مسقط-أثير
إعداد: منار بنت حمد بن سليمان المعمري، باحثة ماجستير، تخصص القانون الجزائي، كلية الحقوق، جامعة السلطان قابوس
نتيجةً للتقدم التكنولوجي المتسارع والتطور التقني الهائل الذي يعيشه العالم بفضل تطبيقات الثورة الصناعية الرابعة، شهدت الجريمة تحولات كبيرة تمثلت في سرعة وسهولة ارتكابها، وكذلك تغير خصائصها وأنماطها، واختلاف الوسائل المستخدمة في ارتكابها، وبطبيعة الحال اتساع نطاق ونوعية ضحاياها.
وتعبر العولمة Globalization عن حالة من تجاوز الحدود الراهنة للدول وامتداد العلاقات إلى آفاق أوسع وأرحب لتشمل العالم بأسره، أي إن العولمة تمثّل الانفتاح على العالم والتأثير الثقافي المتبادل بين أقطاره المختلفة بحيث تصبح دول العالم بمثابة قرية واحدة صغيرة، مما يثير التساؤل حول العلاقة والتأثير المتبادل بين العولمة والجريمة ونذكر بالتحديد الجريمة المنظمة العابرة للحدود، وتوضيح كيف استفادت الجريمة من تطورات العولمة.
عولمة الجريمة Globalization of crime هو مصطلح يشير إلى انتشار الأنشطة الإجرامية عبر الحدود الوطنية وزيادة التفاعل والتأثير الدولي للجريمة، ومن الأمثلة على ذلك تجارة المخدرات الدولية، والجرائم المالية الدولية، والهجرة غير الشرعية، والاتجار غير المشروع بالأعضاء البشرية وغيرها.
وأسهمت العولمة في تحديد ملامح الجرائم المعاصرة، فمسرح الجريمة امتدّ إلى خارج الحدود الوطنية للدول، ففي سياق عولمة الاقتصاد والتقدم والانفتاح على الأسواق تحققت عولمة الجريمة، وما يميز الجريمة في العصر الحالي أنها أصبحت أكثر اتقانًا وتنظيمًا وظهرت الجريمة المنظمة العابرة كأحد أبرز الآثار السلبية للعولمة, وحيث نصت المادة (146) من قانون الجزاء العماني “يقصد بالجريمة المنظمة عبر الحدود الوطنية تلك الجريمة ذات الطابع العابر للحدود الوطنية التي ترتكبها جماعة إجرامية منظمة, والمادة (147) من ذات القانون ذكرت الحالات التي تعتبر فيها الجريمة ذات طابع عابر للحدود وهي إذا ارتكبتها في إقليم الدولة جماعة إجرامية منظمة تمارس أنشطة إجرامية في أكثر من دولة, إذا ارتكب جزء منها اتفاقًا أو تحريضًا أو مساعدة أو تنفيذًا داخل حدود البلاد وارتكب جزء آخر خارج حدودها, إذا ارتكبت في أي دولة وكان لها آثار مباشرة وجوهرية على إقليم الدولة, فالجريمة المنظمة ظاهرة عالمية قد تكون حديثة نسبيًا، مما يستدعي التعرف عليها وفهمها ومكافحتها.
واليوم أصبحت الجريمة لا تتقيد بحدود الدولة التي نشأت فيها، وأصبحت الجريمة تنتقل في لحظات فقد يتم الإعداد للجريمة في دولة ثم ترتكب في دولة ثانية، وربما تنفذ في دولة ثالثة، وتظهر آثارها في دولة رابعة، لذلك الجريمة اليوم تعبر الدول إلى العالم.
وقد كثر استخدام مصطلح الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية، والتي باتت تهدد الأمن والاستقرار على المستويين المحلي والدولي، وقد شملت النشاطات الإجرامية العابرة للحدود الوطنية عدّة مجالات أهمها غسل الأموال، جرائم النصب والتزوير، والإتجار بالمخدرات، والإتجار غير المشروع بالأعضاء البشرية وغيرها، والجريمة المنظمة لا تقتصر على نوع محدد من الإجرام، بل تتعدد وتتنوع لتشمل جرائم اقتصادية وجرائم الاحتيال الدولي وجرائم الشركات إلى مجالات الإتجار بالأطفال والنساء والأعضاء البشرية.
