سودانايل:
2025-02-27@00:27:15 GMT

قراءة في فكر الوليد مادبو … ثورة الوسط نموذجا (4-4)

تاريخ النشر: 19th, November 2023 GMT

تكملة للمنفستو الذي طرحه الوليد في سفره , يقول :
1. (... كما إن التجارب قد أثبتت عمليا أن هذا البلد أفخم من أن يحتويه قالب أيديولوجي أو أن تستخفه نخبة تتعامل إصطفائيا مع الخصائص الثقافية للشعوب ..) اهـ , (... وأن ترجمة هذه القوانين ثقافيا واجتماعيا علّه يومئ إلى ان معرفة الآخر هي وسيلة لإثراء الذات .

.) اهـ
يؤكد الكاتب هنا ما تناولناه سابقا بعدم جدوى "النظرة النرجسية" أو "الإنسان ذو البعد الواحد" , فالإنقاذ منذ أن أتت في ثوبها القشيب (الحركة الإسلامية), رفعت شعارات صارمة جعلت أصحاب مكة يتوارون خجلا وحياء. ثورة هائجة مائجة, ضرب عرّابها الأرض بعصاه فطرحت أناسٌ لا يشبهون بقية الناس, حتى قال فيهم أحد الحكماء: من أين أتى هؤلاء ؟ . خرجو هكذا من باطن الأرض, من اللامكان, أقوام بدون ذاكرة, تصطك أرجلهم غِيْرَةً وحِمْيةً على الثورة/الدين, تنتفخ أوداجهم وغراً وهوجاً إذا سمعوا كلمة ناقصة أو زائدة في القائد/المرشد. أسّسوا دولة (المدينة) المرتجاة, -الفردوس المفقود- وذلك حسب ما تمثّل لهم من تصوّرات ذهانية دينية, إختلطت بأفكار إشتراكية إلتمسوا فيها جوانب روحية, فوقعوا في وهدة تناقض بين جدلية اللاعقلاني وتصوّرات المبحوث عنه, فاستولدوا دولة مريضة منهكة, وشَعبٌ مَسخٌ تشوّهت ملامحه الداخلية والخارجية, فقرروا أن يعدموه ... ويحرقوا الوطن .
لا توجد دولة – حسب تقديرنا - ناجحة عقلها في رأسها تقوم على إيديولوجيا معيّنة تقهر به الشعب وتسومهم سوء العذاب, حتى يتّبعوه ويؤمنوا به. فحتى رب العباد عندما خاطب نبيّه محمد صلوات الله عليه, قال له " وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ" سورة يونس الآية (99). ما نرمي إليه , هو عدم وقوف مؤسسات الدولة إلى جوار عقيدة دون أخرى، فعلى كل عقيدة أن تبرز بقواها الذاتية، دون عون الدولة التي ربما تفسد المساواة بينهما إذا ساعدت إحداهما على الأخرى، وفي الوقت نفسه وحتى تكون هناك ديمقراطية وحرية حقيقية، يجب على مؤسسات الدولة أن تقف ضد كل الألوان الشمولية التي تزعم الطهارة المطلقة والوطنية المطلقة والحق المطلق، حيث الديمقراطية نصاب سياسي يقوم على مبدأ المواطنة لا الإيديولوجيا ولا العنصر ولا الجنس ولا الدين، والمواطنة مبدأ لا يقبل التجزئة كما الحرية, لأنها ملك الجميع حيث الوطن وطن الجميع كذا الحرية. ولكن للأسف الشديد, أن (هؤلاء) عملوا على اتّباع دينٍ غير دين محمد, ونبيّ أهوج لا يُسأل عمّا يفعل, فأتى خطابهم طائفي متعصّب (راديكالي) يضع الإنسان السوداني خارج التاريخ فلا يعيش عالمه ولا يتصالح معه أو يتكيف مع جديده, إنسان بلا هوية بلا ذاكرة بلا ماضٍ, بل ذهبوا أبعد من ذلك, أرادوا تغيير العالم كله ليتفق مع وجهة نظرهم, فبدّدوا ثروات ومدّخرات الدولة, فأرسلوا الرسل إلى الدول المجاورة, لا للتعاون المثمر المعهود بين الدول, بل لهدايتهم, (أسلم تسلم), أو لنأتينكم بجنود لا قبل لكم بها. فدخلت البلاد في فخاخ لا يستفيد منها المواطن السوداني شربة ماء, بمحاولات الإنقاذ الفاشلة في تغيير أنظمة البلدان المجاورة ومحاولة تصفية قادة بلدان آخَرين.
