هل يغفر الله لي الصلاة الفائتة.. وماذا يفعل من تركها لسنوات طويلة؟
تاريخ النشر: 17th, November 2023 GMT
هل يغفر الله لي الصلاة الفائتة؟ سؤال أجابته دار الإفتاء المصرية من خلال بيانها أولوية القضاء بين الفوائت والسنن الراتبة ومطلق النوافل.
هل يغفر الله لي الصلاة الفائتة؟وقالت: فرض الله علينا الصلاة وجعل لها أوقاتًا تؤدى فيها؛ فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، وامتدح المحافظين عليها في أوقاتها فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ۞ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ۞ وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ۞ إِلَّا الْمُصَلِّينَ ۞ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: ١٩-٢٣]،
وحذر من التهاون بها؛ فقال سبحانه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: 59]، وقال جل شأنه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ۞ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤-٥].
وأضافت في بيان سؤال: ابتعدت عن الصلاة لمدة خمسة أعوام، وقد تبت إلى الله تعالى، وأقضي الآن ما عليَّ من الفوائت، فأقضي مع كل فرضٍ عددًا من الفوائت من مثله، لكن ذلك يؤثر على صلاتي للسنن الرواتب وصلاة النفل بوجه عام، فأنا أحب التطوع بالصلاة، ولا أدري أي الصلوات أقدم على الآخر، هل أقدم قضاء الفوائت، أم صلاة السنن الراتبة، أم صلاة التطوع؟
وقد أجمع الفقهاء على وجوب قضاء الصلاة المفروضة الفائتة، ولا يجوز تأخير القضاء إلا لعذرٍ، ولا يرتفع إثم ترك الصلاة عمدًا بغير عذر بمجرد القضاء، بل يجب معه التوبة، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إن وجد الإنسان من نفسه القدرة على الإتيان بالنوافل وقضاء الفوائت معًا فلا حرج عليه في تقديم النافلة الراتبة على الفريضة الفائتة، فإن كان قضاء الفوائت يؤثر على أداء النوافل وجب قضاء الفرائض أولًا، ثم يأتي بالسنن الرواتب بعد ذلك إن وجد القدرة عليها، ثم يتنفل بعد ذلك بما شاء من الصلوات في غير أوقات الكراهة.
وأكملت: فمن المقرر أن الفرائض الخمس قد أوجبها الله سبحانه وتعالى على كل مسلمٍ مكلَّفٍ في أوقاتٍ محددة، ويأثم المسلم بتأخير الصلاة عن وقتها لغير عذر، وقد أخرج الشيخان بسنديهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ».
والعبد إذا ابتلي بالتقصير في الصلاة عمدًا أو بعذرٍ لنومٍ أو نسيانًا وجب أن يقضي ما عليه من فوائت بقدر طاقته، وقد أجمع الفقهاء على وجوب قضاء الصلاة الفائتة نسيانًا أو لعذر؛ قال العلامة ابن بزيزة المالكي في "روضة المستبين في شرح كتاب التلقين" (1/ 374، ط. دار ابن حزم): [وقد انعقد الإجماع على وجوب قضاء الصلوات الفوائت بنسيان أو نوم] اهـ.
ولا يجوز تأخير القضاء إلا لعذرٍ، كالسعي لتحصيل الرزق وتحصيل العلم الواجب عليه وجوبًا عينيًّا، وكالأكل والنوم.
واختلف الفقهاء في الصلاة المتروكة عمدًا؛ قال العلامة ابن بزيزة المالكي في "روضة المستبين" (1/ 374): [واختُلف في المتروك عمدًا، والجمهور على وجوب قضائها بعد التوبة والاستغفار] اهـ.
وقال العلامة بدر الدين العيني الحنفي في "البناية شرح الهداية" (2/ 582، ط. دار الكتب العلمية)": [(ومن فاتته صلاة قضاها إذا ذكرها) سواء كان فوتها ناسيًا، أو بغير عذر النسيان أو عامدًا، وبه قال مالك والشافعي، وقال أحمد وابن حبيب: لا يقضي المتعمد في الترك] اهـ.
هل يغفر الله لي الصلاة الفائتة؟وأكملت: إنما قال الجمهور بقضاء الصلاة المتروكة عمدًا؛ قياسًا على التنبيه بالأدنى على الأعلى؛ فقد نبَّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الصلاة المنسية فيما رواه الإمام البخاري عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا، لا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ»، وهي أدنى من المتعمد تركها، فالأعلى تدخل في التنبيه من باب أولى.
وعلى هذا: فقضاء الصلاة المفروضة التي فاتت واجبٌ، سواء فاتت بعذرٍ غير مسقطٍ لها، أو فاتت بغير عذر، ولا يرتفع الإثم بمجرد القضاء، بل يجب معه التوبة، كما لا ترتفع الصلاة بمجرد التوبة، فإن القضاء واجب؛ لأن من شروط التوبة الإقلاع عن الذنب، والتائب بدون قضاء غير مقلع عن ذنبه.
أما إذا كان قضاء الفوائت يؤثر على أداء السنن الرواتب وعلى النوافل فأيها يقدم: قضاء الفائتة أم الرواتب أم النفل المطلق؟ فإن العلماء قد اختلفوا في هذه المسألة:
فالحنفية يرون تقديم قضاء الفوائت على النفل المطلق بخلاف السنن المؤكدة والرواتب؛ كتحية المسجد والأربع قبل العصر، والست بعد المغرب، فيجوز تقديمها على قضاء الفائتة؛ قال العلامة ابن عابدين الحنفي في "رد المحتار" (2/ 74، ط. دار الفكر): [الاشتغال بقضاء الفوائت أولى وأهم من النوافل، إلا سنن المفروضة وصلاة الضحى وصلاة التسبيح والصلوات التي رويت فيها الأخبار] اهـ.
ويرى المالكية والحنابلة أنه يحرم على من عليه فوائت أن يصلي النفل المطلق، فلو صلَّاه لا ينعقد، وأما النفل المقيد؛ كالسنن الرواتب والوتر، فيجوز له أن يصليه في هذه الحالة، ولكن الأولى له تركه إن كانت الفوائت كثيرة، ويستثنى من ذلك سنة الفجر؛ فإنه يطلب فعلها ولو كثرت الفوائت؛ لتأكدها وحث الشارع عليها؛ فقد جاء في "الشرح الكبير" (1/ 264، ط. دار الفكر): [فيحرم التأخير إلا وقت الضرورة؛ ويحرم التنفل لاستدعائه التأخير، إلا السنن والشفع المتصل بالوتر وركعتي الفجر] اهـ.
وقال العلامة البهوتي رحمه الله في "كشاف القناع" (1/ 260، ط. دار الكتب العلمية): [ولا يصح نفلٌ مطلقٌ ممن عليه فائتة (إذن)، أي: في الوقت الذي أبيح له فيه تأخير الفائتة؛ لكونه حضر لصلاة عيد، أو يتضرر في بدنه أو نحوه، أو أخرها لغرض صحيح؛ (لتحريمه) أي: النفل المطلق إذن؛ (كأوقات النهي)؛ لتعيين الوقت للفائتة كما لو ضاق الوقت الحاضر، ومفهومه أنه يصحّ النفل المقيد كالرواتب والوتر؛ لأنها تتبع الفرائض فلها شبه بها، (وإن قلَّت الفوائت قضى سننها) الرواتب (معها)؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما فاتته الفجر صلى سنتها قبلها، (وإن كثرت) الفوائت (فالأولى تركها)، أي: السنن؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما قضى الصلوات الفائتة يوم الخندق لم ينقل أنه صلى بينها سنة، ولأن الفرض أهم، فالاشتغال به أولى، قاله في "الشرح" (إلا سنة فجر) فيقضيها ولو كثرت الفوائت؛ لتأكدها وحث الشارع عليها، (ويخير في الوتر) إذا فات مع الفرض وكثر، وإلا قضاه استحبابًا] اهـ.
وذهب الشافعية إلى التفرقة بين الفائتة بعذر، والفائتة بغير عذر؛ فقالوا: يتنفل مع قضاء الفائتة بعذر، ولا يتنفل مع قضاء الفائتة بغير عذر، هذا ما ذكره الإمام ابن حجر في فتاويه؛ حيث نص على أن من عليه فائتة بعذر جاز له قضاء النوافل مع الفائتة، وإذا جاز له قضاء النوافل جاز له الأداء من باب أولى؛ فقال رحمه الله في "الفتاوى الكبرى" (1/ 189، ط. المكتبة الإسلامية): [ومن عليه فوائت، فإن كانت فائتة بعذر جاز له قضاء النوافل معها؛ سواء الراتبة وغيرها... وإن كانت فاتت بغير عذر لم يجز له فعل شيء من النوافل قبل قضائها؛ لأنه واجب عليه فورًا، وبصرف الزمن للنوافل تفوت الفورية، فلزمه المبادرة لقضائها، وهي لا توجد إلا إن صرف لها جميع زمنه، فيجب على من عليه فوائت بغير عذر أن يصرف جميع زمنه إلى قضائها ولا يستثني من ذلك إلا الزمن الذي يحتاج إلى صرفه فيما لا بد منه من نحو نومه، وتحصيل مؤنته ومؤنة من تلزمه مؤنته، وهذا ظاهر وإن لم يذكروه؛ لأنه إذا لزمه القضاء فورًا كان مخاطبًا به خطابًا إيجابيًّا إلزاميًّا في كل لحظة، فما اضطر لصرفه في غير ذلك يعذر في التأخير بقدره، وما لم يضطر لصرفه في شيء يجب عليه صرفه في ذلك الواجب عليه الفوري، وإلا كان عاصيًا آثمًا بالتأخير، كما أنه عاصٍ آثمٌ بالترك] اهـ.
وشددت بناءً على ذلك: فيجب على من كان عليه صلوات فائتة ولو لمدة طويلة بلغت سنواتٍ أن يشتغل بقضاء ما عليه من الفرائض، فإن كان يرى من نفسه أن لديه القدرة على الإتيان بالنوافل الراتبة وقضاء الفوائت معًا لوجود متسع في الوقت، فلا حرج عليه في تقديم النافلة الراتبة على الفريضة الفائتة، وإن كان يرى أن الانشغال بالسنن الراتبة لا يترك متسعًا من الوقت لقضاء ما عليه من الفرائض الفائتة، فعليه أن يقدم قضاء ما عليه من فرائض فائتة، ثم إذا وجد في وقته سعة أتى بالسنن الرواتب، ثم يكون له بعد ذلك أن يتنفل بما شاء من الصلوات ما دام في غير أوقات الكراهة.
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: الصلاة دار الإفتاء قضاء الفوائت صلى الله علیه وآله وسلم قضاء الفائتة قضاء الصلاة ما علیه من على وجوب من علیه أوقات ا
إقرأ أيضاً:
ضوابط تواجد الأطفال في بالمساجد.. الأوقاف توضحها
كشفت وزارة الأوقاف عبر صفحتها الرسمية على فيس بوك ضوابط تواجد الأطفال في المساجد وتشجيعهم على الارتباط به دون المساس بالقدسية.
قالت الأوقاف، إن المساجد بيوت الله، وهي المكان الذي يملأ القلوب بالسكينة، ويزود الأرواح بالهدى، ومن رحمة الإسلام أن جعل المساجد مكانا يتسع للجميع، بما في ذلك الأطفال، لتعزيز حبهم لها وارتباطهم بها منذ الصغر.
واشارت الى ان النبي ﷺ كان قدوة في هذا المجال، إذ كان يُلاعب أحفاده داخل المسجد، ويحملهم في أثناء الصلاة، ويستقبل الوفود في المسجد، ويشهد لعب الحبشة (ما يشبه الفولكلور، أو الفنون الشعبية في العصر الحديث)، وكل ذلك وغيره يؤكد التوازن بين الحفاظ على قدسية المسجد، وتعدد أدواره، ورعاية فطرة الطفل وحاجته للطاقة والحركة».
وذكرت حديث أبي قتادة رضي الله عنه، حيث قال: «رأيت النبي ﷺ يصلي بالناس وأمامة بنت أبي العاص على عاتقه، فإذا ركع وضعها، وإذا قام حملها»، وهذا يوضح أن وجود الأطفال في المسجد وملاطفتهم لا يتعارض مع قدسيته، بل يعزز ارتباطهم به، ويزرع فيهم حب الصلاة، والإقبال على مجالس العلم، وتوقير بيوت الله وروادها، ومعرفة قدر العلماء والمربّين، وترسيخ فكرة الترويح المباح عن النفس، وتعليمهم كيفية ترشيد استهلاك الطاقة والمياه، وغير ذلك من الأهداف النبيلة».
وفي حديث آخر عن شداد بن الهاد، رضي الله عنه، قال: «خرج علينا رسول الله ﷺ في إحدى صلاتي العشاء وهو حامل حسنًا أو حسينًا، فتقدم النبي ﷺ فوضعه، ثم كبر للصلاة، فسجد أطال السجود».
وهنا نجد أن النبي ﷺ لم يمنع الأطفال من المسجد حتى في أثناء الصلاة، بل كان يُظهر لهم الرقة والرحمة، بل كان يوجز التلاوة في الصلاة حرصًا على تلبية احتياجات الصغار كما ثبت من سنته الشريفة.
وأضافت ايضا انه ورد في حديث عبدالله بن بريدة عن أبيه: «كان رسول الله ﷺ يخطبنا إذ جاء الحسن والحسين، عليهما قميصان أحمران يعثران، فنزل رسول الله ﷺ من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه»؛ وهذا الموقف يؤكد أن وجود الأطفال في المسجد كان أمرًا مألوفًا -بل محببًا- في عهد سيدنا النبي ﷺ، وهو لا يتعارض مع الوقار، بل يعبر عن رحمة النبي بهم، أما عن حديث عائشة رضي الله عنها، فقد قالت: «رأيت النبي ﷺ يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد...» وهذا الحديث يوضح سماحة الإسلام في السماح ببعض اللعب داخل المسجد طالما أنه لا يخل بقدسيته ولا يؤثر في خشوع المصلين.
وبينت انه يجب أن تُربى الأطفال على احترام قدسية المسجد مع تعليمهم عدم إزعاج المصلين أو التسبب في أي إزعاج.
ومن المهم أن يكون اللعب والملاطفة في أوقات لا تعيق الصلاة أو تؤثر في خشوع المصلين، كما ينبغي إشراف الكبار على الأطفال من أجل مراعاة الآداب الشرعية في أي نشاط داخل المسجد، والأوقات المناسبة للهو المباح وكيفيته، مع تربيتهم على عدم المساس بقدسية المسجد أو التسبب في إزعاج المصلين، أو في إحداث أي ضرر بالمكان أو بمن هم فيه».
وأكدت وزارة الأوقاف، أن تربية الأطفال على احترام الأكوان بما وبمن فيها -بما في ذلك حب المساجد- لا تقتصر على التلقين فحسب، بل ينبغي إشعارهم بالألفة والراحة في رحابها؛ والتلطف معهم فيها بالقول وبالفعل، وبالتعليم وبالإهداء، وبالترحيب وبالتوجيه الذي يأخذ بعلوم نفس الطفولة ويراعي متطلبات التنشئة السليمة والذكاء العاطفي، ولا مانع من ملاعبة الأطفال في المساجد بشرط أن يكون ذلك متفقًا مع الآداب الشرعية وألا يتسبب في أي مساس بالمسجد أو مكوناته أو رواده. واللهَ نسأل الله أن يجعل بيوته عامرة بذكره، وأن يرزقنا تربية أجيالنا على طاعته وحب بيوته التي أذِن سبحانه أن تُرفَع ويُذكَرَ فيها اسمه.