طهران- لطالما راهنت الجمهورية الإسلامية، طوال أكثر من 4 عقود، على نجاعة خيار "المقاومة في مواجهة الكيان الإسرائيلي"، لكن طهران عدّت أن التوصل إلى الاتفاق على هدنة إنسانية في قطاع غزة، مؤشرا إلى انتصار الجانب الفلسطيني، وهزيمة المحور الغربي الإسرائيلي.

وفي تعليق صدر من رأس هرم السلطة في إيران، قال المرشد الأعلى علي خامنئي، إن "حركة حماس تمكنت من توجيه ضربة قاضية للكیان الصهيوني الغاصب والمدجج بالسلاح"، مضيفا أن تشديد القصف الإسرائيلي للمدارس والمستشفيات لن يعوّض الفضحية والخسارة التي مُنِيَ بها في الحرب الأخيرة على غزة.

وتابع خامنئي، خلال استقباله عددا من الرياضيين الإيرانيين، أن "مواصلة قصف المدنيين ستقصّر من عمر كيان الاحتلال"، مؤكدا أن "هذه القسوة لن تبقى دون رد".

وزير الخارجية الإيراني (يسار) من بيروت "الخاسر الأكبر أمام الرأي العام العالمي هو أميركا والكيان الصهيوني" (غيتي) مقاومة بطولية

أما وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان، فقد سارع إلى زيارة العاصمة اللبنانية للمرة الثانية منذ انطلاق عملية طوفان الأقصى، للقاء المسؤولين اللبنانين وقادة فصائل المقاومة الفلسطينية وحزب الله، مؤكدا أن المقاومة على مدى 6 أسابيع خلت، أثبتت بأن الوقت ليس في صالح إسرائيل.

وفي مؤتمر صحفي عقده أمس الأربعاء في مستهل زيارته إلى بيروت، رأى عبد اللهيان أن "قبول الحكومة الإسرائيلية بالهدنة يمثّل ثمرة انتصار المقاومة في غزة، وأن عملية طوفان الأقصى أظهرت بأن الخاسر الأكبر أمام الرأي العالمي هو الكيان الصهيوني والولايات المتحدة"، على حد قوله.

كما رأى محمد إيماني عضو مجلس رؤساء التحرير في صحيفة كيهان المقربة من مكتب المرشد الإيراني الأعلى، أن "معركة طوفان الأقصى -سواء توقفت أو استمرت- ستؤدي إلى هزيمة إسرائيل، التي لم تقترب بعد من تحقيق أي من أهدافها المعلنة"، معدّا أن الهدنة اعتراف بهزيمة الاحتلال في المعركة.

وفي افتتاحيته تحت عنوان "الهدنة والخسارة المدوية لإسرائيل وأميركا"، رأى إيماني أن ضريبة استئناف الحرب على غزة ستكون مضاعفة على إسرائيل، ذلك لأن خسائرها لن تقتصر على جبهة غزة، بل تمتد تداعياتها السلبية على الاقتصاد الإسرائيلي، إلى جانب تراجع الدعم الغربي لتل أبيب، وتصاعد ضغط الرأي العام العالمي عليها.

ولدى إشارته إلى صمود المقاومة وعزمها مواصلة التصدي للعدوان الإسرائيلي لفترة طويلة، رأى إيماني أن "حكومة اليمين الإسرائيلي كانت مرغمة على القبول بالهدنة الإنسانية والاعتراف بهزيمة نكراء"، موضحا أنه "إذا كانت الهدنة الإنسانية تُمثّل إخفاقا ذريعا لإسرائيل، فإنها ستكون أشد مرارة على الجانب الأميركي الذي رمى بكل ثقله في قيادة المعركة".

مؤشرات هزيمة مدوّية

ويعتقد الباحث السياسي علي رضا تقوي نيا، أن شروط المقاومة الفلسطينية للقبول بالهدنة الإنسانية تدل على "امتلاك أصحاب الأرض اليد العليا في المعركة البرية"، مؤكدا أن الجانب الإسرائيلي قد خسر المعركة ولم يحقق أيا من أهدافه المعلنة.

