سارة حازم طه تكتب.. الدحيح وبن لادن
تاريخ النشر: 20th, November 2023 GMT
منذ بداية العدوان الإسرائيلى على غزة، وشقيقتى التى تنتمى لجيل العشرينات (جيل Z) تُلح علىَّ بتساؤلات عديدة حول القضية الفلسطينية، ولم أستغرب من تساؤلاتها كثيراً، فهى مثل معظم أبناء جيلها، لا يعرفون عن القضية إلا العنوان العريض، ولكننى وجدت نفسى فى حيرة بين أسئلتها وبين محاولاتى للشرح المبسط لما حدث ويحدث.
لم أجد منقذاً من أزمتى مع شقيقتى أفضل من حلقة «الدحيح» لصانع المحتوى الأشهر أحمد الغندور التى قدمها عن فلسطين. الحلقة مدتها ساعة بُذل فيها مجهود بحثى محترم يحكى جذور القضية بشكل مبسط وشيّق منذ بدايتها. يمر على المجازر ويهدم الأساطير المؤسسة للكيان الصهيونى. يعرض الشهادات ويذكر المصادر التى اعتمد عليها. أرسلتُ الحلقة لشقيقتى التى شاهدتها واقتربت بشكل أفضل من جذور القضية، وأصبحت تناقشنى بشكل أفضل فى التفاصيل.
بالرغم من أن الحلقة تجاوزت مشاهداتها عشرة ملايين مشاهدة فى خمسة أيام حتى كتابة هذه السطور، وبالرغم من الإشادات الواسعة بها، فإن مجموعة من المعلقين فى الشأن السياسى انتقدوا، على منصات التواصل الاجتماعى، هذه الحلقة، معتبرين أنها اختصارٌ مُخل للقضية، بل ذهب أحدهم إلى حد وصف الحلقة بأنها نسخة رديئة من سلسلة الكتب الأمريكية الأكثر مبيعاً المعروفة باسم «for dummies» والتى تهتم بتبسيط الموضوعات فى مجالات مختلفة، ووصف الحلقة بأنها لا يمكن أن تساعد فى تكوين معرفة حقيقية وجادة.
وهنا وجدت نفسى أمام تساؤلات جديدة: هل يتعارض تبسيط العلوم والتاريخ مع صناعة المعرفة وتراكم الوعى؟ هل كانت الحلقة تستهدف المثقفين المطلعين العارفين بكل تفاصيل القضية، أم أنها تستهدف هذا الجيل الذى لم يكن يدرك أى شىء عنها قبل السابع من أكتوبر؟
وهل الفيصل فى الحكم على جودة الحلقة هو تبسيط المعلومة أم صحة ودقة المعلومات الواردة فيها؟
والسؤال الأهم: ما الذى قدمه المثقفون والخبراء والمطلعون لهذا الجيل الذى يبحث عن المعلومة بأدوات ومن مصادر مختلفة خاصة بهم، نجهل نحن استخدامها!
فى الولايات المتحدة الأمريكية تشير استطلاعات الرأى إلى أن الأجيال الأصغر سناً، وتحديداً «جيل Z»، (تحت ٢٦ سنة) هم الأكثر دعماً للقضية الفلسطينية، بل إن نسبة كبيرة منهم ترى أن ما قامت به «حماس» فى السابع من أكتوبر يمكن تبريره. المخاوف من هذه الاستطلاعات وصلت بالمحللين لمناقشة تأثير هذا الأمر على الانتخابات الرئاسية الأمريكية القادمة، إلا أن ذروة هذه المخاوف تجلت الأسبوع الماضى بعدما انتشرت وثيقة قديمة كتبها زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن انتشاراً واسع النطاق على منصة تيك توك، المنصة الأكثر استخداماً من قبَل جيل Z.
الوثيقة الدعائية التى حملت اسم «رسالة إلى أمريكا» والتى نُشرت فى ٢٠٠٢ فى صحيفة الجارديان البريطانية ذكرت أسباب هجمات سبتمبر، وكان من أهم هذه المبررات هو الدعم الأمريكى المستمر لإسرائيل ضد الفلسطينيين.
ظهر العشرات من الشباب الأمريكى على «تيك توك» وهم يتحدثون عن وثيقة بن لادن، وكيف أنها فتحت أعينهم على القضية!
انتشرت الوثيقة للدرجة التى دفعت صحيفة الجارديان البريطانية لحذفها، ودفعت منصة تيك توك لمنع أى محتوى عن بن لادن ووثيقته! ولا أعرف إذا كان الخطر قد زال بحذف الوثيقة ومحتوى تيك توك.
