة في مجمل القطاعات الإنتاجية الإسرائيلية، وفي مقدمتها قطاعا التكنولوجيا والإنشاءات. وهي ضربات ستؤثر على مجمل المشهد الاقتصادي الإسرائيلي، وارتفاع عجز الموازنة من 1.5 في المئة، إلى 4 في المئة في العام الجاري، بينما سيصل العجز إلى 5 في المئة في عام 2024. وإلى جانب العجز، يسجل اقتصاد الاحتلال تراجعا شهريا في الناتج المحلي الإجمالي يصل إلى نحو 10 مليارات شيكل (نحو 2.5 مليار دولار أمريكي).

ومع تصاعد تكاليف الحرب من جهة، وفاتورة الاقتصاد من جهة أخرى، بدأ جيش الاحتلال في تسريح أعدادٍ من جنود الاحتياط، في محاولة لإعادة عجلة العمل في دولة الاحتلال على أثر توقفها منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وفي منتصف الشهر الجاري أعلنت وزارة المالية في حكومة الاحتلال، أنها استدانت نحو 30 مليار شيكل (نحو 7.8 مليارات دولار) منذ بدء الحرب على غزة، وبحسب مصادر عبرية فإن جزءا كبيرا من هذه الديون تم الحصول عليه بفوائد عالية جدا، وهذا ما يُشير إلى حاجة الاحتلال لتمويل عملياته العسكرية، على الرغم من الدعم الأمريكي منقطع النظير.

سقوط رواية الاحتلال

ربما يكون سقوط رواية الاحتلال في المنابر العالمية من أكبر خسائره حاليا، فلم تعد ما تقوله أذرع الاحتلال الأمنية والسياسة يجد قبولا على الصعيد الشعبي، ونتابع حجم التضامن مع فلسطين والدفاع عنها، والحديث عن جرائم الاحتلال في غزة، ومع استمرار المجازر، بدأت تظهر أصوات حتى في المستوى السياسي، ولكنها ما زالت خجولة، بينما تستمر المظاهرات الضخمة في العديد من مدن العالم، فقد شهدت العاصمة البريطانية لندن مظاهرات مليونية، وُصفت بأنها الأكبر منذ الحرب على العراق.

وعلى الرغم من انحياز منصات التواصل الاجتماعي الكامل لرواية الاحتلال، وحصارها للمحتوى الداعم لفلسطين، فإن منصة تيك توك على سبيل المثال شهدت تعاطفا كبيرا مع الوسوم التي تتضامن مع فلسطين وغزة، وشكلت مساحة مهمة لنشر الرواية الفلسطينية، بل تجاوزت ذلك لتكون فاتحة ليتعرف الغربيون عامة، والأمريكيون على وجه الخصوص على الإسلام، انطلاقا مما شاهدوه من الصبر والتسليم من أهلنا الصامدين في غزة.

ومع تصاعد التضامن مع فلسطين على أرض الواقع، وفي منصات التواصل الاجتماعي، حذر خبراء لدى الاحتلال من عزلة الكيان على الصعيد الدولي، وقد وصف كاتب في صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" أن "إسرائيل تعاني من انفصال أخلاقي عن المجتمع الدولي"، وهو الذي دفع سلطات الاحتلال إلى صرف ملايين الدولارات على الدعاية المؤيدة لإسرائيل في عددٍ من الدول الأوروبية وخاصة في فرنسا. فبحسب مصادر غربية اختارت خارجية الاحتلال موقع يوتيوب لنشر نحو 100 مقطع دعائي للترويج لروايتهم عن أحداث 7 تشرين الأول/ أكتوبر، وبلغ ما صرفته الخارجية على هذه الدعاية أكثر من 8 ملايين دولار، واستهدفت على التوالي فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة.