وفي حديثه للجزيرة نت عدّد الباحث السياسي المؤشرات التي تثبت هزيمة إسرائيل في معركة طوفان الأقصى وفق التالي:

شكّلت عملية السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، ضربة إستراتيجية لهيبة الجيش الإسرائيلي وأجهزته الاستخبارية، وأسست لفقدان الرأى العام الإسرائيلي ثقته بقدرة المؤسسات الإسرائيلية على حمايته. العار الذي لحق بالجيش الإسرائيلي جراء عملية طوفان الأقصى لن يُمحى سوى بالقضاء نهائيا على حركة حماس وهذا ما لم يحصل بعد، لا سيما وأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد أعلن ذلك كونه هدفا أسياسيا لعدوانه على قطاع غزة. قدرات حركة المقاومة الإسلامية (حماس) العسكرية لم تتزعزع على الأرض، وأن إطلاق الصواريخ من غزة لم يتوقف حتى قبيل دخول الهدنة حيز التنفيذ. إسرائيل أخفقت في تحرير الأسرى وتدمير شبكة الأنفاق في قطاع غزة وتغيير السلطة التي ترأسها حركة حماس، وأخفقت في تهجير أهالي غزة إلى مصر. فضيحة كيان الاحتلال لدى الرأي العام العالمي، لا سيما جراء مهاجمته المستشفيات وإخفاقه في العثور على أنفاق تحت مستشفى الشفاء. وقوف الشعب الفلسطيني وحلفاء المقاومة إلى جانب حركة حماس، واحتمال فتح جبهات جديدة في مواجهة الاحتلال، زادت من ضغط الجبهة الداخلية على حكومة نتنياهو.

وخلص تقوي نيا إلى أن الهدنة تحقق جزءا كبيرا من الهدف الأساس الذي أطلقت حركة حماس معركة طوفان الأقصى من أجله، ألا وهو تحرير الأسرى الفلسطينيين من سجون الاحتلال.

شبح الحرب

من جهة أخرى، يشير الباحث في الشؤون الأميركية أمير علي أبو الفتح، إلى ارتفاع وتيرة التصعيد بين الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة جراء العدوان الإسرائيلي على غزة، واصطفاف كل من واشنطن وطهران إلى جانب أحد طرفي المعركة.

وفي حديثه للجزيرة نت، أوضح أبو الفتح أن "واشنطن تتهم طهران بتحريض حركات المقاومة العراقية على مهاجمة القواعد الأميركية في العراق وسوريا"، مشددا على أن "التصعيد في جبهتي جنوبي لبنان واليمن، لا سيما المعركة البحرية في مضيق باب المندب، كان في طريقه لرفع احتمالات المواجهة بين إيران وأميركا".

ورأى أن "الهدنة الإنسانية في غزة قد أبعدت شبح الحرب الشاملة في المنطقة"، موضحا أن "الجانب الإسرائيلي يرى في الولايات المتحدة قدرة عسكرية متفوقة، وسعى حثيثا لإقحامها في المعركة بغية تحييد الخطر الإيراني".

وختم الباحث في الشؤون الأميركية، بالقول إن "الجانبين الإيراني والأميركي لا يرغبان بالمواجهة العسكرية" إلا أنه كان يخشى دحرجة تطورات معركة غزة وتوسعتها لاستدراجهما إلى الحرب.

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: الهدنة الإنسانیة طوفان الأقصى فی المعرکة حرکة حماس

إقرأ أيضاً:

إيران وحماس بين لُغة المقاومة وخطاب المصالح.. قراءة في كتاب

الكتاب: إيران وحماس، من مرج الزهور إلى طوفان الأقصى ما لم يرو من القصة
الكاتب: فاطمة الصمادي
الناشر: مركز الجزيرة للدراسات ط1،  الدوحة - قطر 2024
عدد الصفحات:  386.


ـ 1 ـ

عقدت الثورة الإيرانية الصلة بالفصائل الفلسطينية منذ كانت تحشد أنصارها وتجهز نفسها للاستيلاء على الحكم. فمن بريد الإمام الخميني تعرض الباحثة فاطمة الصمادي رسائل له تبادلها مع ياسر عرفات. وأبرز ما نتوقف عنده طلب الإمام الخميني من الزعيم الفلسطيني "التضامن مع شعبه المظلوم وأن يكون صوتاً لهم وأن يسخر وسائل إعلامه لإيصال صوتهم إلى العالم". ومن تورد أخرى وردت عليه من أبو جهاد عبر له فيها عن تضامن حركة فتح مع نضال الشعب الإيراني وعرض عليه وضع إمكانات منظمة التحرير تحت تصرفه وتصرّف معارضي الشاه.

