لماذا تدعم أميركا إسرائيل بهذا الشكل المجنون
تاريخ النشر: 21st, November 2023 GMT
لا يدرك كثير من المتابعين للسياسة الخارجية الأميركية أسباب دعم واشنطن المجنون وغير المحدود لإسرائيل منذ نشأتها قبل 75 عاما.
ويعرض الكثير من الخبراء والسياسيين والأكاديميين نظريات تحلل وتفسر لهذا الدعم النادر في خريطة العلاقات الدولية، ويرجع بعضهم ذلك إلى الترابط الديني بين الصهيونية والبروتستانتية، أو للتحالف القائم على المصالح الإستراتيجية بينهما، أو لدور اللوبي وجماعات اليهود الأميركيين، والبعض يرجعه للإحساس العام بالذنب تجاه ما جرى لليهود في أوروبا على يد النظام النازي في ألمانيا وحلفائه الأوربيين.
ؤمن الكثير من الجماعات الإنجيلية بضرورة التعجيل بسيطرة إسرائيل الكاملة على كل أرض فلسطين المقدسة، إيمانا منها بأن هذا يسرع من عودة المسيح الثانية
ويرى بعض المعلقين أن التأييد الأميركي الشامل يضر بمصالح واشنطن في الوقت الذي لا تكترث فيه إسرائيل بالمصالح الأميركية. ويستشهد البعض بما اقترفته إسرائيل في حق الولايات المتحدة، مثل تدمير المدمرة ليبرتي في ستينيات القرن الماضي، مرورا بتسريب أسرار عسكرية وتكنولوجية أميركية للصين، إضافة للتجسس على الجيش الأميركي نفسه في عدة مناسبات، ورفضها التوصل لجهود واشنطن لسلام في الشرق الأوسط، وهو ما يضر بالمصالح الأميركية، ويتسبب في تسميم علاقات الولايات المتحدة بملايين العرب المسلمين.
ودفع ذلك بالجنرال ديفيد باتريوس، القائد السابق للقوات الأميركية في أفغانستان، للقول أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، إن الغضب العربي المطلق تجاه الولايات المتحدة الذي تسببه القضية الفلسطينية يحدد الدعم وقوة الشراكة الأميركية مع شعوب وحكومات المنطقة، وأن الجماعات المتطرفة تستغل هذا الغضب لتعبئة الدعم المؤيد لها، كما أن استمرار الصراع العربي الإسرائيلي يعطى إيران نفوذا كبيرا في العالم العربي.
ومنذ بدء عملية طوفان الأقصى في السابع من الشهر الماضي، وما تبعها من إعلان إسرائيل الحرب وشنها عدوانا مستمر وغير مسبوق على قطاع غزة، لم تظهر إدارة جو بايدن إلا الدعم الكامل لإسرائيل على الرغم من تغير لغتها مؤخرا على استحياء لتطالب بهدن إنسانية مؤقته لإدخال الغذاء والماء للمدنيين، وربما السماح بنزوح المزيد من الفلسطينيين من شمال غزة. واتّخذ الرئيسُ بايدن موقفًا حادًا وصارمًا في دعمه إسرائيلَ عسكريًا وسياسيًا ودبلوماسيًا ومعنويًا، فيما امتنع فيه -حتى الآن- عن المطالبة بوقف إطلاق النّار، وهو ما يعني إعلاءَه قيمة العمل العسكريّ على الاعتبارات الإنسانيّة.
وقد تكون هذه هي المرَّة الأولى في التاريخ الأمريكيّ التي يمتنع فيها رئيس عن مطالبة أطراف نزاع عسكريّ خارجي- سقط فيه آلاف الضحايا المدنيين- بوقفِ القتال.
وعلى الرغم من خروج مظاهرات في مختلف المدن الأميركية تطالب بايدن بالدعوة والضغط لوقف إطلاق النار، يتجاهل بايدن كل هذه النداءات ويقف صلبا مؤيدا لكل ما يقوم به الجيش الإسرائيلي حتى مع تدميره ربع مباني قطاع غزة، وقصف كل مستشفياتها ومداريها وحتى أفرانها.