يقول المولى عز وجل في محكم تنزيله "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" سورة الحجرات 13 . في هذه النص نجد تفريقاً لغوياً واضحاً بين القبيلة كمعنى للقبائلية المؤصلة لمعنى العنصرية , والشعوبية كمعنى أوسع لمفهوم التضامن والترابط بين الناس .إذ أن المجتمع يتكون من الفرد الذي يُكَوّن العائلة التي بدورها تعتمد كلياً على عائلات أخرى حتى تعضض من قوتها ويعين بعضهم البعض في قضاء حاجياتهم وبالتالي رفع سحابة الخوف المضمر من المجهول, فتعتمد العوائل على عائلات أخرى وبالتالي يتشكل ما يسمى بالقبيلة تحت مسمى ما, وهكذا تنجم عن هذه الدوائر الاجتماعية قبائل وقبائل فتتآلف وتتحالف فيما بينها لتقوي شوكتها عند البأس, فعندما يستنجد أحد أفراد القبيلة ويستصرخ باسم قبيلته أو إحدى القبائل المجاورة يجد النجدة والأمن .
هذا في البيئة البدوية, فتتشكل هوية الفرد من إعتماده الملموس لما هو منه - هو هو – فليس هناك شيء خارجي , لا وجود لقوة أو منعة غير معروفة لديه, حتى الأساطير التي يؤمن بها ويجعلها آلهة, هي من صميم صنعه ليأمنها ولتكون تحت سيطرته, مسكنه ملبسه طعامه شرابه دابته أرضه ... حتى إلهه من صنع يديه فهنا يعتز بما صنعت يداه وبالتالي يعتز بماهيته وهويته, ويعتز بذاته وذاتيته, يعتز بتحكمه بماضيه الذي صنعه هو, يعتز بتربيته لولده الذي يتربى بين كنفيه ويداعب حيوانه الأليف (مُهر , عجل , فصيل/ولد الناقة) في الخلاء فيشب الطفل والمهر معاً في باحة واحدة وساحة يألفان بعضهما البعض, من هنا تنشأ الهوية بمعرفة الفرد لريحة ترابه وتفاصيل حياته إذ تسكن فيه عبق رائحة جدته. هذا فيما مضى , فما هو التعريف الحقيقي لمعنى الهوية – الآن - ....؟ هل نحن ... نحن ؟
2. (... إن العوامل البنيوية والمؤسسية قد حيّدت إمكانية المثقف للتأثير كما ثبّطتْ همّته وأقعدته عن خوض معركة الوعي ..) اهـ (.. إن الحرية تجعل من الفرد شخصاً لأنها تحرّر وجدانه وتحرّر نطاق توجّهاته الفكرية , ليس هذا فقط بل أنها أيضا تجعل من الشخص كائناً منتجاً , إذ تغريه للإنعتاق من الخرافة وتستدفعه نحو الإبتكار الذي من دونه يستحيل السيل إلى جلمود والأفق إلى شاهد مسدود... ) اهـ , (.. إن التساؤل حول مفهوم الحرية هو تساؤل حيوي حول علاقة الفرد بالذات , الذات بالمجتمع , المجتمع بالدولة , الدولة بالمجتمع الدولي الكبير..) اهـ
لا أظن أن قضية ملأت الدنيا وشغلت الناس كقضية الحرية. وما أظن الإنسان ناضل منذ كان, من أجل قيمة إنسانية مثل ما ناضل من أجل الحرية. ذلك شيء طبيعي, لأن الحرية إرتبطت بشخص الإنسان وحياته وإرادته وسلوكه, قبل أن ترتبط بأفكاره وعقيدته وقوله وكتابته. طغيان الإنسان – شبه الطبيعي – الصادر عن قوته العضلية, إمتد إلى بسط نفوذه على الآخر ليسخّره, يستعبده, يحقق عن طريقه مصالحه ومتعه, فكانت العبودية وكان الرق. إن مناخ الحرية الكامل لا يعرف الوقوف في أحكامه بين الحلال والحرام وبين الإيمان والكفر، قدر ما يقف بين الصواب والخطأ العقلي على مستوى التفكير والمنهج العلمي، وبين المصالح والمنافع المرجوة على مستوى الفعل السلوكي, لا يمكن لإنسان قد اُنتُقِصَتْ حريته ومواطنته أن يُحرّر فكراً أو يبني منهجاً...الحرية الكاملة تعني ديمقراطية كاملة غير منقوصة، لتغييب الفاشية في التفكير، التي لا تغيب إلا بالإعتراف بالتعددية المؤدية إلى التكامل، وهو التكامل الذي لا ينفي التعارض بقدر ما يعني أن الرُّؤى المتعارضة لا تنفي بعضها، أو أن أحدها صحيح مطلقاً والآخر باطلٌ، لأنها جميعها في النهاية عملاً حُراً إرادياً تطوّعياً، تفرزه قناعة الناس وليس الإكراه وغسيل الأمخاخ المبرمج.