وتذكر أنّ الخميني تفاعل إيجابا مع الرسالة. فعين ممثلا له لدى حركة فتح. ولاحقا عقدت بعض شخصيات الثورة الإيرانية المؤثرة علاقات مع المجموعات الفلسطينية المقاتلة في لبنان خوّل لها أن تفيد من خبراتها القتالية لتدريب العناصر التي أخذت على عاتقها بناء الحرس الثوري بعد أن استقام لها أمر الحكم. وهذا ما كان شاه إيران قد اشتكى منه. فقد قال في مقابلة مع مجلة "الحوادث" اللبنانية "لقد وقفنا، وما زلنا، إلى جانب الفلسطينيين، رغم أن بعض مجموعات المقاومة دربت مخربين إيرانيين على اقتحام أراضينا وقتل الناس وتفجير منشآت مختلفة. نحن نعرف كيف نميز بين عدالة قضية فلسطين والظلم الذي يوجه ضدنا من قبل بعض الفلسطينيين. ما أخشاه هو أن يسمح الفلسطينيون للظروف الدولية بجعل قضيتهم أداة لإستراتيجية سوفيتية أو إستراتيجية دولية أخرى على مصر والسعودية، وسوريا، والدول العربية الأخرى مساعدة الفلسطينيين على تجنب مثل هذه المآزق".

ـ 2 ـ

من الذين أسهموا في تدعيم العلاقات بين الثورة الإيرانية والفصائل الفلسطينية المقاومة أنيس النقاش عضو حركة فتح. فقد كان أول من أطلق تشكيلات المقاومة في جنوب لبنان بعد الاحتلال الإسرائيلي عام 1978. وكان هاجسه، فيما تنقل الباحثة عنه، كيفيةَ الاستفادة الروح الثورية في إيران لتفعيل الروح الإسلامية في جنوب لبنان. وبالفعل فقد أثمرت خططه شكلا من أشكال العودة إلى التدين في الكتيبة الطلابية، فبدأت عناصرها وضباطها يترددون على المساجد والحسينيات. وأمكن له استقطاب بعض المتطوعين الإيرانيين الرّاغبين في قتال الإسرائيليين في جنوب لبنان. فقد وكانوا جزءا من الثورة الإيرانية لكن بعد انتصارها حوّلوا وجهتهم إلى القتال في سبيل فلسطين. وبانتصار الثورة شكّلت إيران "وحدة المستضعفين وحركات التحرر". وأرادتها  الجمهورية الإسلامية أداة لتصديرها. وكان من بين العقول الدافعة نحو تركيزها، كل من محمد منتظري الشخصية ومهدي هاشمي (الذي أعدم في عهد هاشمي رفسنجاني بتهم كثيرة على صلة بمناهضة النظام والتحريض على الفتنة). فالرّجلان آمنا بأن قدر الثورة أن تكون عابرة للحدود وأن تتبنى القيم الثورية العالمية المشتركة، وحثا على عقد علاقات خارجية متشعبة تجاوزت المنظمات الإسلامية المعارضة في الخليج والعراق إلى المنظمات الثورية في شمال إفريقيا والقرن الإفريقي، وأميركا الجنوبية، والحزب الشيوعي الإسباني.

ـ 3 ـ

مثل فيلق القدس صياغة جديدة لفكرة "وحدة المستضعفين وحركات التحرر" ولكن بصورة مؤسسية أكثر. فقد أنيطت بعهدته مهمة تشكيل شبكة من الحلفاء بالخارج لتمثل"جبهة مقاومة قوية في مواجهة الصهيونية وأميركا في المنطقة من البحر المتوسط إلى شرقي آسیا" ولتجعل هدفها تحقيق مبدإ "وقف العدو خارج الحدود". وسيكون الدفاع عن إيديولوجيا الثورة الإيرانية موجهها الرئيسي بدل فكرة التحرّر مطلقا التي كانت تحكم "وحدة المستضعفين وحركات التحرر" بحيث تكون إيران المركز الذي تخاض الحروب في الخارج حماية له.