أخيرا، تُشكل المعطيات السابقة جزءا يسيرا مما تعرض له الاحتلال على إثر معركة "طوفان الأقصى"، والتي يعدها الكثير من الخبراء نقطة تحولٍ في الإقليم، وأنها النقطة التي ستكثف الأحداث وتسرعها، ومع استمرار هذه المعركة سيتكشف المزيد مما سيعانيه الاحتلال ومجتمعه، ولا ريب في أن أبلغ وصف لهذه الحالة قوله تعالى في كتابه العزيز: "وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيما حَكِيما".

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات كاريكاتير بورتريه الخسائر غزة إسرائيلي الدعاية إسرائيل غزة خسائر دعاية طوفان الاقصي مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة مقالات سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة جیش الاحتلال على الرغم من الاحتلال فی الاحتلال من على الصعید أکثر من

إقرأ أيضاً:

فضيحة الدرونز التي كشفت مشاركة فرنسا في إبادة غزة

في ليلة 17 يوليو/تموز 2014، كانت عائلة شحيبر التي تنحدر من غزة على موعد مع حادث أليم ومُعتاد في فلسطين المحتلة، حيث قصف جيش الاحتلال منزلهم. أما الهدف الإستراتيجي، فتمثل في قتل عدة أطفال: أفنان (8 سنوات)، ووسيم (9 سنوات)، وجهاد (10 سنوات)، الذين استُشهِدوا وهم يُطعِمون الحَمام على سطح المنزل، فيما تسبب القصف في استشهاد طفلين آخرين.

بعد القصف مباشرة، بدأت منظمتان حقوقيتان هما "الميزان" الفلسطينية و"بتسيليم" الإسرائيلية في البحث عن السبب الحقيقي وراء الاستهداف، لكنها خلصت إلى عدم وجود أي هدف عسكري في منزل شحيبر حسب ما أكدته الأمم المتحدة نفسها بعد ذلك في تقرير نشرته في يونيو/حزيران 2015.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2كيف جندت إسرائيل باحثين من "إم آي تي" لصالح جيشها؟list 2 of 2القنابل الخمس التي تستخدمها إسرائيل في إبادة غزةend of list

هناك سؤال ثانٍ كان يؤرق المحققين المستقلين حيال السلاح الذي استُخدِم في القصف، وما أثار الاهتمام في أثناء تنقيب المحققين هو أسطوانة سوداء حملت نقوشا مسحها الانفجار جزئيا وعليها كُتب "أوروفارد ـ باريس ـ فرنسا".

بسبب هذا الاكتشاف رفعت أسرة شحيبر دعوى في فرنسا ضد شركة "إكسيليا"، بسبب تواطؤها المحتمل في جريمة حرب اقترفتها إسرائيل في عملية "الجرف الصامد". تقول هذه الأسطوانة الكثير عن الدعم العسكري والتقني الفرنسي لصالح جيش الاحتلال، وأحدث فصل فيه ما كشف عنه موقع "ديسكلوز" في تحقيق يورط فرنسا في جرائم إسرائيل في حق أهل غزة أثناء حرب الإبادة الدائرة حاليا.

إعلان رمادية فرنسية

قبل انطلاق الحرب على غزة يوم 13 أكتوبر/تشرين الأول 2023، كانت فرنسا رسميا وإعلاميا أيضا تصرح بالدعم الكامل لجيش الاحتلال للرد على ما حدث في السابع من أكتوبر. لكن إسرائيل حولت هذا الزخم الغربي من التعاطف إلى الإقدام على جرائم حرب يصعب إخفاؤها.

بدأ التوجس يجد طريقه إلى أروقة الداعمين الغربيين، خصوصا مع ارتفاع الأصوات الرافضة للإبادة في الرأي العام الغربي، ومحاولاته الضغط على صناع القرار لوقف تصدير السلاح إلى إسرائيل.

في فرنسا، سبق أن وجَّه 115 برلمانيا في أبريل/نيسان من عام 2024 رسالة إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مطالبين إياه بإيقاف مبيعات الأسلحة إلى إسرائيل، لأن أي تحرك عكس ذلك يعني ضلوع باريس في الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني.