إن الحرية تحتاج إلى تربة تُبذر فيها وتُروى لتنمو بتدريب العقل على المنهج العلمي في التفكير لا التكفير وليس منهج الانتظار البليد لحدوث المعجزات وعودة الأساطير الحفرية. بذرة العلم هي منهجها أما تربتها فهي مناخ التسامح الكامل. وهذا لا يمكن في ظل مناخ التجهيل العام السائد. لا يمكن لدولة تريد أن تصبوا إلى الأمام لتقف مع البلدان المتقدمة في صفّ واحد, تضع نقاط بعينها ما تقرب لخمس عشرة بنداً ممنوع تناوله في الصحف العامة (تجربة الإنقاذ) , فأصبحت الصحف اليومية عبارة عن نُسخ متشابهة لا تصلح إلا لتنظيف الواجهات الزجاجية. عن أي حريات نتحدث !! . هؤلاء لا يقبلون النصح ولا النقد, يصبح كل ناصح ناقد عدوٌ مبين, أما من يكشف عيوب النظام (الفاشي) ويفشيها أمام الملأ، فهو حتماً في عداد المفقودين. هؤلاء القوم نصّبوا أنفسهم وكلاء عن الله في الأرض، واستثمروا هذا التنصيب إلى حدوده العليا، فدمّروا العقل والثقافة والإنسان، عملوا على تزييف التاريخ السوداني على مدى ثلاث عقود , وكانت كذبتهم أنهم يعلون كلمة الله ويدافعون عنها. لقد إستثمروا الله في بنوك الجهل من أجل الدفاع عن مصالحهم الخاصة، وعن المصالح الاجتماعية التي ترى في إستمرار الوهم والتفكك العقلي أساساً لبقائهم. وإذا كان كل دين سماوي يحض على الرحمة والتعاون والغفران، فإن هؤلاء إنطلق دينهم من عقاله ليرفع شعار الإغتصاب والدمار والتقتيل، ولو كانوا يدافعون حقاً عن إرادة السماء وإعلاء كلمة الله, وهدفهم هو المواطن السوداني في المقام الأول, لدافعوا عن حاجاته الفعلية الأساسية كلها، ولأولى بهم أن يخرجوه من بؤسه الذي يرزح فيه إلى نعيم الدنيا وبرذخها. ولكنهم تناسوا الهدف الحقيقي من كل (ثورة) وبدّدوا الطاقات البشرية لحساب الوَهَمِي عندهم، المتخيّل لديهم, فقادوا معركة دامية من أجل الوَهَمْ كان ضحيتها الحقيقي والجوهري هوالإنسان السوداني.
قبل الختام, نود الإشارة إلى أننا نعيش الأن حداثة معاقة ومبتسرة, كما أننا نعيش في ذات الوقت إسلام معاق ومشوّه إلى أبعد الحدود. إذ أن الحياة ليست تجربة دينية فقط, إننا بنينا مجتمعاً على أساس ديني, فالدين لا يمكن أن يكون عاملاً لتوحيد الأمم والشعوب ولا يمكن أن يكون سمة لهوية ما. إن هويّة أي أمّة ما يجب أن تكون جامعة لمختلف قومياتها وثقافاتها , إذ السودان يعتبر من البلدان المتعددة القوميات. فمن حق أي مواطن أن يكون ما يكون, بصرف النظر عن ماهيّة إعتقاده أو إنتماءاته العقدية أو المذهبية فهي لا تُمثّل هويّته الرسمية التي بها ينتمي إلى بلده أو قوميّته. إن الهوية الرسمية للدولة يجب أن تكون جامعة واضعة في الإعتبار جميع القوميات والثقافات لهذه الأمة. لم يكن الساسة يوما كاذبين, كما لم يصدق فقهاء الدين على مرّ التاريخ, فالساسة (صادقون) لإلتزمهم دين النفاق وتعاملوا مع الدين ورجالاته كأدوات لتوطيد دعائم حُكمهم, دون الحاجة الى الجانب الروحي من الدين. أما الفقهاء فعلى النقيض تماماً, فقد سخّروا نفوذهم الإجتماعي وجنّدوا حواريِّيهم ومهّدوا زواياهم كمرابط وحصون لهؤلاء الساسة, وبالتالي وقعوا في وهدة التناقض الأدائي الذي أفقدهم جميع أرصدتهم على مرّ السنين .
وعليه, نود أن نقول بأننا نحن نعيش في زمان ترهّلت فيه كل القيم وأصبحت المُثُل والأخلاق عبارة عن تفاهات تُشَادُ عليها معتقدات زائفة لترميم ما أحدثته شروخ الزمان وأكاذيب (النُّخَب) .
أخيرا , وليس آخرا , أن ما بذله الوليد في سفره ثورة الوسط , يأتي ضمن أدبيات جلد الذات وناقوس يدق في رؤوس الطغاة ويؤرق مضجعهم . فلا سبيل إلى الإصلاح إلا عبر نقد الذات , ولا مناص من نقد الذات إلا بمواجهة الحقائق المُرّة والجهر بالمكتوم المسكوت عنه.