شاركت حماس في وساطات لإنهاء الاحتلال بتسوية عربية، وزارت وفود منها دولا عربية وإسلامية. ونسجت من خلال دورها شبكة علاقات خارجية. ورأت في مؤتمر مدريد تهديدًا للقضية الفلسطينية ثم رفضت مؤتمر أوسلو مما جعلها ممثلا لخيار المقاومة مما جعلها تنتزع مكانة منظمة التحرير في الشارع الفلسطيني وعند بعض دول الخليج.يشرح وزير الدفاع الإيراني السابق، حسين دهقاني سبب تسمية فيلق القدس بهذا الاسم. فيجعلها ترجمة ميدانية لمبدإ "طريق القدس يمر من كربلاء" وتجسيما لفلسفة خامنئي رئيس المجلس الأعلى للدفاع في إيران وقتها وللعقيدة الحربية الإيرانية برمتها التي تتبنى فكرة "الدفاع الفسيفسائي". والمراد بالعبارة خوض أتباع إيران المرتبطين بها عقائديا واقتصاديا وإستراتيجيا معارك صغيرة في بقاع متفرقة يستقل بعضها عن بعض. فإيران وفق خامنئي "لا تريد الآن الدخول بحرب هناك" (واسم الإشارة يعود على جنوب لبنان الذي هاجمته إسرائيل) فطريق القدس يمر من كربلاء. وهكذا يمكن للسلطة المركزية الإيرانية ممارسة الدبلوماسية في المنطقة من دون حضور ميداني عملياتي مباشر . ولكن عند حدوث هجوم أميركي أو إسرائيلي عليها، فبإمكانها أن تخوض حربا فسيفسائية عبر أتباعها وأن تجعل القواعد الأميركية والإسرائيلية في مرمى صواريخها.

ويقرّ علي خامنئي بفضل من أسماهم بـ"ـمدافعي الحرم". فيقول عن عائلاتهم "هذه العائلات لها دين في عنق الإيرانيين جميعًا، فقد قاتل أبناؤها دفاعا عن حريم آل البيت في سوريا والعراق وواجهوا أعداء إيران في الخارج، وبدون هذه المواجهة كان يمكن لهؤلاء الأعداء أن يدخلوا إيران، ولو لم يقفوا في وجههم فإن إيران كانت مجبرة على محاربتهم في كرمنشاه وهمدان وبقية المدن الإيرانية ".

ـ 4 ـ

ولم تغرق الباحثة في التفاصيل الكثيرة إلا لتوفر لنا قاعدة بيانات تخوّل لنا أن نفهم العلاقة بين إيران وحماس التي ستظهر على الساحة في النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي. وسيُحدث ميلادها تحولا كبيرا في جماعة الإخوان المسلمين في فلسطين. فتنتقل من حركة اجتماعية تربوية إلى قوة سياسية عسكرية تزاحم القوى العلمانية المنضوية تحت لواء منظمة التحرير الفلسطينية.

تعرف حركة حماس نفسها ضمن المادة الثانية من الباب الأول من ميثاقها "حركة المقاومة الإسلامية جناح من أجنحة الإخوان المسلمين بفلسطين وحركة الإخوان المسلمين تنظيم عالمي، وهي كبرى الحركات الإسلامية في العصر الحديث، وتمتاز بالفهم العميق، والتصور الدقيق والشمولية التامة لكل المفاهيم الإسلامية في شتى مجالات الحياة. في التصور والاعتقاد في السياسة والاقتصاد، في التربية والاجتماع في القضاء والحكم. في الدعوة والتعليم، في الفن والإعلام في الغيب والشهادة وفي باقي مجالات الحياة". وسيكون لخلفيتها الإيديولوجية وقع كبير على علاقتها مع إيران مدّا وجزرا. فبين هذين المكونين من مكونات الإسلام السياسي من نقاط الالتقاء التي تقرّب بقدر ما بينهما من نقاط الاختلاف التي تباعد. فتتشابه مرتكزاتهما الفكرية في عدة جوانب، أبرزها النظر إلى الإسلام باعتباره أساسا لفلسفة  السياسية ومكانة الشريعة في الحكم وضرورة تطبيقها والموقف من الديمقراطية ومن منزلة المرأة في الأسرة والمجتمع ودورها في السياسية  والموقف من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. ويختلفان جوهريا فيما يتعلق بالأهداف والأساليب والتفاعل مع السياقات السياسية المحيطة.