ولا يعد موقف بايدن استثناء في تاريخ تأييد رؤساء أميركا لإسرائيل. ورغم تغير ميول واتجاهات الرأي العام الأميركي إيجابيا تجاه حق الفلسطينيين في دولة مستقلة، لا تعتمد السياسة الأميركية تجاه إسرائيل على أرقام استطلاعات الرأي بقدر ما تعتمد على كيفية رؤية الرئيس الأميركي لمصالح بلاده، وكيف تتناسب إسرائيل والشرق الأوسط مع السياسة الخارجية العالمية للإدارة. وعلى مدى نصف القرن الماضي، اعتقد الرؤساء الأميركيون عموما أن الشرق الأوسط، بفضل احتياطيات النفط، يمثل أولوية قصوى في الإستراتيجية الأميركية، وعليه تعززت العلاقة الأميركية مع إسرائيل.
وللدعم الأميركي لإسرائيل الكثير من المصادر المتشابكة، ويمثل العامل الديني حجر الأساس الأهم في مصادر الدعم لإسرائيل داخل الولايات المتحدة، وتؤمن الكثير من الجماعات الإنجيلية بضرورة التعجيل بسيطرة إسرائيل الكاملة على كل أرض فلسطين المقدسة، إيمانا منها بأن هذا يسرع من عودة المسيح الثانية.
ويذكر والتر راسييل مييد، الكاتب الشهير بصحيفة وول ستريت جورنال، "أن التأييد الأميركي البروتستانتي لليهود وإسرائيل وجد قبل أن يطأ اليهود الدولة الأميركية الناشئة، وقبل أن تتأسس دولة إسرائيل".
ويرى مييد أن الأميركيين الأوائل من المتدينين البروتستانت كانوا يؤمنون بأنهم شعب مختار، وأن مسيحيتهم هي المسيحية الأفضل والأصح، وأن تأسيس الدولة اليهودية في إسرائيل يثبت أنهم شعب مختار أيضا مثل اليهود، وأن الرب يبارك أميركا، وأنهم مباركون من الرب، وأن نجاح الإسرائيليين هو نجاح للأميركيين.
إلا أن موضوع الدعم الأميركي لإسرائيل لا يقتصر على البعد الديني، وأعتبر البروفيسور جون مميرشايمر الأستاذ بجامعة شيكاغو، وستيفن والت، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد، في كتابهما الشهير "اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأميركية" أن دول اللوبي لا يقل أهمية عن البعد الديني، بل يكمل بعضهما البعض، ويخدم كلاهما الأخر.
وعرف الكاتبان اللوبي الإسرائيلي بأنه تحالف فضفاض من أفراد ومنظمات يعمل بنشاط على تسيير السياسة الخارجية للولايات المتحدة في اتجاه موال لإسرائيل. وترجع هذه الرؤية لجماعات الضغط اليهودية الفضل في العلاقة الحميمة بين إسرائيل والولايات المتحدة التي نشهدها اليوم.
ويتشكل اللوبي في جوهره من اليهود الأميركيين الذين لا يتوقفون عن جهود تسيير السياسة الأميركية وفق المصالح الإسرائيلية. ولا تقتصر تلك الجهود على مجرد تمويل المرشحين الموالين لإسرائيل، بل يتعداه إلى ممارسة الضغوط على جماعات المصالح الخاصة وعلى الكونغرس والبيت الأبيض والإعلام. وفي المقابل نجد أن الجماعات المعنية بالمصالح العربية ضعيفة وربما غير موجودة على الساحة، الأمر الذي يزيد سهولة مهمة اللوبي الإسرائيلي.
ولا يكتمل الحديث عن عمل اللوبي دون التطرق لواحد من أقوى الأسلحة، وهو الاتهام بمعاداة السامية. فإن أي شخص ينتقد أفعال إسرائيل، أو يتجرأ على القول بأن الجماعات الموالية لإسرائيل، تؤثر في سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط أو حتى مجرد القول بأن اللوبي الإسرائيلي سيجد نفسه موصوما بتهمة معاداة السامية.
واعتبارا من تسعينات، خصوصا بعد هجمات 11 من سبتمبر، أصبح مبرر الدعم الأميركي لإسرائيل الزعم بأن كلتا الدولتين تواجهان تهديد "الجماعات الإرهابية" التي تنطلق من الشرق الأوسط والعالم الإسلامي ومجموعة من "الدول المارقة" التي تدعم الإرهابيين.