المراجع
1. القراءان الكريم
2. ثورة الوسط – الوليد ادم مادبو , دار مدارك للنشر , 2013 .
3. دارفور صراع السلطة والموارد - يوسف تكنة , دار مدارك للنشر 2013 .
4. أوهام النخبة أو نقد المثقف - علي حرب , المركز الثقافي العربي 1998 .
5. المعجم الفلسفي – جميل صليبا , دار الكتاب اللبناني - 1982م .  

المصدر: سودانايل

كلمات دلالية: لا یمکن من أجل

إقرأ أيضاً:

«العالم بعد غزة».. كتاب جديد عن آثار مأساة أوجعت قلب الإنسانية

كل من إسرائيل و«غزة» بعد السابع من أكتوبر الماضى غيَّر العالم بطريقته.

«غزة» أيقظت ضمير الإنسانية بعد أن أوجعته، صنعت مشاهد القتل والدمار فيها جيلاً جديداً حول العالم، أنضجه الألم قبل الأوان، وقرر أن يتحمل مسئوليته الأخلاقية فى الدفاع عمن لا يملك صوتاً يصل إلى العالم غير صوت الصراخ. هؤلاء الشباب الذين اندفعوا فى مظاهرات حاشدة فى العواصم الكبرى يحاسبون كبارهم من أصحاب الوجوه الجامدة، والقلوب القاسية، والألسنة الملتوية بالكذب والتدليس والتجاهل للفظائع التى ترتكبها إسرائيل.

صارت «غزة» هى لحظة الميلاد التاريخية والحقيقية لضمير هذا الجيل الجديد الذى ولد معظمه بعد بداية القرن الحادى والعشرين. جيل الشباب ومن هم على أعتاب الشباب ممن يحملون فى قلوبهم القوة الحقيقية التى سترسم مصير الإنسانية فى المستقبل. هؤلاء الذين استقبلوا أحداث «غزة» بقلوب ما زالت تتفتح بعد، وضمائر لم يغطها الصدأ بعد، وعزائم لم يصبها الوهن بعد.

أما إسرائيل، فغيّرت العالم بعد السابع من أكتوبر بأن أطلقت أسوأ ما فيه.

تلك الوحشية والبربرية التى تعاملت بها إسرائيل مع هذا القطاع الساحلى الضيق، الذى تلقى ضربات فاقت قوتها وشراستها كل ضربات قوات الحلفاء ضد ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية، فتحت المجال أمام كل من يحملون نفس النزعات المتطرفة التى يحملها قادة إسرائيل، هؤلاء الذين يريدون أن يمنحوا لأنفسهم الحق فى محو الآخر دون رادع ولا محاسبة. منهم قادة وتيارات اليمين المتطرف فى أوروبا والولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية، الذين أظهروا بلا تردد تأييدهم المطلق للمجازر الإسرائيلية فى «غزة»، ثم ساروا بعدها خطوة أوسع، ليعلن بعضهم بجرأة أكبر، وصراحة أكثر، أنهم يملكون كل الحق فى اللجوء للعنف، وبلا رحمة، كما فعلت إسرائيل، من أجل الحفاظ على جنسهم أو عرقهم أو بلادهم ضد من يعتبرونهم «تهديداً» أو «معتدين محتملين».

حرب «غزة» جاءت إذاً فى وقت تنقسم فيها الإنسانية على نفسها بين طرفى نقيض؛ فى الطرف الأول يقف جيل الشباب، وأصحاب الضمائر والعقول والقلوب التى تئن لآلام غيرها من البشر أياً كان موقعهم حول العالم، ومهما كانت جنسيتهم أو لونهم أو عرقهم، وعلى الطرف الآخر، يقف هؤلاء الذين يعتبرون أن إسرائيل تمثلهم، وتطلق بالنيابة عنهم كل نزعات الشرور فيهم، يساندون أفعالها الوحشية، ويحلمون باليوم الذى تطلق فيه أيديهم بدورهم لضرب غيرهم من البشر، ممن يختلفون عنهم فى جنسيتهم أو لونهم أو عرقهم!.

تلك هى الفكرة الرئيسية التى يدور حولها كتاب جديد، صدر هذا الشهر فى الأسواق الأمريكية والأوروبية، حاملاً عنوان «العالم بعد غزة». صدر الكتاب عن دار نشر «بنجوين راندوم هاوس» البريطانية - الأمريكية، للمؤلف ذى الأصول الهندية «بانكاج ميشرا». حمل الكتاب بين صفحاته محاكمة لضمير الغرب الذى صمت أمام مجازر إسرائيل فى «غزة»، ومحاولة لرسم المستقبل الذى ستصبح دول العالم عليه، بعد أن أظهرت «غزة» هذه الحالة من الفصام الأخلاقى التى تمر بها دول العالم الكبرى، ما بين قيادات سياسية واقتصادية تدعم بلا هوادة آلة الحرب الإسرائيلية التى تطلق مذابحها بلا رحمة، والشعوب التى صارت تنظر إلى مأساة «غزة» بعد السابع من أكتوبر على أنها الحدث الذى سيرسم ملامح القرن الحادى والعشرين، تماماً كما كانت المحرقة التى ارتكبها النازيون فى حق اليهود خلال الحرب العالمية الثانية، هى الحدث الذى أوجع ضمائر الملايين فى الغرب، وأجبر الإنسانية على أن تحاكم نفسها.

إسرائيل مصابة بهوس البقاء.. وتأييد اليمين المتطرف لها فى الولايات المتحدة وأوروبا وأمريكا اللاتينية يعنى أن مزيداً من الفظائع فى الطريق إلينا

كلا الحدثين أظهر أسوأ ما فى الإنسانية، وكل منهما أدخلها بعده فى حالة من الشعور بالذنب التاريخى وبعدم قدرة البشر على القيام بمسئوليتهم الطبيعية فى حماية أبناء جنسهم من الفناء.