هناك العديد من العوامل التي أسهمت في انتشار الجريمة المنظمة وتجاوزها للحدود الوطنية، فاستغلال التبادل التجاري نتيجة للانفتاح الاقتصادي، وكذلك أسهمت الشركات متعددة الجنسيات في مختلف أرجاء العالم إلى نمو أنشطة الجريمة، وبلا شك أن التقدم التكنولوجي كان له الفضل الكبير في نمو الجريمة واتساعها عالميًا، وبفضل الأنظمة الالكترونية المتطورة أصبح بالإمكان تحويل مبالغ هائلة حول العالم وهذا من شأنه يساعد المنظمات الإجرامية في غسل الأموال وتبييضها.
كذلك قد تستهدف المنظمات الإجرامية الهشاشة السياسية والاقتصادية التي قد تمرّ بها بعض الدول، مما ينتج عنها تزعزع الوضع الأمني والذي بدوره يعيق الأجهزة الأمنية من مكافحة الجريمة، مما يؤدي إلى نشوء حلقة فارغة فالضعف يجذب الجريمة، والجريمة بدورها تعمّق الضعف.
إن تداعيات الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية تساهم في نشر النزاعات وضعف مؤسسات الدولة مما ينعكس سلبًا على مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية، فخطورة الجريمة المنظمة تكمن في كونها ليست جريمة واحدة ولا جريمة مركبة وإنما كونها منظومة جرائم ضخمة تضم مجموعة من الأنشطة الإجرامية ومن المؤكد أنها تتطلب موارد بشرية ومادية ضخمة.
ونذكر إحدى هذه الجرائم والأكثر شيوعًا جريمة الاتجار بالمخدرات والمؤثرات العقلية، وذكر تقرير المخدرات العالمي لعام 2021، الصادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، “أن حوالي 275 مليون شخص تعاطوا المخدرات في جميع أنحاء العالم في العام الماضي، في حين عانى أكثر من 36 مليون شخص من اضطرابات تعاطي المخدرات”[2]
كما أن عالمية الإنترنت وانفتاحها وسهولة الوصول إليها شجع الكثيرين على استخدامها كوسيط لتسهيل الاستخدام غير الشرعي للمخدرات، سواءً في مجال الطلب على المخدرات وتسهيل عملية إنتاجها، أو استخدامها، أو بيعها، إضافةً إلى تسهيل الإنتاج وشرح وتفسير للمعدات أو المصادر اللازمة أو العمليات المستخدمة في صناعة المخدرات، مع تسهيل الوصول للمعلومات التي تسهل المبيعات عبر الإنترنت.
وقد بينت بعض التقديرات بأن حجم التجارة العالمية في المخدرات بلغ 500 بليون دولار أي أكثر مما تمثله التجارة العالمية في النفط سنويًا، وتقدّر الأموال المستمدة من المخدرات والجريمة المنظمة عبر الدول بصفة عامة حوالي 5% من الاقتصاد العالمي.[3]
إن تمكّن تأثير الجريمة في المجتمعات المعاصرة والعجز عن التصدي لها ما هو إلا قصور في أدوات حماية المجتمع من الجريمة، فمسايرة التغيرات التي يشهدها العالم هو أمر حتمي لا مفر منه، فلا بد من تعديل التشريعات الجنائية لكي تواجه الجرائم المستحدثة وإعداد كوادر متخصصة لكيفية التعامل مع الجرائم المستحدثة، ومما يزيد هذه الجرائم صعوبة أن النشاط الإجرامي يتم في ظل تشريعات مختلفة ومتنوعة لكل دولة.
وللحد من انتشار الجريمة المنظمة لا بد من تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية، وفي ظل استفحال الجريمة المنظمة يجب على الدول تحسين قدرات الأنظمة القضائية وتشارك التكنولوجيا بين الدول، وكذلك رسم استراتيجيات للقضاء على الترابط بين العولمة وانتشار الجريمة المنظمة، واتبّاع سياسات تجريمية صارمة، وتتطلب مكافحة عولة الجريمة جهود دولية تعاونية للتصدّي للجريمة وتعزيز التعاون بين الدول في مجالات مختلفة مثل تبادل المعلومات وتعزيز تشريعات مكافحة الجريمة، فعالمية الإجرام تتطلب عالمية المواجهة.