قبل ذلك بأيام، كان مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قد أصدر قراره بحظر تصدير الأسلحة إلى دولة الاحتلال، وصوَّتت 28 دولة لصالح هذا القرار، فيما اعترضت 6 دول على رأسها الولايات المتحدة وألمانيا، أما فرنسا فوجدت لنفسها مكانا مريحا في المنطقة الرمادية التي جلست فيها 13 دولة من الممتنعين عن التصويت.

يتسق موقف فرنسا من هذا القرار الأممي مع موقفها العام حيال حرب غزة، وملف تزويد إسرائيل بالأسلحة، أو ببعض القطع التي تستعملها تل أبيب في صناعة أسلحتها التي توجهها في الغالب نحو الفلسطينيين العُزّل.

منذ بداية الحرب على غزة، سلكت فرنسا مسلكا يرقص على جميع الحبال، فهي لم تعلن قطع أي تعامل عسكري مع دولة الاحتلال، لكنها في الوقت نفسه نزلت بهذا التعاون إلى أقل درجة ممكنة، بحيث تحافظ على خيط رفيع يربطها بتل أبيب، مع بذل كل الجهد المطلوب للمحافظة على هذا الخيط من الانقطاع.

موضوعيا، لا تُمثِّل تجارة الأسلحة بين فرنسا وإسرائيل إلا 0.2% فقط من 27 مليار يورو من صادرات باريس إلى دول العالم التي يمكنها استعمالها عسكريا أو في مجالات تقنية أخرى وتكون غالبا مجرد قطع غيار، حسب تصريح سيباستيان ليكورنو، وزير القوات المسلحة الفرنسي.

إعلان

لا تمانع فرنسا من تبادل المساعدة مع الإسرائيليين فيما يخص بيع الأسلحة، لكن المساعدة تخضع لحسابات أخرى أفصحت عنها مصادر لصحيفة "لوموند" أثناء التحقيق الذي نشرته الجريدة الفرنسية عام 2021 حول برنامج "بيغاسوس" للتجسُّس، حيث يقول المصدر: "نحن قريبون من الإسرائيليين بمسافة تسمح لنا أن نعرف ماذا يفعلون، لكن في الوقت ذاته، لدى فرنسا رغبة واضحة في عدم مساعدة إسرائيل في أي عمليات تقوم بها في غزة، لذلك لا نريد أخذ أي مجازفة في إرسال بعض الأسلحة التي قد تُستعمل في ذلك".

أسلحة فرنسا.. للدفاع فقط

في تقرير لها في 28 أبريل/نيسان الماضي، أفادت صحيفة "لوموند" أن فرنسا حتى قبيل الحرب الأخيرة على غزة كانت تزود إسرائيل بقطع ضرورية لصنع القذائف المدفعية، لكن في أكتوبر/تشرين الأول 2023، قررت باريس وقف العقود الخاصة بهذه القطع.

وتشير تقارير البرلمان الفرنسي الصادرة عام 2023 إلى أن فرنسا أرسلت إلى إسرائيل عددا من المعدات الخاصة بتدريع السيارات والمراقبة عبر الأقمار الصناعية.

بعيدا عن المعلومات التي جاءت في وسائل الإعلام الفرنسية، ثمَّة أخبار أخرى أكثر لفتًا للأنظار، منها التحقيق الاستقصائي الذي نشره موقع "ديسكلوز" الفرنسي في مارس/آذار 2024، وقال إن باريس سمحت في نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2023 بإرسال شحنة تضم ما لا يقل عن 100 ألف خرطوشة (ما يغلّف الطلقة)، انطلقت من مرسيليا عبر شركة "أورولينكس" الفرنسية المتخصصة في صناعة المُعدات العسكرية.