من أجل ذلك، رأى «ميشرا» فى كتابه أن العالم بعد «غزة» لم يعد أبداً هو نفس العالم الذى كان عليه من قبل.

يقول الكتاب: فى كل مكان حول العالم، شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، وجدنا أنفسنا نواجه معارك جديدة من أجل الحرية والكرامة والمساواة لجميع البشر، من أجل تشكيل عالم أقل شقاءً وبؤساً. إلا أن «غزة» هى التى أجبرت الكثيرين على أن يجدوا أنفسهم فى مواجهة الشرور العميقة الكامنة فى مجتمعاتهم. كانت «غزة» هى التى فتحت أعينهم على نحو متسارع لكى يدركوا أنهم أصبحوا يعيشون فى عالم متهالك لم يعد يؤمن حتى بنفسه، ولا تحركه سوى غريزة البقاء والحفاظ على الذات. هذا العالم الذى يدهس، بلا رادع، كل الحقوق والمبادئ التى كان يعتبرها يوماً ما مقدسة، مدمراً فى طريقه كل إحساس بالكرامة والشرف، ومعلياً فى الوقت نفسه من شأن العنف والأكاذيب والوحشية والخنوع أمام الأقوى.

«غزة»، من وجهة نظر الكتاب، أحدثت صدمة أخلاقية عميقة بالنسبة لسكان العالم، وشكل ما جرى فيها من فظائع، وصمت أو تجاهل لهذه الفظائع، ضربة موجعة لقلب الإنسانية التى كانت تحلم بعالم أفضل. إلا أنها فى الوقت نفسه، ربما تكون نقطة انطلاق نحو إنسانية جديدة، ترفض تكرار أخطاء الماضى، وترفض أن تتكرر مأساة «غزة» فى أى مكان فى العالم، تماماً كما رفع العالم من قبل شعار «لن يحدث هذا مجدداً أبداً»، فى إشارة لرفضه تكرار حدث المحرقة النازية ضد اليهود.

وستكون نقطة الانطلاق هذه من الشباب.

يقول الكتاب: فى الوقت الذى تسبب فيه أحداث «غزة» لدينا إحساساً بالدوار وبالفوضى والفراغ، صارت «غزة» بالنسبة لكثيرين، لا يحصى عددهم حول العالم، هى النقطة والقاعدة الأساسية التى سيقوم عليها الضمير السياسى والأخلاقى فى القرن الحادى والعشرين، تماماً كما كانت الحرب العالمية الأولى هى النقطة التى صنعت هذا الوعى لدى جيل كامل فى الغرب. إن الجرائم التى جرت فى «غزة»، والتواطؤ والتجاهل المتعمد (الذى أظهره الغرب) لما يحدث فيها، كان لها أبلغ الأثر على أجيال من الشباب فى أواخر المراهقة وبدايات العشرينات. هؤلاء الذين يقفون على حافة الانتقال من الطفولة إلى النضج، والذين تلقوا درساً قاسياً وسريعاً فى الوحشية والبربرية والهمجية، وعرفوا كيف أن الكبار والناضجين الذين يتولون مواقع المسئولية فى بلادهم يسوقون كل أنواع الأعذار لتبريرها.

ويتابع: كانت هذه التجربة غريبة تماماً على وعى هؤلاء الشباب. ففى الوقت الذى كان فيه رجال السياسة والحكومات ورجال الأعمال والصحفيون يكذبون ويخلطون الأوراق، أو يدّعون عدم العلم بما يجرى، وجد طلبة الجامعات الصغار أنفسهم مضطرين للتعامل لحظة بلحظة مع هذه الحالة المثيرة للجنون التى يقضى مؤرخو الإبادة الجماعية أعمارهم فى تحليلها. هى حالة «المجتمع المتفرج»، أو الحالة التى يظل الواحد فيهم «يتفرج» على ما يجرى أمامه بشكل سلبى، ليس فيه إيجابية أو قدرة على التدخل لمساندة ودعم الضحايا، بل على العكس، قد يشعر الواحد منهم أنه يشجع العنف الدائر أمام عينيه بسبب عجزه عن الوقوف فى وجهه وإدانته.

ويواصل الكتاب: اندفع الشباب فى مظاهرات احتجاجية ضد ما يجرى فى «غزة»، لكنهم وجدوا أنفسهم، خاصة فى الولايات المتحدة، فى صدام مباشر مع الكبار من ذوى النفوذ. ظهر ذلك فى إدارات الجامعات التى أطلقت قوات الشرطة ضدهم، والمليارديرات من أصحاب الأعمال الذين قضوا على فرص العمل أمامهم، ومرشح رئاسى وقتها توعد بترحيل المهاجرين من بينهم. ليس من الضرورى أن يؤيد المرء كل الأساليب التى لجأ إليها هؤلاء الشباب، ولا أن يوافق على تصرفات لا يمكن التسامح معها بدرت منهم أحياناً، لكن يكفينا أن نعترف بمدى عمق رفضهم للسلطة التقليدية، وإصرارهم على ألا يكونوا مشاركين فى العنف والظلم الذى يجرى من حولهم على نحو نادر الحدوث.

