بادية شكاط لقد اشتد وهج الثورة الجزائرية بامتداد شعاعها في أقاصي الشرق والغرب،وبكفاح شعب أحيا أرضه بموته،فعرج إلى السماء وهو يأبى الإنكسار والإنحناء،فلم يتحسر لقوافل الشهداء،بل كان يزفها لصفحات التاريخ،لتقلبها كلما أرادت الغطرسة الفرنسية أن تقلب تلك الأمجاد إلى رماد،ثم تذره في عيون كل من قال “وجب للجزائر الإعتذار”،وتطمس الحقيقة الساطعة بأنها أرادت أن تصنع من الجزائر أمريكا جديدة،بشهادة ضباطها وعلى رأسهم الضابط الفرنسي برتران كلوزيل الذي قال:”يلزم أن نصنع أمريكا جديدة هنا بالجزائر،بإبادة سكانها الأصليين،كالهنود الحمر في العالم الجديد حتى يسود الجنس الأوروبي عدديًّا ويصبح الاستعمار استيطانًا دائمًا”.

أي أنهم استخدموا سياسة الإبادة لكل ما هو جزائري،تمامًا كما فعلت أمريكا مع الهنود الحمر، فتلك أقصر طريق لإفناء شعب على أرضه،وقد صرح بذلك الماريسشال سانت أرنو حين قائلا:”إن مراعاة القواعد الإنسانية تجعل الحرب في إفريقيا تمتد إلى ما لا نهاية “ فوضعوا تلك السياسة الوحشية في سياقات فلسفية،كالافكار النيتشوية الفارغة التي جعلت من التفوق العنصري مبررًا كي يرث الإنسان الأعلى ذاك الإنسان الأدنى،وفق منظومة من قيم الإستعلاء والعنصرية والتي تشد أركانها بلوثة من مشاعر الحقد والبغضاء،والعنف وكل سلوكيات العنف والإعتداء،فكان تأطيرها في قوالب فلسفية كفيل لدى إجرام فرنسا لتقويض كل أشكال العدالة والوحدة البشرية. فسياسة الإبادة الجماعية التي مارستها بكل غطرسة وعجرفة ضد الشعب الجزائري كانت لا تتغذى إلا على كل تلك القيم العنصرية الإستعلائية المقيتة،بما تحمل من مشاعر الحقد والعداء،والتي مالبثت أن تحولت الى إبادات فردية،حينما أطلقوا على الشعب الجزائري تسمية “الراكون”وهو حيوان يتسلل إلى خم الدجاج ويقوم بافتراسها في لحظات الغفلة،ولأنه وجب حسب قناعاتهم البليدة إبادة حيوان الراكون المفسد فكذلك وجب إبادة الجزائري أينما وجد،لأن الجزائري الجيد حسب الكولون هو الجزائري الميت. ومن صور تلك الجرائم الوحشية الفرنسية في حق الشعب الجزائري الأعزل مانسرد بعضه على سبيل الذكر لاالحصر : يقول الضابط الفرنسي ديريسون: “جرائم فرنسا في الجزائر جرائم يذوب لوحشيتها الصخر،وكثيرا ما حكمنا بالإعدام … ونفذنا ذلك رميا بالرصاص “ وكذلك ماكتبه الضابط ليون عن الأعمال الوحشية بمنطقة شرشال حيث قال:”لقد هدمت كثيرا من الدواوير وأزيلت من الوجود قرى بكاملها بعد إشعال النيران فيها وقطعت عدة آلاف من أشجار التين والزيتون وغيرها “ وتلك الإبادة قد شملت الرجال كما النساء،فقبيلة العوفية مثلا قد أبادها الجنرال ورفقائه بكاملها وكان عدد أفرادها 12000 جزائري،ليقيم بعدها معرضًا بباب عزون،حيث عرضت حلي النساء وهي مثبتة على سواعدهن المقطوعة وآذانهم المبتورة. وإذا ما نحن اتجهنا صوب منطقة جبال الظهرة فإننا نجد عملية وحشية أخرى يندى لها جبين الإنسانية التي يتشدقون بها،حيث تم قتل قبيلة أولاد رياح بأكملها في الكهف المسمى ب” غار الفراشيش” وكان عددهم يتجاوز الألف شخص بينهم نساء وأطفال وشيوخ، حين حاصرهم السفاح بيليسيه وجنوده بالغار من جميع الجهات،وأعطى الأوامر لجنوده بتكديس الحطب وإشعاله أمام مدخل المغارة ليختنق الجميع ويموتون. وتتكرر هذه الوحشية على يد العقيد بان في مدينة الاغواط،حيث يعترف هو نفسه قائلا:” لقد كانت مذبحة شنيعة حقا،كانت المساكن والخيام التي في ساحة المدينة والشوارع والأزقة،والميادين تغص بالجثث،حيث قتل من النساء والأطفال مايزيد عن ألفي قتيل”. فلقد جعل الإستدمار الفرنسي غاية وجوده في الجزائر،هو إبادة الإنسان الجزائري وطمس مايحمله من هوية إسلامية،يقول السياسي والمناضل ورئيس الحكومة الجزائرية المؤقتة “فرحات