نهال علام تكتب: جميل هو عالم الطفولة
تاريخ النشر: 12th, November 2023 GMT
جميل هو عالم الطفولة.. بريء في أفكاره، حالم في تصوراته، لا حد لإبداعاته و لا حدود لخيالاته، فهي عالمه الذي يخبره أنه موجود وقادر أن يغير الوجود، لكن لا شك أن ذلك الخيال هو ما يصنع واقعاً أجمل في غد أفضل وحياة أكثر تقبلا وتفاصيلها أسهل.
فقطعا ستجد الأطفال الصغار ممن لعبوا بالأمس بالكبشة والحلة هم أمهر طهاة اليوم، ومن أمسك البارحة بالقلم أو سماعة الطبيب ربما هو اليوم أديب نجيب أو طبيب في مجاله فريد، ومن خلط الألوان دون تفكير بالإذعان لقواعد الثواب والعقاب قد أصبح فنان، وربما لا يمتد الأمر لمن غنى في السر فالإبداع يولَد في الجهر ويحتاج لجرأة وقلب جسور، ليُولِد الأمل ويخلق واقع مأمول.
الإبداع هو البذرة التي إذا ولدت في أرض خصبة قوامها الاقتناع والدعم لطرحت شجرة من الإمتاع الذي قد يطرح ثمراً يحقق للبشرية الكثير من الراحة والاستمتاع، والأمر ليس مقتصراً على الفنون والأداب، ولكن أيضا تلك التي تمتد للعلوم والحساب، فحياة البشر هي حصيلة عطاء بشر اخرين كانوا يوما حالمين حتى أصبحوا بأفكارهم عطاءين ومغيرين وعلى قدر التحدي كانوا مستعدين.
على مدى عقود طويلة خسارتنا فيها كانت فادحة وجسيمة فالشكوى الدائمة من مصرنا الغالية، أنها ليست حضناً دافئاً للأفكار المغايرة والمبدع والمفكر لا محل له من الإعراب، والقدرات العلمية والمواهب الفنية لا تجد من يرعاها فيأكلها اليأس كما أكل النمل منسأة سليمان، أما إذا حالف صاحبها ضربة حظ وانتصر على ضباب الواقع، وعُبد له القدر ورأي إبداعه بصيص احتمال سينتهي به الأمر وهو وأفكاره حبيسي الدُرج ومقيدي اليد وذلك أول خطواته ليتهاوى على الدَرَج ويصبح هو وأماله مجرد خيال أعرج.
تبدلت الأيام ومرت السنوات العجاف التي ما كان فيها للمبدع أمل، ولا للمختلف شأن ولا عمل، واليوم نحن في عهد مختلف كان الرِهان فيه على كل من عانى لعقود وربما لقرون من التجاهل والتهميش.
على مدار العشر سنوات الماضية، وهي الفترة التي تولى فيها الرئيس عبد الفتاح السيسي سُدة الحكم، تصدرت أولوياته الانحياز لكل من وصمه المجتمع على مرأى ومسمع الجميع أنهم أقلية أو غير مؤهلين ولن يكونوا أبداً متمكنين لذا لا داعي لأن يكونوا ممكنين.
وجاء الرد بالعمل.. وأسأل المرأة والشباب وذوي الهمم، وإذا أردت أن يصيبك الأمل ابحث عن المبادرات الرئاسية لرعاية الموهوبين والتي نتج عنها كابيتانو وبرنامج الدوم وكل المبادرات الواعدة التي تقدم بشكل يومي من خلال حياة كريمة.
أما إذا أردت أن تحلق في عالم الخيال الذي وطأ أرض الواقع فنشر الوعود والأمال بغد لا يشبه الأمس، فكيف ذلك وهناك مصريون مجتهدون وهبوا عمرهم للقيام بأعمال تصنع مستقبل مليء بالأحلام والأمال، وقيادة واعية بمفردات الغد ومتطلبات الأمان.
وذلك ما لامسته بالدورة الثانية للمبادرة الوطنية للمشروعات الخضراء الذكية، ولمسته في عيون الحضور في تلك الفاعلية التي تقيمها وزارة التخطيط تحت رعاية رئيس الجمهورية وبالتنسيق والتكامل مع كل الوزارات والمحافظات والمحليات في الجمهورية، وذلك لعرض المشروعات التي تنطبق عليها شروط المبادرة، وهي أن تكون تلك المشروعات مراعية للاشتراطات البيئية وتسهم بشكل فعال في تقليل التلوث مما يؤثر إيجابيا في أجندة الدولة المصرية لمجابهة التغييرات المناخية وتبعاتها الاقتصادية.
كما تعني المبادرة بأن تكون المشروعات المقدمة تعمل في إطار تنفيذ الإستراتيجية الوطنية لتغير المناخ 2050، وتحقق أهداف التنمية المستدامة في سياق تنفيذ رؤية مصر 2030 من خلال الحفاظ على البيئة لتحسين نوعية الحياة ومراعاة حقوق الأجيال القادمة، والتي ما بقي على خطة تنفيذها إلا سبع سنوات، وتلك فترة في عُمر العمل قليلة، وإذا لم تكن مشمولة بكل الجهود الخلاقة التي تبذل من أجل تحقيق أهدافها فلن تصبح حقيقة.
الدمج والتمكين لكل الفئات العمرية والاختلافات الفردية والتنوعات المجتمعية وشمولية كل المناطق الجغرافية من أهم أهداف المبادرة الأساسية، لذا على مدى الدورتان تم عرض ما يقرب من 12 ألف مشروع عامل وفاعل وواقع على الأرض، وليست بعض أفكار حالمة سجينة البيروقراطية الظالمة.
وتقوم المبادرة على فكرة رائعة، وهي فكرة التنافسية التكاملية، فلا مكان فيها لخاسر الكل بمشاركته حقق الجائزة الكُبرى، والجوائز المالية هي من نصيب المشروعات الأقرب للكمال، فمن ضمن أهداف المبادرة ألا ترد فكرة، بل يتم تقويمها ومساندتها ودعمها، ويسخر لها كل سُبل المشورة والمراجعة والتطوير حتى تصبح جديرة بالتحقيق.
المبادرة واقعية جاءت لتواكب كل التغيرات العالمية وذلك بتعظيم استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في إطار خطة الدولة للتحول الرقمي، كما تهدف إلى وضع خريطة على مستوى المحافظات للمشروعات الخضراء والذكية وربطها بجهات التمويل، وجذب الاستثمارات اللازمة لها باستثمارات مصرية وعالمية، وربما في كلمات أكثر بساطة أن تواجه المشكلات ليس فقط بالحلول اللازمة لمواجهتها ولكن أيضا بتلك التي تضمن الاستفادة الاقتصادية منها، وذلك تفكير غاية في العبقرية.
تستهدف المبادرة المشروعات الخضراء الذكية والتي تقع ضمن ست فئات مختلفة لتكون المنافسة بين المشروعات المتقدمة في كل فئة بشكل منفصل لضمان تكافؤ الفرص لجميع المشاركين، وليقف الجميع على نفس الأرض في مسطرة التنافس ولتحقق رؤيتها في التكامل.
مصر تتغير، وملامحها تتجمل برتوش العلم والعمل، ومسيرتها تتحول لتواكب دروب التقدم وتواجه تحدياته وتحل مشكلاته وتقضي على تعقيداته، بخطوات مختلفة ورؤية للمرة الأولى في عمر الوطن نطبقها وبالمعايير العالمية نطابقها، غد مصر ليس كأمسها وذلك ما تثبته القيادة السياسية وتطبقه وزارتها الحكومية، وحققته وزارة التخطيط وضربت نموذجا في حسن التنسيق والتكامل والتخطيط مع كل الجهات الحكومية وأثبتت أن عصر الجزر المنفصلة قد ذهب بلا عودة.
والفائز الأكبر هو المواطن الذي سيجني ثمار تلك المبادرة، والمساهمات الفعالة التي سيقدمها 12 ألف مشروع بصورة عامة وبصفة خاصة المشروعات الثمانية عشر الفائزة هذا العام ومثيلاتها الفائزة في العام السابق، والتي حققت كل شروط المبادرة في تحقيق رؤية الدولة المصرية لجذب وتشجيع فرص الاستثمار البيئي والمناخي، والتي تحد من التغيّرات المناخية في جميع ربوع الجمهورية، وقدمت حلولاً صديقة للبيئة تتعامل بابتكار مع تحديات تغيّر المناخ وتعزز جهود التحول للاقتصاد الأخضر لمستقبل أخضر، ومن أجل هدف أكبر أن يجد كل حالم ذو عود أخضر أرض خصبة تستوعب إبداعه وتلبي طموحاته وتحقق خياله ولا تصبح أحلامه مجرد وهم أحمق.
المصدر: صدى البلد
إقرأ أيضاً:
مونيكا ويليم تكتب: كيف تؤثر الطاقة في مسار الصراع الروسي الأوكراني؟
مثلت الطاقة محورًا أساسيًا في النزاعات الدولية، لا سيما في الصراعات التي تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والجيوسياسية. وفي سياق الحرب الروسية الأوكرانية، برزت مسألة استهداف البنية التحتية للطاقة كأحد الأدوات المستخدمة للضغط المتبادل بين الطرفين. ومع ذلك، شكّلت المباحثات التليفونية بين الرئيس دونالد ترامب والرئيس بوتين والتي استمرت لمدة 90 دقيقة محطة هامة في مسار التهدئة وخفض التصعيد منذ أكثر من ثلاث سنوات والتي توافقت على ضرورة إقرار السلام الدائم على أن يتم البدء بهدنة تفضي بعدم استهداف البنية التحتية الطاقية، وذلك على الرغم من تبادل الجانبين الاتهامات بانتهاكه، وعلى هذا الأساس ينظر إلى هدنة الطاقة في الحرب الروسية الأوكرانية، كونها تخضع إلى الضرورات الاستراتيجية وحسابات القوى الدولية.
ومع تحليل البيانات الصادرة بين البيت الأبيض والكرملين بشأن المباحثات المشار إليها عاليه، تلاحظ اختلافات كبيرة بينهما، فأبرز تلك الاختلافات، تتمثل في أن البيان الصادر من قبل الكرملين، تناول المباحثات بشيء من التفاصيل برزت من خلال سرد شروط روسيا لوقف أطلاق النار بشكل شامل ومستدام في أوكرانيا وهو ما ينفذ من خلال وقف الإدارة الأمريكية عن تسليح أوكرانيا أو تقديم الدعم العسكري لها ، أو تعبئة أوكرانيا فضلا عن ذلك وقف التعاون الاستخباراتي مع أوكرانيا خاصة في ظل حصار 10 ألف جندي أوكراني في العملية العسكرية في كورسك وفقدانها أبرز الوحدات القتالية وبالتالي فقدان عدد من الأسلحة النوعية والتكتيكية كالقذائف المدفعية، ومدافع هاو تزر والعربات لقتالية المطورة ، كما فقدت أوكرانيا حوالي 300 عربيات برادلي لنقل الجند من طراز M1s ؛ وهو بدوره ما يعرقل العمليات الهجومية لدي أوكرانيا، ويؤكد عدم تفعيل الاتفاق سريعًا بل سيترقب ويتوقف الأمر علي ضمانات من قبل الإدارة الأمريكية بوقف أطلاق النار.
في حين تناول بيان الولايات المتحدة بعض الملفات التي لم يتم الإشارة إليها؛ إلا أن النقطة المشتركة هو وقف استهداف البنية التحتية النفطية وقذف منشأت الطاقة والتي تمثل أداة أساسية للتفاوض وهو ما يعد تقدماً.
وفي هذا الإطار سوف تركز هذه المقالة على عدة أبعاد منها موقع الطاقة في المفاوضات مع التطرق إلى عمق الدوافع البرجماتية لدي الولايات المتحدة لحل الأزمة.
وعليه هناك عدة تساؤلات من قبيل هل تعد تلك الهدنة بمثابة هدنة تكتيكية جزئية خاصة بقطاعي الطاقة والبنية التحتية؟ هل سيدخل اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ؟
باستذكار الملابسات المتعلقة بالهجمات على منشآت الطاقة كجزء من جهود كلا البلدين لإضعاف الآخر، إذ كانت الهجمات الروسية على البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا جزءاً أساسياً من جهودها لإخضاع البلاد ، قد بدأت روسيا بمهاجمة البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا في أكتوبر 2022 بعد أن اتضح ضرورة أن يصاحب خطتها الأولية حرب استنزاف لتحقيق نصر سريع على الأرض،وبالتالي أصبحت فيها البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا هدفاً رئيسياً.
أما بالنسبة لأوكرانيا، فتهدف الهجمات على المنشآت الروسية إلى خفض عائدات روسيا المترامية الأطراف، وعلى هذا الاساس بدأت أوكرانيا باستهداف البنية التحتية للطاقة الروسية بشكل متكرر في أوائل عام 2024، في محاولة لإلحاق الضرر بالاقتصاد الروسي خاصة قطاع النفط والغاز وذلك لتحقيق هدف مزدوج يتمثل في خفض عائدات النفط الروسية التي تُستخدم لتمويل الجيش الروسي والحد من إمدادات الوقود إلى جانب إحداث تأثير نفسي من خلال إشعال حرائق واسعة النطاق.
وعلي مدار العام الماضي، صعدت أوكرانيا هجماتها حيث تسللت طائرات أوكرانية مُسيّرة إلى عمق الأراضي الروسية، مُستهدفةً مصافي نفط ومستودعات ووحدات تخزين وأنابيب ومحطات ضخ؛ وقد أدت هذه الهجمات إلى تعطيل تدفقات النفط التي تمر عبر محطات النفط البحرية الروسية وخط أنابيب دروجبا.
وعند محاولة استقراء تأثير تلك الهجمات علي مصافي النفط علي خفض قدرة التكرير في روسيا، تبين وفقاً للعديد من التقديرات أنها بلغت نحو 10% إلا ان الشركات الروسية تمكنت من تفادي تلك التأثيرات سريعاً.
واستكمالا للتطرق في هذا البعد، وبالنظر إلى أن الصراع الروسي الأوكراني قد غير خريطة إمدادات الطاقة عالمياً، فمن المتوقع أن تُغير نهايته العديد من المعادلات بالأسواق، فوفقا لتوقعات بنك جولد مان ساكس أن تنخفض أسعار الغاز في أوروبا بنسبة تتراوح ما بين 15-50% وذلك ترجيحاً بعودة جزء من الغاز الروسي إلى أوروبا، وفي الوقت نفسه تتباين التقديرات الدولية فيما يتعلق بالتأثير على أسواق النفط، ففي حين يرجح بنك جولد مان ساكس التأثير على أسواق النفط تأثيراً محدوداً، وذلك لان النفط الروسي محكومًا بالاساس بقرارات الأوبك بلس.
في حين أن بنك أوف أمريكا (Bank of America) يرجح أن الزيادة في أمدادات النفط الروسي للأسواق العالمية، بنحو 1.2 مليون برميل يومياً بعد رفع العقوبات قد يسهم في هبوط الأسعار بنحو 5- 10 دولار للبرميل ما تسعي إليه أيضا الولايات المتحدة الأمريكية.
وتأسيسا على ذلك، وُيمكن النظر إلى كافة المحاولات بأنها مفاوضات تكتيكية لبحث آلية وقف أطلاق النار فأي مفاوضات مع الجانب الأوكراني هي مفاوضات جزئية كون روسيا لا تعترف بشرعية النظام الأوكراني علاوة على ذلك، حالة انعدام الثقة المرسخة بين الجانب الأوكراني والروسي والتي تنامت بعد توقيع اتفاقية الحبوب في تركيا عام 2022.
وهو الأمر الذي يدفعنا للبحث عن الأسباب البرجماتية الدافعة للولايات المتحدة لحل الأزمة، فهناك معضلة تبرز في رغبة روسيا في الاعتراف بانتصارها والضغط على أوكرانيا لاستسلامها، ولكن في المقابل ماذا تريد الولايات المتحدة؟
الإجابة تتلخص في عدة مشاهد متناثرة ومترابطة في آن واحد، وبالتالي هناك تفاهمات متشابكة أولاً، ثمة صفقات متعلقة بالحفاظ علي النفوذ الأمريكي داخل منطقة جنوب وشرق أسيا وأيضا الشرق الأوسط وذلك من خلال استغلال العلاقات الاستراتيجية التي تربط روسيا بالصين وأيضا بكوريا الشمالية و ايران ، وبالتالي فك الحلف العسكري الذي برز بين روسيا والصين وكوريا الشمالية وايران علي خلفية تصاعد الصراع الروسي الأوكراني.
فضلا عن عودة الشركات الأمريكية إلى القطاع الاقتصادي الروسي وذلك بعد خسارتها قرابة 300 مليار دولار وتقدر عدد الشركات 1000 شركة ، وفي الوقت نفسه تتبلور البرجماتية الأمريكية في هذا الإطار لأنه باستمرار هذه الحرب تزداد المخاوف باحتمالية نشوب حرب عالمية ثالثة.
ختاماً، يمثل الاتفاق على تحييد المنشآت النفطية من الاستهداف العسكري خطوة مهمة نحو احتواء التصعيد في الحرب الروسية الأوكرانية، كما يعكس الأهمية المتزايدة للطاقة كعامل مؤثر في مسار النزاعات الدولية. وعلى الرغم من أن هذه الخطوة قد تسهم في خلق بيئة أكثر استقرارًا للمفاوضات، فإنها تظل مرهونة بالتطورات الميدانية والسياسية ومدى التزام الأطراف المعنية بها. وفي ظل التوازنات الدولية المتغيرة، يبقى السؤال الأهم: هل يكون هذا الاتفاق مقدمة لحل شامل، أم مجرد هدنة مؤقتة في صراع أعمق تحكمه اعتبارات استراتيجية معقدة؟