تلك الحالة التى رسمت ملامح جيل جديد فى العالم كله يختلف تماماً عن وجوه الشيوخ ذات التجاعيد القاسية والقسمات الجامدة التى لم تهتز خلية واحدة منها أمام أنهار الدماء فى «غزة»، يصفها الكتاب قائلاً: لقد ظهر واضحاً من شعور هؤلاء الشباب بعدم الاكتراث بفرص العمل والتقدم الوظيفى (وهى إحدى القيم الأساسية التى تحكم المجتمع الأمريكى والغربى عموماً)، وبوقوفهم فى وجه «المؤسسة» (السياسية أو التعليمية أو الاقتصادية)؛ إما لكى تصحح مسارها أو تقوم بسحقهم، أنهم يتمتعون بنوع من الشجاعة لم نشهد مثله من قبل. لقد رفض هؤلاء الشباب التواطؤ مع المؤسسات الفاسدة، مظهرين إيمانهم الذى نحتاج جميعاً إليه فى القدرة الإنسانية على مقاومة «بلطجة» السلطة، وعلى التعاطف مع الضعفاء والعاجزين فى أى موقف. لقد كانت لديهم الجرأة لكى يتحملوا بعض المخاطر فى سبيل الحرية والديمقراطية والمساواة، الأمر الذى شكل تحدياً أخلاقياً رهيباً بالنسبة لتلك العقلية والنفسية التى تسود الحياة السياسية والمهنية حالياً، ولا يعنيها سوى الاستمرار والبقاء بأى ثمن، والاكتفاء بـ«الفرجة» على ما يجرى.

ويواصل الكتاب: على ما يبدو، فإن هؤلاء الذين عرفوا النضج الأخلاقى المبكر بسبب فاجعة «غزة»، هم وحدهم من يمكن أن يتحملوا أمانة إعادة القوة والكرامة للضمير الإنسانى. من الواضح أنهم يملكون رؤية أكثر وضوحاً من «كبارهم» الذين يحتلون مواقع المسئولية حول العالم، حيث الكلمة العليا للجبن والغباء العنيد. لقد نسى معظمنا مدى هشاشة وجودنا الإنسانى أمام انبهارنا بالسلطة والمال، وطموحنا من أجل التقدم الوظيفى والترقى الاجتماعى، لكن هؤلاء المحتجين يعرفون أنه إذا كان هناك أى درس يمكن أن نستخلصه من المحرقة النازية ضد اليهود بحق، فسيكون شعار «لن يحدث ذلك مجدداً لأى أحد»، وليس لليهود فقط، وهو الشعار الذى صاغه النشطاء الشباب الشجعان الذين شكلوا حركة «الصوت اليهودى من أجل السلام».

من المؤسف أن الشباب قد يخسرون المعركة.. وكفة الميزان لا تميل دائماً لصالح العدالة.. والتاريخ يكتبه الأقوى

لكن المستقبل لا يظهر بألوانه الوردية أمام هؤلاء الشباب، وانتفاضتهم ضد ما جرى من فظائع فى «غزة» لا يبدو أنها ستغير الكثير مما يحدث من حولها.

هذا هو ما يشير إليه الكتاب قائلاً: من المحتمل، وربما من الأرجح، أنهم سيخسرون. إن إسرائيل التى ينتابها هوس البقاء صارت تنذر بمستقبل عالم منهك وخرب. وما نراه من حولنا من التأييد المطلق لإسرائيل، الذى يعلنه مخابيل اليمين المتطرف مثل بعض رؤساء أمريكا اللاتينية، والدعم الذى تقدمه لها الدول الغربية التى تسبب أصحاب النزعات القومية المتطرفة داخلها فى تلويث الحياة السياسية فيها، كلها تنبئ بجحيم من الفظائع ما زال فى طريقه إلينا. صارت هناك أعداد متزايدة من البشر الذين يرون أن بلادهم أو عرقهم أو طبقتهم الاجتماعية لن يكتب لها البقاء إلا باستخدام وسائل وأساليب لا ترحم. وفى الوقت الذى تتزايد فيه الأسلاك الشائكة والجدران العازلة بين حدود الدول، صارت الوحشية التى تحدث تحت مسمى «الحفاظ على النفس» تحظى بتأييد واسع، خاصة مع النجاح الذى حققه الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» فى الانتخابات، الأمر الذى قد يشير إلى أن إسرائيل سوف تنجح على الأرجح فى التطهير العرقى لـ«غزة»، وربما للضفة الغربية كذلك.