عباس” في كتابه ليل الاستعمار: “إن الاستعمار الفرنسي جعل نصب أعينه هدفًا واحدًا وهو تأهيل الجزائر وتعميرها بسكان أوروبيين يحلون محل الجزائريين،ولكن مساعيه في هذا الميدان أخفقت كل الإخفاق،نعم فإن إصرار الشعب الجزائري العنيد على البقاء فوق أرض الآباء والأجداد أحبط كل مساعي الاستعمار الرامية إلى تعمير بلادنا بجيش عرمرم من الأوروبيين “. غير أن فرنسا لم تحقق لها في الجزائر غاية ولم ترفع لها راية،يقول الماريشال والسفاح بيجو:”الجزائريون كلهم أهل حرب وبأس،وكلهم فرسان مغاور،يتقنون أينما إتقان امتطاء صهوات الخيل،ولكل واحد منهم فرس وبندقية،وكلهم يخوضون غمار الحرب من الشيخ الهرم البالغ من العمر 80 سنة إلى الطفل البالغ 15 سنة “ فبقي الشعب الجزائري راسخ الأقدام في تربة الكفاح بإقدام،حيث كانت راية “الله أكبر ” هي الأكبر من كل مستبد متجبر،أراد استبدال الهلال بالصليب،والمساجد بالكنائس،واللغة العربية بالفرنسية،وكم أحسن المفكر الكبير سيد قطب وصف حالة الشعب الجزائري في مواجهته للصليبية الفرنسية في مقاله:” كفاح الجزائر” حيث قال رحمه الله: “لم يَعرِف بلدٌ آخر في الشرق أو في الغرب ما عَرَفتْه الجزائر من أساليبِ الصليبية،حتى الأندلس وحتى فلسطين لم تَعرِفا هذه الأساليب،لقد امتدَّت هذه الأساليبُ إلى تفكيكِ التماسكِ العنصري والعائلي،وامتدَّت إلى تحطيمِ الأخلاق،وإزالةِ الصبغة العربية الدينية،وتمَّ هذا في غفلةٍ من العالم الإسلامي والأمةِ العربيةِ في القرن الماضي،وكانت الجزائر وحدَها في المَيْدَان،فلم يَكُن بجوارِها أحدٌ كما هو الآن” إلى أن قال في خلاصةِ نظرتِه الشخصية لكفاح الجزائر دون غيره: “لهذا كلِّه تخلص لي من كفاحِ الجزائرِ دلالةٌ لاتخلصُ لي من كفاحِ أيِّ بلدٍ آخر،دلالةٌ مطمئنةٌ تدعو للثقة،وإلى التفاؤل… إن هذا العالَم الإسلامي لن يَموتَ… إن المِحنَة التي عاناها في الجزائر لن يُعانِي مثلَها اليوم؛لأن الاستعمار لا يملك مثلها اليوم وبعد اليوم؛ولأن الأساليبَ التي جرَّبها في الجزائر لا يَعرِف العالَم لها نظيرًا”. وماحصل من أحداث قبل أيام في فرنسا من قتل الشاب الجزائري نائل من طرف الشرطة الفرنسية لهو دليل أن هذه العنهجية والعنصرية مازالت لها جذورها العميقة في العقيدة الفرنسية كعقدة أبدية،ولن نجادل في هذا المقام صواب مافعله الجزائريون أم خطأه،حين أحرقوا فرنسا التي أحرقت قلب أم جزائرية، فتلك بينة على كل من مشى بأنوار بصيرته في سبيل نيل الإستقلال والحرية،إنما الأمر أنه تأكد لدينا أن سيد قطب رحمه الله حين تكلم عن كفاح الشعب الجزائري قد تكلم أيضا عن إشكالات جوهرية حول تصور الدولة القطرية،حين قال أن العالم مقسم بين دارين:”دار الإسلام ودار الحرب،فدار الإسلام تهيمن عليها حاكمية الإسلام بمنهاجه،وتنتهي حدودها عندما لا يكون هناك حكم إسلامي،ومن ثمَّ تبدأ من بعدها دار الحرب التي يوصِّف قطب العلاقة معها بعلاقة “قتال” أو “عهد أمان” لا يوجب قتالا،بيد أنه أكَّد على أنه لا ولاء بين أهلها وبين المسلمن”. وهذا ماتبينه الأحداث الأخيرة إذ يقتل الجزائري في بلده الجزائر وخارجها فقط لأنه مازال تهديدا صارخًا لفرنسا بمايحمله من قيم دينية إسلامية تنافس قيمه الصليبية العنصرية والوحشية. فمتى تعرف فرنسا أن قتل جزائري واحد هو قتل لكل الأمة الجزائرية؟ وبأن الدم الجزائري قد رسم سبيل الحرية وسطر أعظم ملحمة تاريخية،وهو أثمن من أن يهان بطلقة شرطي جبان،يخاف أنفاس الجزائري وروحه الثورية؟ يقول المؤرخ الفرنسي بنيامين ستورا :”إن التَّاريخ يجمع بين الجزائريين والفرنسيين،لكن الذَّاكرة تفرقهم” تحيا الجزائر والمجد والخلود لشهدائها الأبرار. ممثلة الجزائر في منظمة اعلاميون حول العالم الدولية في النمسا