ـ 5 ـ

انتصر عرفات إلى صدام حسين عند غزوه للكويت ما جعله يخسر التعاطف الخليجي. ولعلّ موقفه غير الحكيم ما جعله يقود منظمة التحرير الفلسطينية في مسار تسوية أعرج. وبالمقابل، شاركت حماس في وساطات لإنهاء الاحتلال بتسوية عربية، وزارت وفود منها دولا عربية وإسلامية. ونسجت من خلال دورها شبكة علاقات خارجية. ورأت في مؤتمر مدريد تهديدًا للقضية الفلسطينية ثم رفضت مؤتمر أوسلو مما جعلها ممثلا لخيار المقاومة مما جعلها تنتزع مكانة منظمة التحرير في الشارع الفلسطيني وعند بعض دول الخليج.

جعلت هذه التّحولات إيران تناقش صلتها الممكنة بحماس في أعلى دوائر صنع القرار.. ولمّا بدأت الاتصال بها رسميا كان بين قيادات الحركة من يعارض إقامة مثل هذه العلاقات. وتقدّر أنّ إيران تريد عبرها شيئا من القبول في الأوساط السنّية. وكانت  بعض القيادات الإيرانية تعارض بدورها هذه الخطوة. وكانت ظلال" الصراع الشيعي السني كثيفة. ثمّ عقد اجتماع بينهما في أحد فنادق الإمارات العربية المتحدة عام 1990 نقل خلاله الطرف الإيراني رغبته الصريحة في بناء علاقة مع الحركة.

مثّل "طوفان "الأقصى" اختبارا كبيرا لعمق هذه العلاقة. فإيران كانت تعلن تأييدها لـهجوم حماس وفي الآن نفسه كانت تتعامل مع تبعاته بحذر بالغ. وقياداتها الإصلاحية والمعتدلة خاصّة كانت تدعو إلى ضرورة الانتباه إلى "من يحاولون جر رجل إيران إلى المعركة".ورغم التقارب طلبت حماس تأجيل تفعيل الصلة إلى ما بعد عقد مثلها مع السعودية والعراق. ورفضت مقترح الدعم المالي. ثم زار المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) طهران لأول مرة في سبتمبر1992. فأسست الزيارة تفاهما سياسيا شاملا بشأن القضية الفلسطينية. وفتحت قنوات مختلفة للتعاون في العمل المقاوم. ومثّل إبعاد إسرائيل 415 قياديا فلسطينيا من حماس والجهاد الإسلامي في أواخر 1992 إلى منطقة مرج الزهور جنوبَ لبنان، المنعطف الثاني في حياة العلاقة بين الطّرفين. فقد استغلت إيران الفرصة للتواصل مع نخب من حماس وتوفير الدعم لها.

ـ 6 ـ

تحقّق التواصل في مرج الزهور في ظل الحاجز المذهبي العميق بين حماس وإيران. فيذكر مجتبى ابطحي  أنّ عبد العزيز الرنتيسي الذي كان يترأس اللجنة الإعلامية في مخيم المبعدين بادره قائلا: "ابق مكانك ولا تقترب أكثر" ويضيف: "أذكر تحفظهم، كانوا يعتقدون أننا كفار ومشركون ويظنون أننا نعبد الإمام علي، حتى إن بعضهم لم يكن يرغب بمد يده للسلام عليّ.. لكن لاحقا عقدنا رابطة أخوة".  فقد كان الاتفاق على عدم التطرق إلى الموضوع الفكري والطائفي في معسكرات التدريب. وكان طلب حماس أن تبقى فلسطين موحدة على مذهب واحد، لتكون قادرة على مقاومة الاحتلال، فلن يفيد فلسطين أن يصبح لديها مئة شيعي. وكان جواب الإيرانيين أنّ الجمهورية الإسلامية لا تسعى وراء تشييع فلسطين. وهذا ما ساعد على تفاهمات حول التدريب والتسليح وعقد الصلة بحزب الله. ولكن العلاقة تطوّرت أكثر بانتقال ملف حماس إلى مؤسسة الحرس الثوري. وتحقّق ذلك على مراحل ليصبح بإشراف هذا الجهاز كليّا عقب فوز حماس في الانتخابات، عام 2006. فقد مهّد وصول حماس للسلطة لمرحلة جديدة من الدعم الإستراتيجي العسكري والمالي. وكان على حماس تحمّل اتهامها بالتغاضي عما يصفه منتقدوها بـ "المشروع التخريبي الإيراني" في المنطقة.