من ناحية أخرى، تنفرد إسرائيل بالساحة الأميركية الواسعة في ظل تردد الدول العربية عن دعم فكرة الدولة الفلسطينية عمليا، وفي ظل غياب أي رغبة في لعب دور مؤثر داخل الولايات المتحدة رغم وجود العديد من الفرص والطرق التي يمكن من خلالها التأثير في حسابات صانع السياسة الأميركي.
aj-logoaj-logoaj-logoمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطخريطة الموقعتواصل معنااعرض المزيدتواصل معناأعلن معنارابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة نت على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinerssالمصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: اللوبی الإسرائیلی الولایات المتحدة الشرق الأوسط الکثیر من
إقرأ أيضاً:
من البلقان إلى شرق أوروبا ومن تركيا إلى إسرائيل..لماذا تتصاعد الاحتجاجات السياسية حول العالم؟
تضاعفت الاحتجاجات السياسية في العديد من دول العالم في الآونة الأخيرة، نتيجة عدد من العوامل التي تتراوح بين سياسات حكومية متسلطة أو غير فعالة، والفشل في التعامل مع قضايا اقتصادية واجتماعية ملحة. هذه الحركات الشعبية تعكس تزايد الغضب الشعبي، وتطرح تساؤلات حول قدرة الحكومات على تلبية احتياجات شعوبها، والحفاظ على استقرار الأنظمة الديمقراطية.
وقال الباحثان توماس كاراذرز، وجودي لي في تقرير نشرته مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، إن عدة مناطق تشهد تصاعداً ملحوظاً في الاحتجاجات المناهضة للحكومات، وتحمل طابعاً سياسياً واضحاً. فقد اندلعت موجة احتجاجات في البلقان، شملت البوسنة، ومونتينيغرو، ومقدونيا الشمالية، وصربيا. كما شهدت دول وسط وشرق أوروبا، مثل جورجيا، والمجر، وسلوفاكيا، احتجاجات مماثلة. وامتدت موجة التظاهرات إلى اليونان، وإسرائيل، وموزمبيق، وكوريا الجنوبية، وتركيا.
ويتساءل الباحثان ما الذي يحفز هذا التصاعد في الاحتجاجات السياسية؟ وهل يشكل ذلك تطوراً إيجابياً أم سلبياً لمستقبل الديمقراطية في العالم؟
ويقول الباحثان إن الخطوات الحكومية المناهضة للديمقراطية هي المحرك الرئيسي لمعظم هذه الاحتجاجات. ففي حالتي جورجيا وموزمبيق، أدت مزاعم التلاعب بالانتخابات الوطنية إلى خروج المواطنين إلى الشوارع. وفي جورجيا، زاد قرار الحكومة الجديدة تعليق محادثات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي حدة التوتر. واستمرت الاحتجاجات في البلدين عدة أشهر. جورجيا.. اعتقال معارضين خلال احتجاج ضد الحزب الحاكم - موقع 24أوقفت الشرطة الجورجية اثنين من قياديي المعارضة خلال تحرّك احتجاجي ضد الحزب الحاكم، الذي يتّهمه معارضوه بتقويض الديمقراطية والدفع بالبلاد نحو تقارب مع روسيا.
أما في حالات أخرى، فلم تكن الإجراءات المناهضة للديمقراطية مرتبطة بالانتخابات. ففي المجر، اندلعت الاحتجاجات بعد أن أقر البرلمان المجري، في 18 مارس (آذار)، قانوناً يحظر مسيرات الفخر للمثليين، ويسمح للسلطات باستخدام تقنيات التعرف على الوجه، التي حصلت عليها من الصين، لتحديد المشاركين في الفعاليات المحظورة.
وفي إسرائيل، تصاعدت الموجة المستمرة من الاحتجاجات ضد رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو بسبب تركيزه المتزايد للسلطة السياسية، بعد إعلانه في 16 مارس (آذار) إقالة رئيس جهاز الأمن العام، شاباك رونين بار، حيث يرى المحتجون أن هذه الخطوة تعكس إصراره على البقاء في السلطة بأي ثمن. كما شهدت إسرائيل ارتفاعاً في الاحتجاجات عقب استئناف الحملة العسكرية ضد حماس في 18 مارس (آذار).
وأثار إعلان الرئيس الكوري الجنوبي يون سوك يول الأحكام العرفية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي موجة تعبئة شعبية واسعة في الشوارع. ومنذ رفع الأحكام العرفية، تواصلت الاحتجاجات المطالبة بعزل يون، ما يعكس الغضب الشعبي من تصرفاته والمخاوف على مستقبل الديمقراطية في كوريا الجنوبية.