المصدر: رأي اليوم

كلمات دلالية: فی الجزائر

إقرأ أيضاً:

فضيحة الدرونز التي كشفت مشاركة فرنسا في إبادة غزة

في ليلة 17 يوليو/تموز 2014، كانت عائلة شحيبر التي تنحدر من غزة على موعد مع حادث أليم ومُعتاد في فلسطين المحتلة، حيث قصف جيش الاحتلال منزلهم. أما الهدف الإستراتيجي، فتمثل في قتل عدة أطفال: أفنان (8 سنوات)، ووسيم (9 سنوات)، وجهاد (10 سنوات)، الذين استُشهِدوا وهم يُطعِمون الحَمام على سطح المنزل، فيما تسبب القصف في استشهاد طفلين آخرين.

بعد القصف مباشرة، بدأت منظمتان حقوقيتان هما "الميزان" الفلسطينية و"بتسيليم" الإسرائيلية في البحث عن السبب الحقيقي وراء الاستهداف، لكنها خلصت إلى عدم وجود أي هدف عسكري في منزل شحيبر حسب ما أكدته الأمم المتحدة نفسها بعد ذلك في تقرير نشرته في يونيو/حزيران 2015.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2كيف جندت إسرائيل باحثين من "إم آي تي" لصالح جيشها؟list 2 of 2القنابل الخمس التي تستخدمها إسرائيل في إبادة غزةend of list

هناك سؤال ثانٍ كان يؤرق المحققين المستقلين حيال السلاح الذي استُخدِم في القصف، وما أثار الاهتمام في أثناء تنقيب المحققين هو أسطوانة سوداء حملت نقوشا مسحها الانفجار جزئيا وعليها كُتب "أوروفارد ـ باريس ـ فرنسا".

بسبب هذا الاكتشاف رفعت أسرة شحيبر دعوى في فرنسا ضد شركة "إكسيليا"، بسبب تواطؤها المحتمل في جريمة حرب اقترفتها إسرائيل في عملية "الجرف الصامد". تقول هذه الأسطوانة الكثير عن الدعم العسكري والتقني الفرنسي لصالح جيش الاحتلال، وأحدث فصل فيه ما كشف عنه موقع "ديسكلوز" في تحقيق يورط فرنسا في جرائم إسرائيل في حق أهل غزة أثناء حرب الإبادة الدائرة حاليا.