ليس من الصعب تصور أن تؤدى مذابح إسرائيل لانتصار يعقبه نوع من غسيل السمعة بأيدى المؤرخين والسياسيين المؤيدين لها

ويواصل الكتاب رسم تلك الصورة القاتمة التى قد يسببها نجاح إسرائيل فى مخططاتها قائلاً: هناك بالفعل دلائل أكثر من اللازم على أن كفة الميزان لا تميل دائماً نحو العدالة. دائماً ما قام الرجال الذين يملكون النفوذ والقوة بإظهار المذابح التى يرتكبونها كما لو كانت ضرورية ومشروعة، بالتالى، ليس من الصعب إطلاقاً أن نتصور أن تؤدى المذبحة الإسرائيلية لانتصار، يعقبه نوع من غسيل السمعة أو إضفاء القداسة عليه بواسطة المؤرخين والصحفيين ورجال السياسة، هؤلاء الذين يخضعون دائماً فى كل مكان لمن يملك القوة. هذا ما كان يحدث، وسيظل يحدث عبر التاريخ.

لكن هذه النهاية القاتمة، حتى وإن حدثت، فإنها لن تقدر على قتل وعى وضمير أجيال كاملة استيقظت بسبب مشاهد العنف والدمار الجنونى فى «غزة»، ولن يقدر أحد، مهما بلغت قوته، على إخماد نيرانها فى قلوبهم وعقولهم.

يقول الكتاب: ربما كان الخوف من التعرض لهزيمة كارثية يخيم بظلاله على عقول الشباب الذين خرجوا فى مظاهرات احتجاجية ضد ما يحدث فى «غزة»، لكنهم لم يغيروا، ولن يغيروا، من موقفهم ورأيهم أمام هذا المد القاسى الذى يهيمن على الغرب. ربما كان هؤلاء الذين يقاومون أعمال إسرائيل الوحشية، ويقفون ضد الدعاية الغربية التى تساندها إما بالحجب وإما بالتدليس، يخاطرون بأن تظل حياتهم كلها محكومة بالفشل، لكن ربما كان تعبيرهم عن الرفض والغضب، وإظهارهم لتضامنهم مع أهالى «غزة»، أمراً يخفف ولو قليلاً من ذلك الشعور الرهيب بالوحدة الذى يعانى منه الفلسطينيون. وربما لذلك سيظل هؤلاء هم من يحملون مشعل الأمل للعالم من بعد «غزة».

ويتابع: لم تعد إسرائيل قادرة على أن تقدم نفسها للعالم على أنها ضحية تحت رحمة تصرفات الآخرين. لقد كشفت إسرائيل اليوم عن وجهها كعنصر مضطرب على نحو بالغ الخطورة، لا يتحمل الفلسطينيون وحدهم تداعيات فشله الكارثية. بالتالى صارت الدولة اليهودية الأولى تنذر بالشؤم للكل وليس فقط لليهود حول العالم. إنها تجبر الآخرين على أن يحددوا أنفسهم وهويتهم إما بالوقوف معها أو ضدها، كما لو كانت تحمل، بمجرد وجودها، مرآة أمام الشعوب والمجتمعات الأخرى، تجبرها على النظر لأنفسها ولضمائرها الأخلاقية ومحاكمتها.

ويتابع: يوماً ما، سوف تتراجع الحرب على «غزة» لتصبح مجرد حدث من أحداث الماضى، وربما يطوى الزمان تلك الصفحات المتراكمة من الفظائع التى جرت فيها. لكن المأساة ستترك آثارها الغائرة باقية فى قلب «غزة» لعقود قادمة؛ فى الأجساد الجريحة، والأطفال الذين أصبحوا أيتاماً، فى الأحياء التى تهدمت، والأشخاص الذين أصبحوا بلا مأوى، وفى الإحساس الجارف والطاغى بتلك الفجيعة الجماعية التى شاهدها الكل من بعيد وهم يقفون عاجزين أمام قتل وتشويه عشرات الآلاف من الناس فى هذا القطاع الساحلى الضيق، على وقع تصفيق أو تجاهل من يملكون القوة. كل هؤلاء سوف يعيشون حاملين فى قلوبهم جرحاً غائراً، وصدمة قد لا يداويها مرور السنين.

يدرك الكتاب جيداً حالة الانقسام التى يحيا فيها الغرب؛ بين من يمنحون حقاً مطلقاً لإسرائيل فى ارتكاب كل ما تريد من فظائع «لحماية أمنها»، ومن يتعرضون فوراً للاتهام بمعاداة السامية لو حاولوا الدفاع عن حق أبرياء «غزة» فى الحياة. هذا الانقسام الذى أدى إلى حرب «توصيف» لما يجرى فى «غزة» على نحو يستهدف إرباك الضمير الإنسانى أمام فظائع لا يمكن إنكارها. يقول الكتاب: إن الخلاف الدائر حول كيفية وصف العنف الإسرائيلى فى «غزة»، ما إذا كان دفاعاً مشروعاً عن النفس، أو حرباً عادلة فى ظروف مدنية صعبة، أو تطهيراً عرقياً وجرائم ضد الإنسانية، هو خلاف لن تتم تسويته أبداً. لكن ليس من الصعب أن نرى أن انتهاكات إسرائيل القانونية والأخلاقية تمثل البشاعة فى أقصى صورها: هذا التصميم الصريح والمتكرر من قيادات إسرائيل على محو «غزة»، حتى بالرغم من الاتهام الضمنى الذى وجهه الرأى العام لهم ولجيش الدفاع الإسرائيلى بتوقيع عقوبة على «غزة» لا تتناسب مع الجرم الذى تم ارتكابه (بواسطة حركة «حماس»). يضاف إلى ذلك استهدافهم لضحاياهم فى القطاع بكل أشكال الشر، وواقع أن أغلب الضحايا كانوا أبرياء ومعظمهم من النساء والأطفال.