يشير التحقيق إلى أن حجم الشحنة وصل إلى 800 كيلوغرام من الذخائر أُرسِلَت إلى شركة "آي إم آي سيستمز" الإسرائيلية، المُزوِّد الحصري للجيش الإسرائيلي لهذا النوع من الذخائر، ويتعارض هذا التمويل المباشر مع تأكيد باريس عبر قياداتها السياسية أن الأسلحة والمعدات الدفاعية فقط هي ما تصل إلى تل أبيب.

إعلان فضيحة المُسيَّرات

مع جولة خفيفة في مواقع التواصل الاجتماعي للعالقين في غزة، نجد أن صوت الخلفية المشترك بين الفيديوهات يغلب عليه ضجيج الطائرات المُسيَّرة، أو ما ُسميه أهل غزة بـ "الزنّانات".

شكَّلت حرب غزة فرصة لإسرائيل لتفعيل الكتيبة 166 التي تحمل اسم "سرب الطيور النارية"، بحسب ما نشر موقع "إسرائيل ديفِنس"، والهدف من هذه الطائرات هو مراقبة غزة، ثم تنفيذ الضربات. وضمن هذا السرب هناك الطائرة "هيرميس 900" التي يصل طولها إلى نحو 15 مترا، وهي قادرة على الطيران لمدة 30 ساعة متواصلة، وعلى ارتفاع 9000 متر.

لا يحتاج الضباط الذين يوجِّهون هذه الطائرات إلا إلى غرفة تحكم تبعد مئات الكيلومترات عن مسرح العمليات، ثم تنفيذ الضربات مستفيدين من الدقة الكبيرة التي توفرها هذه الطائرات الحديثة، حيث بإمكانها مثلا الإجهاز على سائق سيارة على بُعد 5 أو 10 أمتار دون إصابة أي راكب آخر في السيارة نفسها، رغم أن الاستعمال الإسرائيلي لهذه الأسلحة لا يهتم كثيرا بالقتلى المدنيين.

في تحقيق جديد حول صفقات السلاح بين فرنسا وإسرائيل، نشر موقع التحقيقات الفرنسي "ديسكلوز" وثائق تُثبت تورط شركة "تاليس" الفرنسية، التي تمتلك الدولة 26% من أسهمها، في تسليم إسرائيل مجموعة معدات إلكترونية تساعد في جمع قطع طائرة "هيرميس 900″، من بينها قطعة "TSC 4000 IFF"، وهي تساعد هذه المُسيَّرات على تجنُّب الصواريخ والمُسيَّرات "الصديقة" التي قد تعترض طريقها، حتى لا تسقط الصواريخ الموجهة نحو الفلسطينيين على الإسرائيليين أنفسهم.

يشير التحقيق إلى أن 8 قطع من هذه الأجهزة أُرسِلَت فعلا إلى إسرائيل بين ديسمبر/كانون الأول 2023 ومايو/أيار 2024، أي بعد أشهر من انطلاق العمليات الإسرائيلية في غزة.

ويسلط التحقيق الضوء على إشكالية مراقبة العقود السرية التي تعقدها الجهات العليا الفرنسية مع بعض الدول ومن بينها إسرائيل، وذلك رغم خروج وزير الدفاع الفرنسي يوم 20 فبراير/شباط 2024 أمام البرلمان مؤكدا أن جميع القطع التي تُرسَل إلى إسرائيل عبارة عن معدات يُتأكَّد من نوع الآليات التي تُستَعمل فيها.

إعلان

يعود هذا التعاقد السري بين فرنسا وإسرائيل إلى 2 مارس/آذار 2023، حين اشترت شركة "إيلبيت سيستيمز" الإسرائيلية المصنعة لطائرات "هيرميس 900" ثماني قطع إلكترونية بمبلغ 55 ألف يورو للقطعة الواحدة من جهات فرنسية (440 ألف يورو إجمالا). وصل الطلب بعد أسابيع من انطلاق الرد الناري على هجمات 7 أكتوبر، في الوقت الذي كانت تحذر فيه الأمم المتحدة من أن النيران الإسرائيلية غالبا ما تطول النساء والأطفال الرضع.