إعلان رمادية فرنسية

قبل انطلاق الحرب على غزة يوم 13 أكتوبر/تشرين الأول 2023، كانت فرنسا رسميا وإعلاميا أيضا تصرح بالدعم الكامل لجيش الاحتلال للرد على ما حدث في السابع من أكتوبر. لكن إسرائيل حولت هذا الزخم الغربي من التعاطف إلى الإقدام على جرائم حرب يصعب إخفاؤها.

بدأ التوجس يجد طريقه إلى أروقة الداعمين الغربيين، خصوصا مع ارتفاع الأصوات الرافضة للإبادة في الرأي العام الغربي، ومحاولاته الضغط على صناع القرار لوقف تصدير السلاح إلى إسرائيل.

في فرنسا، سبق أن وجَّه 115 برلمانيا في أبريل/نيسان من عام 2024 رسالة إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مطالبين إياه بإيقاف مبيعات الأسلحة إلى إسرائيل، لأن أي تحرك عكس ذلك يعني ضلوع باريس في الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني.

قبل ذلك بأيام، كان مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قد أصدر قراره بحظر تصدير الأسلحة إلى دولة الاحتلال، وصوَّتت 28 دولة لصالح هذا القرار، فيما اعترضت 6 دول على رأسها الولايات المتحدة وألمانيا، أما فرنسا فوجدت لنفسها مكانا مريحا في المنطقة الرمادية التي جلست فيها 13 دولة من الممتنعين عن التصويت.

يتسق موقف فرنسا من هذا القرار الأممي مع موقفها العام حيال حرب غزة، وملف تزويد إسرائيل بالأسلحة، أو ببعض القطع التي تستعملها تل أبيب في صناعة أسلحتها التي توجهها في الغالب نحو الفلسطينيين العُزّل.

منذ بداية الحرب على غزة، سلكت فرنسا مسلكا يرقص على جميع الحبال، فهي لم تعلن قطع أي تعامل عسكري مع دولة الاحتلال، لكنها في الوقت نفسه نزلت بهذا التعاون إلى أقل درجة ممكنة، بحيث تحافظ على خيط رفيع يربطها بتل أبيب، مع بذل كل الجهد المطلوب للمحافظة على هذا الخيط من الانقطاع.

موضوعيا، لا تُمثِّل تجارة الأسلحة بين فرنسا وإسرائيل إلا 0.2% فقط من 27 مليار يورو من صادرات باريس إلى دول العالم التي يمكنها استعمالها عسكريا أو في مجالات تقنية أخرى وتكون غالبا مجرد قطع غيار، حسب تصريح سيباستيان ليكورنو، وزير القوات المسلحة الفرنسي.

إعلان

لا تمانع فرنسا من تبادل المساعدة مع الإسرائيليين فيما يخص بيع الأسلحة، لكن المساعدة تخضع لحسابات أخرى أفصحت عنها مصادر لصحيفة "لوموند" أثناء التحقيق الذي نشرته الجريدة الفرنسية عام 2021 حول برنامج "بيغاسوس" للتجسُّس، حيث يقول المصدر: "نحن قريبون من الإسرائيليين بمسافة تسمح لنا أن نعرف ماذا يفعلون، لكن في الوقت ذاته، لدى فرنسا رغبة واضحة في عدم مساعدة إسرائيل في أي عمليات تقوم بها في غزة، لذلك لا نريد أخذ أي مجازفة في إرسال بعض الأسلحة التي قد تُستعمل في ذلك".

أسلحة فرنسا.. للدفاع فقط

في تقرير لها في 28 أبريل/نيسان الماضي، أفادت صحيفة "لوموند" أن فرنسا حتى قبيل الحرب الأخيرة على غزة كانت تزود إسرائيل بقطع ضرورية لصنع القذائف المدفعية، لكن في أكتوبر/تشرين الأول 2023، قررت باريس وقف العقود الخاصة بهذه القطع.