وفي تركيا، اندلعت احتجاجات بعد أن أمرت الحكومة، في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، باعتقال أحمد أوزر، رئيس بلدية منطقة إيسنيورت في إسطنبول وعضو حزب الشعب الجمهوري المعارض. وتصاعدت المظاهرات أكثر بعد اعتقال عمدة إسطنبول أكرم إمام أوغلو، الخصم السياسي الأبرز للرئيس رجب طيب أردوغان، في 17 مارس (آذار).
أما في صربيا، فبدأت الاحتجاجات في نوفمبر (تشرين الثاني) رداً على الفساد الحكومي عقب انهيار سقف مدخل محطة قطارات، لكنها تحولت لاحقاً إلى تظاهرات حاشدة مؤيدة للديمقراطية، تهاجم حكم الرئيس ألكسندر فوتشيتش وحزبه التقدمي الصربي.
وفي حالات أخرى، كانت الاحتجاجات ذات دوافع سياسية، لكنها لم تكن ناتجة بالدرجة الأولى عن سلوكيات مناهضة للديمقراطية من قبل الحكومات القائمة، بل نتيجة الإحباط العميق من ضعف الاستجابة الحكومية للكوارث، وغياب المساءلة الفعالة. ففي البوسنة، تأخرت الحكومة في مواجهة فيضان مدمر، وفي اليونان، استمرت الاحتجاجات بسبب تقاعس الحكومة بعد حادث قطار مميت، أما في مونتينيغرو، فجاء الغضب الشعبي بعد تعامل السلطات مع إطلاق نار جماعي، وفي مقدونيا الشمالية، بسبب الفساد الذي أحاط بانتهاكات للسلامة ساهمت في حريق كارثي في ملهى ليلي.
وفي الولايات المتحدة، شهدت العديد من المدن احتجاجات صغيرة ومتوسطة الحجم ضد بعض الإجراءات المبكرة التي اتخذتها إدارة الرئيس دونالد ترامب، والتي اعتبرها بعض المواطنين مثيرة للجدل، مثل السياسات الجديدة في الهجرة، واقتراح ترامب ترحيل الفلسطينيين من غزة.
كما سجلت مجموعة من الاحتجاجات اللافتة دعماً لزعماء أو شخصيات سياسية متهمة باتخاذ خطوات مناهضة للديمقراطية. ففي البرازيل، خرجت مظاهرات مؤيدة للرئيس السابق جايير بولسونارو، وفي الفلبين، دعماً للرئيس السابق رودريغو دوتيرتي، وفي كوريا الجنوبية، تأييداً ليون، وفي رومانيا، دعما للمرشح الرئاسي اليميني المحظور كالين جيورجيسكو.
ويرى بعض المراقبين السياسيين في البلقان أن هناك تأثيرات عدوى انتقلت من الاحتجاجات في صربيا، إلى دول أخرى في المنطقة. غير أن الاحتجاجات خارج البلقان بدت، في الغالب، ذات دوافع محلية بحتة.
ويقول الباحثان، إن هذا التنامي الملحوظ للاحتجاجات السياسية في الأشهر الستة الماضية يقدم صورة مزدوجة لحالة الديمقراطية العالمية. فمن جهة، تعكس هذه التحركات أخباراً سيئة، تتمثل في مواصلة بعض القادة المنتخبين السير في مسار استبدادي، يسعى إلى تقويض الحياة الديمقراطية في بلدانهم. ومن جهة أخرى، تمثل هذه الاحتجاجات تعبيراً حياً عن التزام الكثير من المواطنين بالحفاظ على المعايير الديمقراطية، والمطالبة بالمساءلة الحكومية، رغم ما قد يواجهونه من مخاطر شخصية جسيمة.
ويخلص الباحثان إلى أنه حتى الآن، لم تنجح هذه التحركات الشعبية في إيقاف الإجراءات السلطوية المثيرة للقلق، إلا أن احتجاجات صربيا، أسفرت عن استقالة رئيس الوزراء، وقد تفضي إلى انتخابات مبكرة، وهي تطورات تؤكد أن القادة المنتخبين ذوي التوجهات الاستبدادية، مهما بلغ دهاؤهم وإصرارهم، لا ينجحون دائماً في فرض إرادتهم بسهولة.