طائرة هيرميس 900 الإسرائيلية المسيّرة (غيتي)

ورغم ذلك، يقول موقع "ديسكلوز" إن وزارة الدفاع الفرنسية لم تحترم الاتفاقيات التي وقَّعت عليها بعدم بيع أسلحة لجهات تستهدف المدنيين، بل واصلت دعم تحركات حكومة نتنياهو في تدمير قطاع غزة.

كانت فرنسا قد واجهت في وقت سابق دعوة من 11 منظمة حقوقية تتزعمها منظمة العفو الدولية "أمنستي" بسبب إرسالها أسلحة إلى تل أبيب، مع العلم أن الأخيرة لا تجرب أسلحتها ولا الأسلحة التي تحصل عليها من حلفائها إلا في مواجهة الفلسطينيين.

سكوربيون

تجمع فرنسا وإسرائيل علاقة تسليح وتكنولوجيا وطيدة، ويكشف تحقيق مهم لموقع "أوريان 21" عن العلاقة بين جيش الاحتلال وجهاز الدفاع الفرنسي، وعن الغموض الكبير الذي يكتنف هذه العلاقة، التي تشهد تعاونا بين الفرنسيين والإسرائيليين على حروب المستقبل التي سيكون أبطالها الروبوتات والطائرات المُسيَّرة.

تمتاز العلاقات بين فرنسا وإسرائيل بنوع من الودية، وإن كانت قد تعكرت في الفترة الأخيرة، بيد أن الأمر ليس بذلك الوضوح أو الشفافية فيما يتعلق بالجانب العسكري، لأن العلاقة تتأرجح بين الود والمنافسة، بل تصل أحيانا إلى الاختراق. لا يحب الفرنسيون الطريقة التي يتعامل بها الإسرائيليون في مجال الصناعات العسكرية، فهم يكسرون الأثمان بهدف الاستيلاء على أسواق السلاح.

وليس هذا فحسب، بل أصبح جيش الاحتلال منذ سنوات يتوجه إلى أهم الأسواق التقليدية التي كانت فرنسا تتمتع بالأفضلية المطلقة فيها لينافسها هناك، وهي سوق أفريقيا.

إعلان

منذ اتفاق أوسلو، استثمرت إسرائيل كثيرا في القارة السمراء، خصوصا في مجال حماية الأنظمة القائمة. وفي السياق نفسه، حافظ الإسرائيليون رغم ذلك على نوع من التعاون مع الفرنسيين كما حدث في الكاميرون، حيث دعموا الجيش الكاميروني للقتال ضد جماعة "بوكو حرام"، وأقدم مرتزقة إسرائيليون على تأطير كتيبة التدخل السريع، التي تعمل تحت قيادة الرئاسة مباشرة، وجهز الإسرائيليون كتيبة التدخل السريع ببنادق كانت حتى الأمس القريب لا تأتي إلا من الصناعة الفرنسية.

تجاوز تأثير السلاح الإسرائيلي رعايا فرنسا السابقين من الأفارقة إلى فرنسا نفسها. وصحيح أن جيش الاحتلال منذ بدء عدوانه الغاشم على غزة قد استعان بكل مَن له إبرة يمكنها أن تغطي حاجتها العسكرية لإبادة غزة وسكانها، إلا أن الإسرائيليين في الظروف العادية يؤثّرون بالفعل في مجال التسليح والدفاع الفرنسي، مع أن العكس ليس صحيحا بالضرورة.

ففي خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كانت فرنسا هي التي تبيع الأسلحة لجيش الاحتلال، أما اليوم، فأضحت تل أبيب تبيع لباريس، إذ استوردت فرنسا أنظمة المراقبة الإلكترونية والمُسيَّرات، وحتى الجنود الآليين. ولا يُخفي الفرنسيون انبهارهم بالتكنولوجيا الإسرائيلية، وبالقليل من البحث، يمكننا الوصول إلى بعض نتائج هذا التعاون الخفي، أما الفاكهة المسمومة الأكثر نضجا هي "برنامج سكوربيون".

لا يعلم الفرنسيون الكثير عن برنامج خفي يسمى "تآزر الاتصال المعزز بتعدد الاستخدامات وتثمين المعلومات"، المعروف اختصارا بـ"سكوربيون"، وهو برنامج "ذكي" سيدخل في قلب إستراتيجية القوات البرية الفرنسية للعقدين المقبلين.

أهم نقطة في برنامج "سكوربيون" هي تطوير قيادة رقمية واحدة تعتمد على وصلة مشتركة، تسمح للجنود المختلفين والأدوات العسكرية المنتشرة، وبالخصوص المُسيَّرات والروبوتات، بالاتصال في وقت واحد لاستباق أي ردود فعل يقوم بها العدو المفترض.

إعلان

لذا، سيتمكن الجندي الفرنسي من الحصول على جميع هذه المعلومات عبر مواقع "جي بي إس" خاصة بالبرنامج، الذي عملت عليه شركة "إلبيت" الإسرائيلية، من أجل حرب "بدون ضوضاء"، وبحيث يُتيح هذا النظام الاستباقي لفرنسا أن تتجنَّب مقتل العديد من جنودها عبر قراءة التحركات الاستباقية لعدوها.

عمل جيش الاحتلال على تطوير تقنياته عبر تجريبها في غزة وفوق جثث أهلها، ولذلك تمكن من التقدم في نقاط ثلاث: أولها محو أصوات محركات المُسيَّرات، وثانيها تصغير حجمها وتطويرها بحيث يماثل حجمها حجم الحشرات، وأخيرا القضاء على أي آثار رقمية لها مع تحديد إشارات العدو.

كل هذا وأكثر يوجد في برنامج "سكوربيون" الذي لا تقتصر أهميته في الصناعة الفرنسية على الاستخدام، بل تتجاوزه إلى التصدير، حيث أبدت بعض الدول، ومنها دول عربية، حماسها الشديد للحصول عليه، وهو برنامج وصل بالطبع، قبل كل هؤلاء المشترين، إلى جيش الاحتلال الإسرائيلي.

وبذلك يبدو الموقف "المحايد" الذي تحاول القيادة السياسية في فرنسا اتخاذه من حرب الإبادة الحالية، موقفا لا تعضده مواقف الجانب العسكري، الذي بات بصورة أو بأخرى جزءا من هذه الحرب، وجزءا من آلة القتل التي تحرق وتدمر يوميا كل ما تطاله دون رادع.

مقالات مشابهة

  • شاهد .. نيويورك تايمز تنشر فيديو يدحض رواية الاحتلال حول مجزرة المسعفين في رفح
  • الهلال الأحمر: فيديو "نيويورك تايمز" يدحض رواية إسرائيل
  • نيويورك تايمز تنشر فيديو يدحض رواية الاحتلال حول مجزرة المسعفين في رفح
  • فضيحة الدرونز التي كشفت مشاركة فرنسا في إبادة غزة
  • ساحة الصدام بين الصهاينة وأردوغان
  • السعودية تدين وتستنكر الغارات الإسرائيلية التي استهدفت 5 مناطق مختلفة في سوريا
  • وزارة الخارجية: المملكة تعرب عن إدانتها واستنكارها الشديدين للغارات الإسرائيلية التي استهدفت خمس مناطق مختلفة في سوريا
  • المملكة تدين الغارات الإسرائيلية التي استهدفت 5 مناطق في سوريا
  • الأمم المتحدة قلقة إزاء الخسائر البشرية في غزة
  • الحكومة الإسرائيلية تقرر إلغاء دخول سوريين للعمل بمستوطنات الجولان المحتل