[1] المنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الإنتربول)، اتجاهات الجريمة في العالم: تقرير موجز لعام 2022، ص3.
[2] تقرير المخدرات العالمي 2021 الصادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة 25 يونيو 2021
[3] مرجع سابق، تقرير المخدرات العالمي 2021
المصدر: صحيفة أثير
كلمات دلالية: العابرة للحدود فی دولة
إقرأ أيضاً:
الحرب العالمية التجارية التي أعلنها ترمب لا تخصنا في الوقت الراهن
اليوم أعلن ترمب الحرب الأقتصادية علي جميع دول العالم وفرض جمارك باهظة علي صادراتها للولايات المتحدة، وهي أكبر سوق في العالم. هذه الجمارك تهز الأقتصاد العالمي، وتربك سلاسل الإمداد وتضرب أسواق أمال العالمية. واهم من ذلك إنها تهدد بتدمير معمار النظام الإقتصادي العالمي الذى ساد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وكل هذا ستترتب عليه تحولات جيوسياسية جديدة وتسريع لديناميات أخري ولدت قبل إعلان ترمب الحرب الأقتصادية علي الجميع.
ولكن سياسات ترمب أيضا سيكون لها أثار سلبية باهظة علي الإقتصاد الأمريكي مثل إرتفاع معدلات التضخم، وازدياد العزلة الدولية لأمريكا وتراجع أهمية الدولار حول العالم.
فيما يختص بالسودان، قرارات ترمب لا تاثير لها لانه فرض جمارك علي صادرات السودان جمارك بنسبة ١٠% ولن تؤثر هذه النسبة لا في حجم الصادرات ولا علي أسعارها لان تلك الصادرات أصلا قليلة القيمة في حدود ١٣،٤ مليون دولار في العام السابق، أكثر من ٩٠% منها صمغ لا بديل له والباقي حرابيش حبوب زيتية . كما أن السلع المصدرة لا توجد بدائل لها بسعر أرخص إذ أنها أصلا رخيصة ولا تتمتع بمرونة في السعر ولا الطلب.
كما أن إهتزاز أسواق المال والبورصات وقنوات التمويل الدولي لا تاثير لهم علي السودان لانه أصلا خارج هذه الأسواق وخارج سوق المعونات.
ولكن هذه ليست نهاية القصة لان توجهات ترمب الأقتصادية والسياسية تدفن النظام العالمي القديم وتسرع من وتائر تحولات جديدة في غاية الأهمية. وبلا شك فان موت النظام القديم وميلاد نظام جديد وفوضى الإنتقال سيكون لها تاثير سياسي وإقتصادي علي السودان بسبب تبدل البيئة الدولية التي يعمل فيها السودان السياسي والاقتصادي. ولكن هذه التحولات المضرة لن يتأذى منها السودان مباشرة بل ربما يستفيد منها لو أحسن قادته.
علي سبيل المثال النظام الجديد سيكون متعدد الأقطاب وستنتهي فيه الهيمنة الغربية الأحادية وستزداد مجموعة البريكس أهمية وستزداد أهمية تكتلات أقتصادية أخري أخري في الجنوب العالمي مثل رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، وفي أمريكا اللاتينية السوق المشتركة الجنوبية (ميركوسور)، وفي المستقبل منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية . وجود كل هذه البدائل كشركاء أقتصاديين/تجاريين/سياسيين محتملين يتيح للسودان هامش للمناورة وإمكانية الحصول علي شروط أفضل في تعاطيه الأقتصادي والسياسي مع العالم الخارجي.
ولكن الإستفادة من هذه التحولات يحتاج لرجال ونساء يجيدون صنعة الدولة ولا يقعون في فخاخ ألحس كوعك علي سنة البشير ولا الانبطاح غير المشروط كما حدث في الفترة الإنتقالية التي أعقبت سقوط نظام البشير.
معتصم اقرع
إنضم لقناة النيلين على واتساب