وتشير تقارير البرلمان الفرنسي الصادرة عام 2023 إلى أن فرنسا أرسلت إلى إسرائيل عددا من المعدات الخاصة بتدريع السيارات والمراقبة عبر الأقمار الصناعية.

بعيدا عن المعلومات التي جاءت في وسائل الإعلام الفرنسية، ثمَّة أخبار أخرى أكثر لفتًا للأنظار، منها التحقيق الاستقصائي الذي نشره موقع "ديسكلوز" الفرنسي في مارس/آذار 2024، وقال إن باريس سمحت في نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2023 بإرسال شحنة تضم ما لا يقل عن 100 ألف خرطوشة (ما يغلّف الطلقة)، انطلقت من مرسيليا عبر شركة "أورولينكس" الفرنسية المتخصصة في صناعة المُعدات العسكرية.

يشير التحقيق إلى أن حجم الشحنة وصل إلى 800 كيلوغرام من الذخائر أُرسِلَت إلى شركة "آي إم آي سيستمز" الإسرائيلية، المُزوِّد الحصري للجيش الإسرائيلي لهذا النوع من الذخائر، ويتعارض هذا التمويل المباشر مع تأكيد باريس عبر قياداتها السياسية أن الأسلحة والمعدات الدفاعية فقط هي ما تصل إلى تل أبيب.

إعلان فضيحة المُسيَّرات

مع جولة خفيفة في مواقع التواصل الاجتماعي للعالقين في غزة، نجد أن صوت الخلفية المشترك بين الفيديوهات يغلب عليه ضجيج الطائرات المُسيَّرة، أو ما ُسميه أهل غزة بـ "الزنّانات".

شكَّلت حرب غزة فرصة لإسرائيل لتفعيل الكتيبة 166 التي تحمل اسم "سرب الطيور النارية"، بحسب ما نشر موقع "إسرائيل ديفِنس"، والهدف من هذه الطائرات هو مراقبة غزة، ثم تنفيذ الضربات. وضمن هذا السرب هناك الطائرة "هيرميس 900" التي يصل طولها إلى نحو 15 مترا، وهي قادرة على الطيران لمدة 30 ساعة متواصلة، وعلى ارتفاع 9000 متر.

لا يحتاج الضباط الذين يوجِّهون هذه الطائرات إلا إلى غرفة تحكم تبعد مئات الكيلومترات عن مسرح العمليات، ثم تنفيذ الضربات مستفيدين من الدقة الكبيرة التي توفرها هذه الطائرات الحديثة، حيث بإمكانها مثلا الإجهاز على سائق سيارة على بُعد 5 أو 10 أمتار دون إصابة أي راكب آخر في السيارة نفسها، رغم أن الاستعمال الإسرائيلي لهذه الأسلحة لا يهتم كثيرا بالقتلى المدنيين.

في تحقيق جديد حول صفقات السلاح بين فرنسا وإسرائيل، نشر موقع التحقيقات الفرنسي "ديسكلوز" وثائق تُثبت تورط شركة "تاليس" الفرنسية، التي تمتلك الدولة 26% من أسهمها، في تسليم إسرائيل مجموعة معدات إلكترونية تساعد في جمع قطع طائرة "هيرميس 900″، من بينها قطعة "TSC 4000 IFF"، وهي تساعد هذه المُسيَّرات على تجنُّب الصواريخ والمُسيَّرات "الصديقة" التي قد تعترض طريقها، حتى لا تسقط الصواريخ الموجهة نحو الفلسطينيين على الإسرائيليين أنفسهم.

يشير التحقيق إلى أن 8 قطع من هذه الأجهزة أُرسِلَت فعلا إلى إسرائيل بين ديسمبر/كانون الأول 2023 ومايو/أيار 2024، أي بعد أشهر من انطلاق العمليات الإسرائيلية في غزة.

ويسلط التحقيق الضوء على إشكالية مراقبة العقود السرية التي تعقدها الجهات العليا الفرنسية مع بعض الدول ومن بينها إسرائيل، وذلك رغم خروج وزير الدفاع الفرنسي يوم 20 فبراير/شباط 2024 أمام البرلمان مؤكدا أن جميع القطع التي تُرسَل إلى إسرائيل عبارة عن معدات يُتأكَّد من نوع الآليات التي تُستَعمل فيها.