ـ 7 ـ

مثّل "طوفان "الأقصى" اختبارا كبيرا لعمق هذه العلاقة. فإيران كانت تعلن تأييدها لـهجوم حماس وفي الآن نفسه كانت تتعامل مع تبعاته بحذر بالغ. وقياداتها الإصلاحية والمعتدلة خاصّة كانت تدعو إلى ضرورة الانتباه إلى "من يحاولون جر رجل إيران إلى المعركة".

تفسّر الباحثة هذا الارتباك في التعامل الإيراني مع هجوم حماس بعوامل عديدة. فالمشهد السياسي محكوم بانقسام حاد بين المعسكر الأصولي والمعسكر المحافظ. ولا حاجة له بقضايا خلافية جديدة. وطهران تدرك جيّدا أنها غير قادرة على حشد المجتمع للانخراط في حرب جديدة كما فعلت خلال الحرب مع العراق في الثمانينات. ولا يمكنها الرهان على فشل إسرائيل أمام هجوم حماس حتى تغيّر إستراتيجيتها الناجحة تجاهها. وطبيعة علاقتها بحماس تمنعها من الذّهاب بعيدا في دعمها. فالحركة ليست في مقام تلقي الأوامر كما هو الشأن بالنسبة إلى وكلائها ممن يشتركون معها في خلفيتها العقائدية، ولا يمكنها أن تكون يوما من "مدافعي الحرم" أو طرفا في فلسفة "الدفاع الفسيفسائي". ومبادئها معلنة: أن يكون عملها داخل الأراضي المحتلة، وأن يوجه بشكل مباشر ضد إسرائيل، وعليه فهي ملتزمة بألاّ تمارس أيّ عمل عسكري ضد أي دولة أخرى.

ولا ينفصل المستوى السياسي عن منظومة النضال ضد الاحتلال. فهو يتكامل مع فعل المقاومة المسلحة وقاعدة المصالح التي تنبني عليها التحالفات السياسية يجب أن تستند دائما إلى مصالح الشعب الفلسطيني أولا. أما استقلالية قرارها فخط أحمر يحصنها من كل تبعية للخارج.

ـ 8 ـ

تفسّر كل هذه العوامل تحول العلاقة بين الطرفين الإيراني والحمساوي من التجاذب في وسط الثمانينات إلى الودّ الذي ظل يتدعّم من بداية التسعينات إلى ما قبل 7 أكتوبر 2023 إلى ما يصنّف سُنيا بالخذلان بعد طوفان الأقصى.

مقالات مشابهة

  • الإمارات تنقل التحريض ضد المقاومة الفلسطينية إلى ساحة الأمم المتحدة
  • انتصارُ أميركا على الحوثي لا يكفي
  • التهجير أو الموت.. «خبير سياسي» يوضح أسباب انتشار الفرقة 62 مدرعة للجيش الإسرائيلي بغزة
  • أستاذ علوم سياسية: انتشار الفرقة 62 مدرعة من الجيش الإسرائيلي بغزة للسيطرة على أكبر قدر من الأراضي
  • تحريض إسرائيلي ضد وزير سوري في الحكومة الجديدة بسبب طوفان الأقصى (شاهد)
  • إيران وحماس بين لُغة المقاومة وخطاب المصالح.. قراءة في كتاب
  • تقرير: مقترح مصري جديد بشأن الهدنة في غزة
  • إسرائيل تعلن اغتيال سعيد الخضري بغزة بزعم انه صراف مركزي لحماس
  • جيش الاحتلال والشاباك يعلنان اغتيال محمد صلاح البردويل القيادي بـ حماس
  • الجيش الإسرائيلي يعلن اغتيال حسن فرحات قائد القطاع الغربي لحماس في لبنان