ويواصل: إن حجم التدمير الذى جرى فى قطاع «غزة» هو أكبر بكثير من حجم الدمار الذى أحدثته قوات الحلفاء مجتمعة بقصف ألمانيا فى الحرب العالمية الثانية، وكان إيقاع القتل المتسارع والرهيب يملأ المقابر الجماعية فى «غزة» بالجثث التى تهاوت باستخدام أدوات تستهدف ضحاياها بشكل عشوائى غير شخصى باستخدام خوارزميات الذكاء الصناعى، وبأساليب استهداف شخصية مثل القناصين الذين كانوا يصيبون الأطفال بطلقة رصاص فى رؤوسهم وأحياناً بطلقتين. امتزج ذلك كله بمشاهد حرمان الأهالى من الغذاء والدواء، وهتك عرض السجناء بقضبان معدنية حامية، وتدمير المدارس والجامعات والمساجد والكنائس وحتى المقابر. وظهر الشر الخالص مجسداً فى جنود قوات جيش الدفاع الإسرائيلى وهم يتراقصون مرتدين الملابس الداخلية لنساء فلسطينيات موتى أو هاربات، وفى شعبية وانتشار هذه المقاطع على منصة «تيك توك» داخل إسرائيل، والتى قابلها القتل والاستهداف الدقيق للصحفيين الموجودين فى «غزة» الذين كانوا يقومون بتوثيق الإبادة التى يتعرض لها شعبهم.

هذه المشاهد جعلت «ميشرا» يرى أن «المحرقة» لم تعد مجرد ذكرى طوتها الإنسانية مع سقوط النازية فى ألمانيا، لكنها حالة امتد ظلها على شعوب أخرى، ولم تعد قاصرة على اليهود وحدهم.

يقول: لقد جعلت «غزة» ظل المحرقة (أو الهولوكوست) يمتد ليشمل العديد من الشعوب الأخرى وليس الشعب اليهودى وحده. أصبح قدر المليارات حول العالم أن تظل مشاهد العنف الوحشى لما جرى فى «غزة» عالقة فى أذهانهم لوقت طويل. هؤلاء الذين رأوا بأعينهم طالب هندسة فلسطينياً لا يزيد عمره على ١٩ عاماً يحترق حياً والمحاليل ما زالت معلقة بأوردته، فى واحد من المستشفيات العديدة التى تعرضت للقصف الإسرائيلى. وبعد عدة شهور متواصلة من شهود هذا القتل الجماعى الوحشى بأيدى أشخاص يحاولون تقديمه للآخرين على أنه ضرورة جماعية ومشروعة، بل وحتى إنسانية، أصبح ملايين الناس من بلاد مختلفة يشعرون أن العالم قد أصبح مكاناً غريباً عليهم. هذا هو تأثير صدمة مشاهدة ذلك الشر الخالص الذى كان ارتكابه من قبل مقصوراً على الأفراد المختلين نفسياً، وأصبح يجرى اليوم على يد قادة وأفراد مجتمعات من المفترض أنها متحضرة. هذا أمر لا يمكن الاستهانة به، ولا التخفيف من حدة الهاوية الأخلاقية التى نجد أنفسنا فى مواجهتها. إن ما نشعر به اليوم هو القشة الأخيرة التى ستقصم ظهر التاريخ الأخلاقى للعالم الحديث الذى كنا نرى أنه وصل إلى حد الانهيار الكامل عام ١٩٤٥، العام الذى شهد المحرقة النازية لليهود، والتى صارت مرجعية عالمية للانهيار الكارثى للضمير الأخلاقى للإنسانية.

مقالات مشابهة

  • أبو بكر الرازي.. الفيلسوف المسلم الذي أحدث ثورة عالمية في الطب
  • برمة لن يختفي بهدوء أو يقبل عزله من رئاسة حزب الأمة
  • رواد المستقبل تقدم نموذجاً تعليمياً فريداً في معرض الرياضيات
  • «العالم بعد غزة».. كتاب جديد عن آثار مأساة أوجعت قلب الإنسانية
  • بالصورة... هؤلاء هم القادة الشهداء في حزب الله
  • محجوب فضل بدری: صياد النجوم فی أبْ قَبَّة فحل الديوم !!
  • علوش: الحوار بين السوريين بدأ لحظة إسقاط الأسد وكان لا بد من تأسيس مرحلة جديدة قائمة على الحرية والكرامة
  • الحرية المصري: قانون الإجراءات الجنائية الجديد علامة فارقة في المنظومة القضائية
  • مفتي الجمهورية من جامعة القاهرة: أحذر الطلاب من الحرية المنفلتة التي تهدم العادات والقيم
  • بيان من بايرن.. إصابة كيميتش في أوتار الركبة