إعلان

يعود هذا التعاقد السري بين فرنسا وإسرائيل إلى 2 مارس/آذار 2023، حين اشترت شركة "إيلبيت سيستيمز" الإسرائيلية المصنعة لطائرات "هيرميس 900" ثماني قطع إلكترونية بمبلغ 55 ألف يورو للقطعة الواحدة من جهات فرنسية (440 ألف يورو إجمالا). وصل الطلب بعد أسابيع من انطلاق الرد الناري على هجمات 7 أكتوبر، في الوقت الذي كانت تحذر فيه الأمم المتحدة من أن النيران الإسرائيلية غالبا ما تطول النساء والأطفال الرضع.

طائرة هيرميس 900 الإسرائيلية المسيّرة (غيتي)

ورغم ذلك، يقول موقع "ديسكلوز" إن وزارة الدفاع الفرنسية لم تحترم الاتفاقيات التي وقَّعت عليها بعدم بيع أسلحة لجهات تستهدف المدنيين، بل واصلت دعم تحركات حكومة نتنياهو في تدمير قطاع غزة.

كانت فرنسا قد واجهت في وقت سابق دعوة من 11 منظمة حقوقية تتزعمها منظمة العفو الدولية "أمنستي" بسبب إرسالها أسلحة إلى تل أبيب، مع العلم أن الأخيرة لا تجرب أسلحتها ولا الأسلحة التي تحصل عليها من حلفائها إلا في مواجهة الفلسطينيين.

سكوربيون

تجمع فرنسا وإسرائيل علاقة تسليح وتكنولوجيا وطيدة، ويكشف تحقيق مهم لموقع "أوريان 21" عن العلاقة بين جيش الاحتلال وجهاز الدفاع الفرنسي، وعن الغموض الكبير الذي يكتنف هذه العلاقة، التي تشهد تعاونا بين الفرنسيين والإسرائيليين على حروب المستقبل التي سيكون أبطالها الروبوتات والطائرات المُسيَّرة.

تمتاز العلاقات بين فرنسا وإسرائيل بنوع من الودية، وإن كانت قد تعكرت في الفترة الأخيرة، بيد أن الأمر ليس بذلك الوضوح أو الشفافية فيما يتعلق بالجانب العسكري، لأن العلاقة تتأرجح بين الود والمنافسة، بل تصل أحيانا إلى الاختراق. لا يحب الفرنسيون الطريقة التي يتعامل بها الإسرائيليون في مجال الصناعات العسكرية، فهم يكسرون الأثمان بهدف الاستيلاء على أسواق السلاح.

وليس هذا فحسب، بل أصبح جيش الاحتلال منذ سنوات يتوجه إلى أهم الأسواق التقليدية التي كانت فرنسا تتمتع بالأفضلية المطلقة فيها لينافسها هناك، وهي سوق أفريقيا.

إعلان

منذ اتفاق أوسلو، استثمرت إسرائيل كثيرا في القارة السمراء، خصوصا في مجال حماية الأنظمة القائمة. وفي السياق نفسه، حافظ الإسرائيليون رغم ذلك على نوع من التعاون مع الفرنسيين كما حدث في الكاميرون، حيث دعموا الجيش الكاميروني للقتال ضد جماعة "بوكو حرام"، وأقدم مرتزقة إسرائيليون على تأطير كتيبة التدخل السريع، التي تعمل تحت قيادة الرئاسة مباشرة، وجهز الإسرائيليون كتيبة التدخل السريع ببنادق كانت حتى الأمس القريب لا تأتي إلا من الصناعة الفرنسية.

تجاوز تأثير السلاح الإسرائيلي رعايا فرنسا السابقين من الأفارقة إلى فرنسا نفسها. وصحيح أن جيش الاحتلال منذ بدء عدوانه الغاشم على غزة قد استعان بكل مَن له إبرة يمكنها أن تغطي حاجتها العسكرية لإبادة غزة وسكانها، إلا أن الإسرائيليين في الظروف العادية يؤثّرون بالفعل في مجال التسليح والدفاع الفرنسي، مع أن العكس ليس صحيحا بالضرورة.