أعود للدحيح وفريقه الذين حاولوا تبسيط المعلومة لجيل قد لا يكون فى معظمه مهتماً، حاول إثارة فضولهم لعلهم -ولو نسبة قليلة منهم- يبحثون ويسعون لمعرفة أعمق، فلماذا لا يساعد المثقفون والمحللون فى البناء على هذا الوعى، لماذا لا يطورون أدواتهم وأساليبهم للوصول لعقل هذا الجيل الذى تقدَّم علينا تقدماً مرعباً فى أدواته البحثية ولكنه لا يستطيع صبراً مع كلام النخبة «المكلكع»، وحتى لا نجدهم فى يومٍ ما يعتمدون على «بن لادن» وإخوته كمصدر للمعرفة، وكى لا يتكرر مع أبنائنا ما يحدث فى أمريكا.
المصدر: الوطن
كلمات دلالية: القضية الفلسطينية العدوان الإسرائيلى غزة الدور المصرى بن لادن تیک توک
إقرأ أيضاً:
منى أحمد تكتب: القوة الناعمة
في مطلع عام 1961 كان الزعيم الخالد جمال عبد الناصر فى زيارة للمغرب، و اِصطحبه الملك محمد الخامس فى جولة بشوارع الرباط، فاصطف المواطنون للترحيب بالزعيم الراحل ، وإذا فجأة يعترض موكبهما رجل مغربي تبدو عليه البساطة، فطلب الرئيس عبد الناصر من السائق أن يتوقف لتحية الرجل فصافحه الرجل، وفاجئه بسؤاله عن موعد عودته للقاهرة وسط دهشة الملك محمد الخامس ،فأجابه عبد الناصر ليفاجئه بطلب آخر أغرب من سؤاله وهو إبلاغ تحياته وإعجابه للفنان إسماعيل ياسين.
واقعة أخرى في عام 1956، وأثناء زيارة عمل للقاهرة لرئيس أركان الجيش الأردنى لواء راضى عناب فى ذلك الوقت، صادف زيارته حفل لكوكب الشرق أم كلثوم فطلب أن يحضرها ،وكان للمذيع بالإذاعة المصرية التى كانت تنقل الحفل لقاء معه، تحدث فيه رئيس أركان الجيش الأردنى منبهرا عن السيدة أم كلثوم وعن مدى شغفه بالإذاعة المصرية، وقوة تأثيرها وانتشارها في المملكة الأردنية، بل إنه كان يعرف اسم محدثه المذيع المصري قبل أن يجرى الحوار ،فأي مجد كان هذا للفن المصرى وللإذاعة المصرية.
واقعة مشابهة رواها أحد الصحفيين التونسيين عام 1969 ،عندما غنت كوكب الشرق فى الحى الأولمبي بتونس كان أقل سعرا لتذكرة الحفل 20 دينارا تونسيا ، فحكي له والده أنه باع نصف أثاث البيت لشراء تذكرة لحفل الست كما كان يحب أن يطلق عليها ولم يكن وحده من فعل ذلك بل المئات من التونسيين.
هكذا كانت تلك قوة مصر الناعمة، اِمتدادا سياسيا وجغرافيا وظهيرا ومساندا للدولة، وكانت سلاح مصر الأَثير في الخمسينيات والستينات من القرن الماضى ، وظلت أحد أهم أدوات التأثير والنفوذ فى الإقليم لسنوات عديدة ،فكان الفن مكملا للقوة الضاربة المصرية، بل اِستطاع أن ينجز ما عجزت عنه السياسة في أوقات كثيرة ، فيكفى أنه في سنوات المقاطعة مع مصر فى السبعينات أعقاب اِتفاقية السلام ، كان تلاميذ المدارس العراقية ينشدون فى طابور الصباح بالعامية المصرية النشيد الوطنى والله زمان يا سلاحى، وكان تلاميذ المدارس الليبية ينشدون النشيد الوطنى الله أكبر فوق كيد المعتدين ، وحتي بعد إنقسام الفرقاء في ليبيا لم يجمعهم سوى النشيد الوطنى الليبى الحالي يا بلادى من ألحان المبدع محمد عبد الوهاب.
لكن ما الذي حدث، لماذا توارت وخفتت قوة مصر الناعمة، هل نضب الإبداع والمبدعون ، ماذا حدث لهذه الصناعة ، للأسف فقدنا الكثير بافتقادنا للفن الراقي بعناصره وأدواته، فمصر الآن أحوج ما يكون لقوة ناعمة فاعلة فهل من مجيب .