مع قرب الانتخابات المحلية في العراق.. تصدع تحالفات وولادة أخرى
تاريخ النشر: 9th, July 2023 GMT
بغدادـ ما إن أعلنت مفوضية الانتخابات في العراق البدء بتسلم طلبات تسجيل التحالفات الراغبة بالمشاركة في الانتخابات المحلية المقررة نهاية العام الجاري، حتى بدأت معالم التحالفات الجديدة تتضح ولو بشكل بطيء، فيما بدأت القوى السياسية الراغبة بالمشاركة تخوض حراكا لتشكيل التحالفات الانتخابية الجديدة.
وبدأت القوى السياسية العراقية بمختلف مكوناتها وتسمياتها الاستعداد والتحشيد الجماهيري لانتخابات مجالس المحافظات المقبلة والتي ستكون بوابة رئيسية للانتخابات النيابية التي تنتظرها الأوساط السياسية والشعبية.
وفي أول إعلان رسمي يعتزم ائتلاف دولة القانون بزعامة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، خوض انتخابات مجالس المحافظات بقائمة منفردة بعيدا عن التحالفات السياسية، وبمعزل عن التحالفات والائتلافات السياسية والانتخابية التي تجري قبل بدء موعد الانتخابات.
ويرغب المالكي بالتحرك وإجراء حوارات لتشكيل التحالفات لانتخاب المحافظين وتشكيل الحكومات المحلية بعد إجراء الانتخابات وإعلان النتائج، ومعرفة عدد المقاعد التي حصلت عليها الكتل والأحزاب السياسية.
وحددت الحكومة العراقية يوم 18 ديسمبر/كانون الأول المقبل موعدا لإجراء الانتخابات المحلية، مع تأكيدها دعم مفوضية الانتخابات للقيام بمهامها وتوفير كل متطلبات العملية الانتخابية بما يضمن انتخابات عادلة ونزيهة وشفافة.
تصدعات وولاداتوعن طبيعة التحالفات السابقة وتصدعها وانفراد ائتلاف دولة القانون الذي يترأسه المالكي، يرى أستاذ الإعلام في الجامعة العراقية فاضل البدراني أن ائتلاف دولة القانون وضع نفسه في طريق خاص، مستندا على الأرقام التي حصل عليها بالانتخابات السابقة وهي 34 مقعدا في البرلمان.
وأضاف أن الائتلاف يعتقد أن لديه جمهورا ثابتا ومن الممكن أن يتزايد، "فضلا عن ذلك فهم يراقبون أيضا مدى مشاركة التيار الصدري من عدمه، وفي حال عدم مشاركته فسيزداد وجودهم في مجالس المحافظات".
وتوقع البدراني، في حديث للجزيرة نت، حدوث تصدع في تحالف الإطار التنسيقي، بخروج ائتلاف المالكي، خاصة وأن تيار الحكمة الذي يتزعمه عمار الحكيم، وكذلك ائتلاف النصر الذي يتزعمه رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي سيشاركان في قائمة واحدة، منوها إلى أن انتخابات مجالس المحافظات من حيث التحالفات السياسية لن تسير باتجاه تحالف واحد لقوى الإطار.
وأشار البدراني إلى أن ذلك ينسحب أيضا على القوى السنية، التي ستخوض الانتخابات بمفردها خاصة الكبيرة منها مثل تحالف تقدم الذي يترأسه رئيس البرلمان محمد الحلبوسي، وتحالف السيادة الذي يترأسه خميس الخنجر، وكذلك المشروع العربي برئاسة جمال الضاري، وتحالف الأنبار، وتحالفات أخرى جديدة.
وأضاف أن الأحزاب الصغيرة قد تلجأ إلى تحالفات كبيرة لتلتئم معه، ولكن العقبة أمام الجميع هي أن الجميع يرغب بالحصول على منصب المحافظ بكونها سلطة مهمة تقود المحافظة، وهذه الطموحات قد تجعل الكل يعتمد على نفسه ولا يعتمد على التحالفات حتى يحقق الأرقام التي تؤهله لتشكيل الحكومة المحلية.
وتتولى مجالس المحافظات المنتخبة مهمة اختيار المحافظ ومسؤولي المحافظة التنفيذيين، ويملك هؤلاء صلاحيات الإقالة والتعيين وإقرار خطة المشاريع وفقا للموازنة المالية المخصصة للمحافظة من الحكومة المركزية في بغداد، بحسب الدستور العراقي النافذ في البلاد منذ عام 2005.
الحياة الحزبية في #العراق تشهد زخماً كبيراً قبيل #الإنتخابات_المحلية بنهاية العام، حيث شهدت مدينة #نينوى تأسيس حزب التجديد كحزب سياسي جديد يخوض الإنتخابات يقائمة خاصة به pic.twitter.com/srPBeBZ9jQ
— صبا فارس (@hariasu1) July 6, 2023
المكون السنيوعن تحالفات المكون السني في المحافظات ذات الغالبية السنية يؤكد النائب عن محافظة ديالى محمد قتيبة البياتي، وهو عضو سابق في تحالف السيادة، للجزيرة نت أن هناك 3 قوائم أساسية ستكون في المناطق السنية ومنها ديالى للمشاركة في الانتخابات المقبلة، وهي تحالف تقدم وتحالف السيادة وتحالف العزم، وقد تكون هناك تحالفات، بمعنى تحالفين في تحالف واحد لكنه مستبعد في الوقت الراهن، مشيرا إلى أن التمثيل السني ينبغي أن يكون بمستوى قائمتين حتى لا تتشتت الأصوات.
ومحافظة ديالى الواقعة شمال شرقي بغداد هي عراق مصغر لكونها خليطا سكانيا يضم السنة والشيعة والكرد والتركمان والأقليات الأخرى، وهي متاخمة لإيران في بعض أجزائها.
تأثير التيار الصدريوبخصوص مشاركة التيار الصدري الذي يمكن أن يغير خريطة التحالفات السياسية يرى الخبير السياسي حمزة مصطفى أن هذا المتغير هو الأكبر في حال حدوثه، كون التيار الصدري لو شارك في الانتخابات سيشارك بـ3 قوائم كما قيل إعلاميا.
ونوه إلى أن دخول التيار الصدري للانتخابات سيؤدي إلى تغير النتائج وليس الخرائط، لأن هذه التحالفات ستبقى كما هي، فيما تتغير نتائج الانتخابات خاصة في مناطق الوسط والجنوب، لأن عودة التيار الصدري بقوة سوف تقلل حجم الكثير من القوى التي تعتقد أنها تتسيد الساحة.
ويبين مصطفى للجزيرة نت أن الخريطة السياسية متغيرة أو تفككت من فترة سابقة، مع وجود خلافات داخل المكونات نفسها، ومنها الخلافات الواضحة داخل الإطار التنسيقي الشيعي، وخلافات أخرى داخل المكون السني وكذلك خلافات كردية كردية أيضا، لذلك ستبقى خريطة التحالفات في هذه الكيفية، وبذلك ستدخل تلك القوى بقوائم مختلفة الحجم.
وأشار إلى أن القوى السنية هي الأخرى بدت متصدعة خاصة بين حزب تقدم -الذي يترأسه رئيس البرلمان محمد الحلبوسي- والقوى الأخرى المناوئة له.
مفوضية الانتخابات لـ "الأولى": ملزمون بإعلان نتائج الانتخابات المحلية خلال 24 ساعة#العراق#التردد_10971H27500#قناة_الاولى_العراقية pic.twitter.com/GyYfyHhwIh
— قناة الاولى العراقية (@AlawlaTv) July 1, 2023
أعداد الأحزاب والتحالفاتوتبين المتحدثة باسم مفوضية الانتخابات جمانة الغلاي أن لدى المفوضية 269 حزبا مسجلا في دائرة شؤون الأحزاب التي تأسست عام 2015 وإقرار قانون الأحزاب رقم 36 لسنة 2015، وأن هناك 79 حزبا قيد التأسيس، ومع فتح تسجيل الأحزاب والتحالفات السياسية تم تسجيل 11 حزبا سياسيا و3 تحالفات جديدة.
وتوضح المتحدثة باسم المفوضية، في تفاصيل خصت بها الجزيرة نت، أن لدى مفوضية الانتخابات 42 تحالفا سياسيا مسجلا في عام 2018، شاركت في انتخابات عام 2018 وانتخابات عام 2021، تضاف لها التحالفات الثلاثة لتصبح 45 تحالفا.
وتؤكد جمانة أن هناك شروطا لتسجيل الأحزاب الجديدة التي ترغب في المشاركة فإن عليها رسوما بـ25 مليون دينار (الدولار يساوي 1300 دينار)، إضافة إلى 10 ملايين دينار تدفع إلى هيئة المساءلة والعدالة، وكذلك مليون و250 ألف دينار تدفع إلى مفوضية الانتخابات وهي رسوم خدمات عامة، ويجب أن يكون الحزب من 7 أعضاء ضمنهم امرأة، على أن يكون الأعضاء من محافظتين أو أكثر، وأن يضم كل حزب ألفي عضو، وجميع ذلك يذهب إلى المساءلة والعدالة لتدقيق بيانات أعضاء كل حزب.
وفي السياق ذاته، بينت جمانة الغلاي أن عدد الناخبين في 15 محافظة عراقية أكثر من 23 مليون ناخب مسجلين لدى المفوضية.
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: إلى أن
إقرأ أيضاً:
على وقع تراجع أصوات التحرير.. مفارقة قاتلة: الطبقة السياسية تستنجد بالأمريكان لا تتركونا
بغداد اليوم - خاص
لا أحد في بغداد ينام حقًا. فحتى حين تهدأ الضوضاء في الشوارع، ويُطفأ ضوء آخر مكتب حكومي، يبقى القلق مستيقظًا. وبينما يبدو المشهد السياسي العراقي ساكنًا على السطح، تغلي تحته براكين من الاحتمالات، ليس أولها استمرار التواجد الأمريكي، وليس آخرها خشية الدولة من عقوبات لا تأتي بصيغة تهديد، بل تُفرض كأنها قَدَر سياسي لا مفر منه. منذ سقوط نظام صدام وحتى لحظة كتابة هذه السطور، لم تكن العلاقة بين بغداد وواشنطن سوى قصة طويلة من الخوف المقنّع بالتحالف، والتبعية المتزيّنة بمساحيق السيادة. وإذا كانت القوات الأمريكية قد خرجت رسميًا عام 2011، فإنها عادت بعدها بثلاث سنوات، لا بقرارٍ من البيت الأبيض فحسب، بل بطلب يائس من عراقٍ كان يتفكك تحت ضربات داعش، ويبحث عن قشة في بحره الغارق.
لكن القشة ذاتها تحوّلت إلى حبل يُمسك بخناق القرار العراقي، لا يُفلت، ولا يسمح له بالتنفس. اليوم، لا تتحدث واشنطن عن انسحاب، ليس لأنها تخشى العودة إلى نقطة الصفر، بل لأنها تدرك أن العراق بات هو النقطة التي تبدأ منها كل خرائط المنطقة الجديدة. والبقاء الأمريكي، كما يقول أحمد الشريفي، "أمر وارد جداً"، بل قد يكون، وهنا تكمن المفارقة، خيارًا عراقيًا بامتياز، حين تتحول السيادة إلى مجاز، والخوف من المجهول إلى عقيدة سياسية، والمصلحة الوطنية إلى ملفّ مؤجل إلى إشعار آخر. السؤال لم يعد: "هل ستخرج أمريكا؟"، بل: "هل يستطيع العراق أن يعيش من دونها؟"، والإجابة المضمَرة بين السطور، هي: لا، أو على الأقل، ليس الآن، ولا بهذه الطبقة السياسية التي تخشى العقوبات أكثر من احتلال القرار.
الانسحاب المؤجل... أم البقاء بطلب عراقي؟
في زمن أصبحت فيه مفردات السيادة تُوزن بميزان الذهب السياسي، لا يبدو "الانسحاب الأمريكي" من العراق خيارًا مطروحًا على الطاولة بجدية، حتى لو رُفع كيافطة في بعض الخطابات الرنانة. فالميدان يقول شيئًا آخر، يقول إن الأمريكيين باقون، وإن الدولة العراقية – بتركيبتها المرتجفة – لم تعد تملك ترف الاستغناء عنهم. وهنا لا نتحدث عن الاحتلال بمعناه الكلاسيكي، بل عن نوع جديد من الحضور: حضور بالطلب، ووجود بالرضا، وتمدّد بالصمت. تلك المفارقة عبّر عنها بوضوح الخبير العسكري والاستراتيجي أحمد الشريفي، حين قال: "حتى الساعة لا يوجد أي تأكيد أمريكي رسمي يؤكد بأن هناك نية حقيقية للانسحاب من العراق، خاصة في ظل التطورات الأخيرة، وخاصة في الساحة السورية، ولهذا بقاء الأمريكان لفترة أطول في العراق أمر وارد جداً، وربما البقاء يكون بطلب عراقي."
وهنا تكمن المفارقة القاتلة: أن الحكومة التي طالما تباهت بأنها تعمل على إنهاء "الوجود الأجنبي"، قد تكون نفسها من يطلب بقاءه، ليس حبًا في الدبابة الأمريكية، بل خوفًا مما قد تجرّه الفوضى التي تحوم كطائر جارح فوق سماء العراق. في حسابات الواقعية السياسية، الانسحاب يعني إعادة خلط الأوراق؛ يعني تَحرُّك الفصائل بحرية، واندفاع الخصوم الإقليميين لسد الفراغ، وانكشاف القرار العراقي أمام شمس العقوبات الدولية. ولهذا، ما يُحكى في العلن لا يعكس ما يُهمس به في أروقة الدولة، حيث تُدار المعادلات وفق ميزان الخسارة الأقل، لا الربح الأكبر. وهكذا، تتحوّل السيادة من حقّ دستوري إلى ورقة تفاوضية، وتتحوّل الجيوش الأجنبية من "قوة احتلال" إلى "حاجة مؤقتة" تتجدد كلما خاف القرار السياسي من مصيره.
الصوت الذي خفت... حين تصبح المقاومة عبئًا
لم تعد المطالبات بإخراج القوات الأمريكية تصدح كما كانت، ولا تعلو كما كانت تصدح أيام التظاهرات المليونية والخطابات النارية التي تُلقَى من على منصات حديدية متهالكة. الآن، انكفأ الصوت، وتراجعت الحناجر، كأن المقاومة نفسها باتت غير مرغوب بها في خريطة توازنات جديدة، أكثر هشاشة، وأشد تعقيدًا. لم تعد المسألة مجرّد "رفض احتلال"، بل تحوّلت إلى سؤال خائف: "ماذا لو خرجوا؟ من سيحمينا من الضغوط؟ من سيفصل بين بغداد وواشنطن الغاضبة؟". وهنا تنكشف هشاشة القرار الوطني حين يصبح رهينة لردود الفعل الخارجية.
الخبير العسكري أحمد الشريفي، وضع إصبعه على هذه النقطة الحرجة حين قال: "الجانب العراقي الحكومي وكذلك السياسي يخشى في ظل هذه الأوضاع الانسحاب الأمريكي، خاصة أن هذا الانسحاب قد يعجّل في فرض العقوبات على العراق كدولة، والشخصيات السياسية والفصائل، ولهذا نرى هناك تراجع في الأصوات التي كانت تطالب بإخراج الأمريكان سابقاً."
بهذا المعنى، صار الأمريكي هو الغطاء غير المُعلن للطبقة السياسية التي تدرك أن خروجه قد يجرّ معها انكشافًا خطيرًا: سياسيًا، واقتصاديًا، وربما قانونيًا. فالعقوبات لم تعد سيفًا مسلطًا على "دول مارقة"، بل أصبحت وسيلة ضبط حتى للحلفاء. وبين نظام مصرفي هش، ودولة تعتمد في خزينتها على رضا الدولار، يصبح الكلام عن السيادة مجرّد قناع يُلبس في المؤتمرات، ويُخلع خلف الأبواب المغلقة.
لذلك تراجعت أصوات "التحرير"، لا لأنها اقتنعت بضرورة الوجود الأمريكي، بل لأنها باتت تخشى اليوم ما كانت تريده بالأمس، حين أدركت أن التوازن في العراق لا يُصنع على الأرض فقط، بل على ورق العقوبات، وفي تقارير وزارة الخزانة، وبين سطور المبعوثين الدوليين الذين يكتبون بلغة القوة، لا البلاغة.
إيران التي انسحبت بصمت... وتركَت ظلها يتنقّل وحيدًا
ذات يوم، كانت طهران تتنفس من رئة بغداد، وتحرّك أوراق الشام من كواليس كربلاء، وترسل إشاراتها إلى الضاحية الجنوبية من قلب البصرة. لكنها اليوم لم تعد تلك القوة المتحفزة العابرة للحدود، بل تبدو وكأنها تنسحب إلى داخلها، تنكمش على همومها، وتطفئ جبهات الخارج واحدة تلو الأخرى. إيران التي كانت تهندس السياسة في العراق بالمجسات، وتراقب حركة القوات الأمريكية بالنبضات، باتت اليوم تنظر إلى الخارطة بنظارات داخلية... مرهقة، مثقلة، ومحمّلة بكمٍّ من الخسارات لا يُخفى.
الخبير العسكري أحمد الشريفي اختصر هذا التحوّل العميق بجملة تكشف ما خلف الستار، حين قال: "إيران لن يكون لها أي رأي بهذا الأمر، خاصة وهي الآن تتعرض إلى ضغوطات وتهديدات أمريكية كبيرة، خاصة بعد رسالة ترامب الأخيرة لها، ولهذا هي ستكون منشغلة في وضعها الداخلي أكثر من وضع نفوذها في العراق وباقي دول المنطقة، التي خسرته في سوريا ولبنان."
ولعل في هذا التصريح ما يتجاوز التوصيف، ليبلغ مستوى التحذير: إيران التي انسحبت من شوارع دمشق، وغابت عن نقاشات بيروت، وارتبكت في ساحات بغداد، لم تعد الشريك الثقيل الذي يخشاه الغرب، بل الحليف الذي يُرثى له. ومع كل ضغط مالي، وعقوبة اقتصادية، ورسالة تحذير من واشنطن، تنكمش الأذرع الإيرانية أكثر فأكثر، وتتحول من مشروع إقليمي طموح إلى دولة تحاول النجاة من الغرق داخل حدودها. وفي ظل هذا التراجع، يبقى العراق بلا مظلة إقليمية حقيقية، مكشوفًا على قراراته، محاطًا بالأعداء، ومربوطًا بقيد أمريكي لا يُرى، لكنه يُحَسّ كاختناق في حلق القرار السياسي. لم يعد لإيران ما يكفي من القوة لتفرض رأيًا، ولا ما يكفي من النفوذ لتمنع الانهيار، وهي تدرك – قبل غيرها – أنها خسرت كثيرًا، وأن البقاء في العراق لم يعد مشروعًا استراتيجيًا، بل عبئًا إضافيًا على جسدها المنهك.
العراق بين مفترقين... والقرار يُصنع خارج الحدود
العراق، ذلك البلد الذي كان يصدر قراراته يومًا تحت قباب ملوكية وأروقة إمبراطورية، أصبح اليوم يترقب مصيره من على حافة هاتف خارجي أو تقرير من وزارة دفاع لا تعرف الجغرافيا بقدر ما تعرف المصالح. الوجود الأمريكي فيه لم يعد مجرّد حالة أمنية أو ضرورة عسكرية، بل تحوّل إلى معادلة وجودية، تكشف هشاشة البنية السياسية، وتعرّي التصورات الرومانسية عن "الاستقلال الوطني". فالعراق، كما يبدو، لا يستطيع أن يبقى معهم، ولا يملك أدوات البقاء بدونهم، وكأنه واقع في مساحة رمادية يتحكم بها الجميع، إلّا هو.
في هذا التناقض القاتل، تُصبح الدولة العراقية كأنها سفينة مشروخة تسير في بحرٍ هائج، لا تملك بوصلة، ولا تملك قرار العودة إلى الشاطئ. كل محاولة للانسحاب الأمريكي تعني زعزعة للتوازن الهش، وكل محاولة للبقاء تعني تجذيرًا لوصاية مرفوضة على الورق، مقبولة بحذر في الواقع. واشنطن تعرف هذه الحقيقة، وتدير اللعبة بحسابات دقيقة: لا انسحاب كامل، ولا التزام طويل الأمد… فقط وجود كافٍ لردع الخصوم، وضغط يكفي للهيمنة. أما بغداد، فهي العالق الأبدي في المنتصف، تنظر إلى طهران المُنهكة فلا تجد سندًا، وإلى واشنطن المتحفّظة فلا تجد حليفًا، وإلى الشارع المتذمّر فلا تملك له جوابًا.
والبقاء الأمريكي لم يُعلن، لكنه يتحقّق يوميًا بصمتٍ ثقيل، بين خوف سياسي من العقوبات، وتراجع إيراني عن الدعم، وعجز تام عن تخيّل عراق بلا ظلّ أمريكي يتمدد فوق أرضه، من البرلمان إلى غرفة العمليات.
هكذا يُختصر الموقف: القرار الأمريكي لم يُحسم، لكن القرار العراقي محسوم سلفًا... "ليس بيده".
المصدر: بغداد اليوم + وكالات