ففي خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كانت فرنسا هي التي تبيع الأسلحة لجيش الاحتلال، أما اليوم، فأضحت تل أبيب تبيع لباريس، إذ استوردت فرنسا أنظمة المراقبة الإلكترونية والمُسيَّرات، وحتى الجنود الآليين. ولا يُخفي الفرنسيون انبهارهم بالتكنولوجيا الإسرائيلية، وبالقليل من البحث، يمكننا الوصول إلى بعض نتائج هذا التعاون الخفي، أما الفاكهة المسمومة الأكثر نضجا هي "برنامج سكوربيون".

لا يعلم الفرنسيون الكثير عن برنامج خفي يسمى "تآزر الاتصال المعزز بتعدد الاستخدامات وتثمين المعلومات"، المعروف اختصارا بـ"سكوربيون"، وهو برنامج "ذكي" سيدخل في قلب إستراتيجية القوات البرية الفرنسية للعقدين المقبلين.

أهم نقطة في برنامج "سكوربيون" هي تطوير قيادة رقمية واحدة تعتمد على وصلة مشتركة، تسمح للجنود المختلفين والأدوات العسكرية المنتشرة، وبالخصوص المُسيَّرات والروبوتات، بالاتصال في وقت واحد لاستباق أي ردود فعل يقوم بها العدو المفترض.

إعلان

لذا، سيتمكن الجندي الفرنسي من الحصول على جميع هذه المعلومات عبر مواقع "جي بي إس" خاصة بالبرنامج، الذي عملت عليه شركة "إلبيت" الإسرائيلية، من أجل حرب "بدون ضوضاء"، وبحيث يُتيح هذا النظام الاستباقي لفرنسا أن تتجنَّب مقتل العديد من جنودها عبر قراءة التحركات الاستباقية لعدوها.

عمل جيش الاحتلال على تطوير تقنياته عبر تجريبها في غزة وفوق جثث أهلها، ولذلك تمكن من التقدم في نقاط ثلاث: أولها محو أصوات محركات المُسيَّرات، وثانيها تصغير حجمها وتطويرها بحيث يماثل حجمها حجم الحشرات، وأخيرا القضاء على أي آثار رقمية لها مع تحديد إشارات العدو.

كل هذا وأكثر يوجد في برنامج "سكوربيون" الذي لا تقتصر أهميته في الصناعة الفرنسية على الاستخدام، بل تتجاوزه إلى التصدير، حيث أبدت بعض الدول، ومنها دول عربية، حماسها الشديد للحصول عليه، وهو برنامج وصل بالطبع، قبل كل هؤلاء المشترين، إلى جيش الاحتلال الإسرائيلي.

وبذلك يبدو الموقف "المحايد" الذي تحاول القيادة السياسية في فرنسا اتخاذه من حرب الإبادة الحالية، موقفا لا تعضده مواقف الجانب العسكري، الذي بات بصورة أو بأخرى جزءا من هذه الحرب، وجزءا من آلة القتل التي تحرق وتدمر يوميا كل ما تطاله دون رادع.

مقالات مشابهة

  • وزير الخارجية الفرنسي يزور الجزائر لتجاوز أسوأ أزمة بين البلدين
  • فضيحة “الدرونز” التي كشفت مشاركة فرنسا في إبادة غزة
  • السد القطري يتضامن مع نجمه الجزائري عطّال بعد حكم سجنه في فرنسا
  • الأمن الجزائري يمنع تظاهرة مؤيدة لغزة من الوصول إلى السفارة الأمريكية (شاهد)
  • فضيحة الدرونز التي كشفت مشاركة فرنسا في إبادة غزة
  • وزير الخارجية الفرنسي يزور الجزائر الأحد.. الهدف طي صفحة التوتر بين البلدين
  • فرنسا تجدّد دعمها لسيادة المغرب على صحرائه (وزير الخارجية الفرنسي)
  • عشية زيارته للجزائر…وزير الخارجية الفرنسي يجدد التأكيد على دعم فرنسا سيادة المغرب على الصحراء(فيديو)
  • بن جامع: لن تستطيع قوةٌ اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه
  • بن جامع: لن تستطيع قوة اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه