الملتقى التركي العربي: قطر بوابة عبور إلى أسواق آسيا
تاريخ النشر: 9th, November 2023 GMT
نظمت مجموعة «الاقتصاد والأعمال» بالشراكة مع الحكومة التركية ممثلة بوزارتي المالية والخارجية، الدورة الـ 14 من الملتقى الاقتصادي التركي-العربي الذي عقد في فندق «شيرهان كمبنسكي» اسطنبول تحت شعار «عصر جديد للشراكة». وانعقد الملتقى بالاشتراك مع اتحاد الغرف وتبادل السلع التركية (TOBB) وبالتعاون مع جامعة الدول العربية واتحاد الغرف العربية.
واكتسب الملتقى أهمية خاصة من حيث توقيت انعقاده، سواء بالنظر إلى الحضور الوزاري العربي والتركي، إلى جانب عدد من قيادات الشركات وممثلين عن القطاع الخاص العربي والتركي. كما أن الملتقى اكتسب زخماً كبيراً في ظل التقارب الحاصل في العلاقات العربية – التركية والسعي لتعميقها سواء على المستوى الاقتصادي والاستثمارات واستقطاب القطاع الخاص في الاتجاهين. وجاء الملتقى ليعمق دوره كمنصة رئيسية للتلاقي والتفاعل بهدف تطوير العلاقات بين الدول العربية وتركيا خصوصاً وأن تنظيمه بدأ في عام 2005. وشارك في الملتقى نحو 500 مشارك على رأسهم وزراء وقيادات تركية وعربية وممثلو اتحادات الأعمال والغرف التركية والعربية.
انعقدت الجلسة الأولى تحت عنوان: «مواجهة التحديات العالمية، واغتنام الفرص الجديدة»، وأدارها وزير الخزانة والمالية في تركيا محمد شمشك، وتحدث فيها كل من نائب رئيس مجلس الوزراء وزير النفط وزير الدولة للشؤون الاقتصادية د. سعد البراك، وزير الدولة ورئيس مجلس إدارة هيئة المناطق الحرة القطري أحمد بن محمد السيد، ووزير المالية المصري د. محمد معيط. وركزت الجلسة على كيفية تعزيز التجارة البينية، والخطوات المتخذة من قبل الدول الثلاث على مستوى التحولات الاقتصادية والمبادرات المتخذة على هذا الصعيد. وخلص المتحدثون في هذه الجلسة إلى التأكيد على أن تركيا والدول العربية مطالبون بالعمل عن قرب بصورة أعمق لتعزيز التجارة البينية فيما بينهم كمقدمة لتعميق العلاقات الاقتصادية والاستثمارية. وشدد الوزير شمشك خلالها على أن الظروف الحالية الحاصلة في غزة تؤكد أن دول المنطقة بما فيها تركيا، مطالبة بتعاون أعمق في مواجهة التحديات السياسية والمخاطر الجيوسياسية. ولفت الوزير شمشك إلى أن التجارة البينية بين تركيا والبلدان العربية ما زالت متواضعة مقارنة بالإمكانات المتوفرة، مشيراً إلى أن نسبة التجارة البينية على مستوى دول المنطقة وشمال إفريقيا بلغت نحو 14 في المائة في عام 2021، في حين أن هذه النسبة تصل إلى 68 في المائة في أوروبا و50 في المائة في وسط آسيا. واعتبر أن الارتقاء بها إلى مرحلة جديدة من النمو والتطور، يقضي بتوقيع وتفعيل اتفاقيات تجارة حرة بين الجانبين، مقدماً على ذلك مثالاً من خلال اتفاقية التجارة الحرة التركية – المصرية ومساهمتها في تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، إلى جانب إعادة النظر ببعض الإجراءات بما يساهم في معالجة التحديات التي تقف في وجه تطور التجارة البينية واستقطاب الاستثمارات.
من جهته، رحب وزير الدولة ورئيس مجلس إدارة هيئة المناطق الحرة القطري أحمد بن محمد السيد بأي استثمارات أجنبية محتملة في قطر، ليس فقط على مستوى المناطق الحرة، مشيراً إلى العلاقات الوثيقة التي تملكها قطر مع الدول المحيطة وباقي دول العالم. وقال إن دول المنطقة تملك كافة مقومات الموارد ورأس المال البشري والقوة المالية والخبرات بما يمكنها من تعزيز التجارة البينية فيما بينها. واقترح السيد وضع قائمة بالمشاريع المحتملة التي ستكون مفيدة للقطاع الخاص بشكل أساسي لدفع عملية الاستثمار، معتبراً أن القطاع الخاص يعد المفتاح الأساسي في دول المنطقة، سواء من مستثمرين محليين أو دوليين، بما يوفر مزيجاً من القطاع الخاص الإقليمي والمحلي مع المعرفة الدولية، بما يساهم في نقل التكنولوجيا، معتبراً أنه ولتحقيق هذا الهدف، لا بد من خطة واضحة تعزز سهولة ممارسة الأعمال. ولفت الوزير السيد إلى أن دولة قطر يمكن أن تلعب دور بوابة عبور الدول العربية إلى الأسواق الآسيوية، بالنظر إلى ما تملك من بنية تحتية متطور كالمرفأ والمطار، إلى جانب وجود شركات قيادية كما هو الحال مع الخطوط الجوية القطرية، التي تؤدي دوراً مهماً في خدمات الشحن.
وأضاف الوزير السيد أن هذه الوقائع يكملها وجود بيئة تنظيمية متطورة وجهات ناظمة حريصة على مواكبة متطلبات المستثمرين ومعالجة التحديات، في حين أن القطاعات الاقتصادية المختلفة مفتوحة أمام المستثمرين الأجانب. كما تناول الوزير السيد التحولات الاقتصادية الحاصلة في قطر، مشيراً إلى أن دور مركز قطر المالي، ودور المؤسسات التعليمية في قطر في تطوير المواهب والارتقاء بمستوى الكوادر البشرية، متناولاً الخطوات المتخذة على صعيد التحول في قطاع الطاقة، إلى جانب الجهود الهادفة للتنويع الاقتصادي، وسط خطة طموحة لمضاعفة حجم الاقتصاد في عام 2030. ولفت إلى وجود أدوات لتعزيز الاستفادة من الوقود الاحفوري في دعم الطاقة المتجددة، عبر تعميق استخدام التكنولوجية والأبحاث والتطوير. وخلص الوزير السيد إلى التأكيد أن حالة عدم الاستقرار في العلاقات الأمريكية – الصينية تشكل فرصة مهمة لدول المنطقة.
بعدها تحدث نائب رئيس مجلس الوزراء وزير النفط وزير الدولة للشؤون الاقتصادية والاستثمار الكويتي د. سعد البراك. فرأى أنه لا بد من الارتقاء بمفهوم التنمية الشاملة للإنسانية، مشيراً إلى أن شعار التنمية الاقتصادية هو المؤسسة الحرة. وأضاف أن دور الدول يكمن في الجانب المنظم للنشاط الاقتصادي مع ضرورة العمل على تبني الحوكمة في الأعمال التجارية. وخلص إلى التأكيد على أن النموذج الذي تدير فيه الدولة النشاط الاقتصادي يترك تداعيات على التنمية الاقتصادية والحرية الاقتصادية.
واستعرض البراك المقومات التي تملكها دولة الكويت، من بينها أنها تملك واحدا من أقدم الصناديق السيادية في العالم، ويدير أصولاً بقيمة نحو 740 مليار دولار. وتناول خطة التنمية الاقتصادية في الكويت رؤية 2035 والتي جرى تحديثها تحت مسمى رؤية 2040، تتبنى الانفتاح الاقتصادي وتطوير مناخ الاستثمار وتحديث القوانين بما فيها قانون الشركات، مركزاً على ان هذه الرؤية تركز على تعزيز نمو الإيرادات واستخدامها في تطوير الاقتصاد غير النفطي. وتناول البراك مشروع تطوير ميناء مبارك الكبير، ويستهدف الارتقاء بعدد الحاويات إلى نحو 8 مليارات حاوية حتى عام 2035، في حين أن تطوير الصناعة النفطية سواء على مستوى الاستكشاف والإنتاج يتطلب استثمار نحو 300 مليار دولار لغاية عام 2040.
ورأى أن الكويت تتطلع إلى الاستفادة من الإيرادات الضخمة في القطاع النفطي، لبناء شراكات مع مستثمرين والقطاع الخاص في قطاعات محددة، كما هو الحال مع الصحة والتعليم وغيرهما بما يدعم الاقتصاد غير النفطي.
أما وزير المالية المصري محمد معيط، فأكد أن هناك أدوات عدة من شأن استخدامها، الارتقاء بالتجارة البينية، مشيراً إلى أنه يأتي في مقدمها تعزيز دور القطاع الخاص في الحياة الاقتصادية ومنحه دوراً قيادياً، والعمل على تسهيل الإجراءات الاستثمارية أمامه وفق أهداف واضحة، بما يعزز دوره في الناتج المحلي. ورأى معيط أن دول المنطقة تملك كافة المقومات لتعميق التجارة البينية فيما بينها، سواء بتوفر التمويل والكوادر البشرية، مشيراً إلى أهمية تسهيل الإجراءات لاستقطاب القطاع الخاص إلى المشاريع الحيوية، بما يساهم في نقل المعرفة وتوطين التكنولوجيا. وطالب معيط بضرورة العمل على تطوير مناخ الاستثمار وتحسين بيئة الأعمال في المنطقة، متناولاً الدور الذي لعبته مصر على مدى السنوات السابقة.
وتحدث المدير التنفيذي لمجموعة الاقتصاد والأعمال وليد أبوزكي فقال إن «انعقاد ملتقانا يأتي في ظروف مأساوية يعيشها قطاع غزة في فلسطين المحتلة، حيث تستمر الإبادة الجماعية التي تشنها إسرائيل المحتلة منذ أكثر من شهر. ونطالب من على هذا المنبر بالوقف الفوري للإبادة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، وبإعادة مقومات الحياة إلى مواطني غزة والدخول في مسار سياسي مدعوم دولياً لإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس». وأضاف أبوزكي مذكراً بالتحديات الكبيرة «التي لا نزال نعيشها في ظل التوترات الجيوسياسية، والتقلبات الاقتصادية وتراجع وتيرة النمو، مما يفرض علينا البحث عن حلول وشراكات هادفة وعميقة».
تطرق رئيس اتحاد رئيس اتحاد الغرف وتبادل السلع التركية (TOBB) رفعت هسارجيك لي اوغلو لأهمية تطوير العلاقات التجارية بين دول المنطقة لأنها السبيل إلى إثراء الشعوب والدول، مبديا استعداد الشركات التركية للمساهمة في نقل الخبرات والمعرفة، كما الصناعات التي تتميز بها تركيا. وأضاف «إننا إخوة والإخوة لا يحتاجون إلى تأشيرات لزيارة أحدهم الآخر، ولا إلى قوانين تحد من التبادل التجاري بينهم، فلنعمل على اتفاقات التجارة الحرة ولنحرر التجارة».
وانطلق الأمين العام لاتحاد الغرف العربية د. خالد حنفي من أهمية دور القطاع الخاص العربي الذي يقود الاستثمار ويوظف النسبة الأكبر من العمالة في المنطقة العربية، لافتاً إلى أن الملتقى يؤكد أن «العلاقات العربية التركية مستمرة ودائمة التقدم. والأرقام خير دليل على الشراكة بين تركيا والمنطقة العربية إذ تدل على أن «تركيا شريك كبير من الناحية الاقتصادية للعالم العربي، إذ يقدر حجم التجارة البينية العربية التركية بنحو 55 مليار دولار. وتسجل الصادرات التركية إلى البلدان العربية تزايداً مستمراً بنحو 10 في المئة سنوياً، وكذلك تدفق الاستثمارات العربية باتجاه تركيا، بالإضافة إلى حركة السياحة النشطة باتجاه تركيا التي يقصدها نحو 10 ملايين سائح عربي سنوياً». وإذ شدد د. حنفي على أهمية الأرقام، إلا أن الطموح أكبر بكثير، فالمطلوب هو شراكة استراتيجية بين تركيا والمنطقة العربية»، انطلاقاً من أهمية القطاع الخاص ودوره في الاستثمار وعملية التنمية، ومشدداً على أن تغييرا أو تطويرا في شكل العلاقات، لا يمكن أن يحدث من دون القطاع الخاص.
الشرق القطرية
المصدر: موقع النيلين
كلمات دلالية: التجارة البینیة الدول العربیة القطاع الخاص الوزیر السید وزیر الدولة دول المنطقة رئیس مجلس على مستوى إلى جانب على أن إلى أن
إقرأ أيضاً:
أمريكا الإسرائيلية وإسرائيل الأمريكية.. الأسطورة التي يتداولها الفكر السياسي العربي!
الكتاب: أمريكا... "إسرائيل" الكبرى... التاريخ الحقيقي لأمريكا في العالم العربيالكاتب: د. عبد الحي زلوم
الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 2009 ـ عدد الصفحات 408
هل فعلاً أنَّ اللوبي الصهيوني يمتلك القدرة على توجيه القرار العام الخارجي الأمريكي، لما يخدم مصلحة "إسرائيل"، وليس أمريكا؟ وهل من الصحيح أن هناك سلطة أحادية الجانب في السياسة الخارجية الأمريكية، هي سلطة اللوبي الصهيوني، ولاسيما في الشق المتعلق بالشرق الأوسط تمارس ضغطاً مباشراً على الرؤساء الأمريكيين، حيث أن نجاح أو إخفاق أي رئيس أميركي يبقى مرهونا بأموال وأصوات اللوبي الصهيوني، كما تروج له الفكرة السائدة في العقل السياسي العربي؟
في سياق المحاولات لفهم طبيعة العلاقة بين "إسرائيل" والولايات المتحدة الأمريكية، كثيرا ما يجري تناولها من زاوية محددة، أو بنظرة أحادية الجانب، إذْ تحرص "إسرائيل" والحركة الصهيونية العالمية على تقديم صورة مضخمة لنفوذ اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأمريكية وهي تهدف من وراء ذلك تخويف أعداء "إسرائيل" وإظهار هذه الأخيرة بمظهر القوي المتحكم في القرار السياسي الأمريكي ليبدو وكأنه يتقمّص سمات الموقف الإسرائيلي بصورة لا يستطيع أحّد أن يفرّق بين صوت رئيس الوزراء الإسرائيلي من صوت الرّئيس الأمريكي في كل الأوساط الدّوليّة داخل وخارج الأمم المتّحدة.
وفيما درج الفكر السياسي العربي على إظهار الولايات المتحدة أمة تستحق الإشفاق، إذ إن قرارات هذه الدولة العظمى وتوجهاتها وسياساتها تصنع على يد الطباخين اليهود، حيث تستثمر "إسرائيل" هذه الصورة المضخمة لتيئيس العرب والمسلمين من إمكانية التأثير في الرأي العام الأمريكي والسياسة الخارجية الأمريكية المنحازة إلى جانب الكيان الصهيوني، فإنَّه يهمنا من جانبنا أن نؤكد على أنَّ "إسرائيل" ليست إلا مجرد أداة أمريكية تقوم بدور وظيفي لحماية المصالح الاستراتيجية الأمريكية فى منطقة الشرق الأوسط، ولاسيما بعد أن شيعت الولايات المتحدة مبدأ مونرو لتخرج من عزلتها التقليدية إلى معترك الصراع الدولي، وتعاظم دور الأداة لتتحول إلى عصا غليظة لإخضاع شعوب المنطقة وتنفيذ المخطط الأمريكى فى الهيمنة. وتدحض الحرب العدوانية الإسرائيلية على لبنانفي عام 2006 بما لا يقبله الشك نظرية اللوبي الصهيوني، لأنَّنا وجدنا بأن أمريكا كانت أكثر حماسا لخوض "إسرائيل" هذه الحرب، وكانت متمسكة بإطالة أمدها العدواني، وذلك من أجل تقديم مساعدة لما يسمى بحرب أمريكا على الإرهاب. ف"إسرائيل" في تلك الحرب كانت تقوم بوظيفة حربية في خدمة استراتيجية الإمبريالية الأمريكية...
هل إنَّ اللوبي الصهيوني هو الذي يسير السياسة الأمريكية؟
ومع ذلك، فإن الدكتور عبد الحي زلوم في كتابه: أمريكا..."إسرائيل" الكبرى، يقدم لنا صورة مضخمة جدا عن اللوبي الصهيوني، إذ يقول: "من أبلغ المؤشرات على مدى ما يحظى به اليهود من نفوذ في الولايات المتحدة ما صدر عن المرشح الديمقراطي للانتخابات الرئاسية الأخيرة. فما إن ضمن باراك أوباما ترشيح الحزب له حتى: "حثّ الخطى إلى مؤتمر تعقده لجنة العلاقات الأمريكية ـ الإسرائيلية AIPAC، أقوى جماعات الضغط الإسرائيلي في البلاد، وهناك ألقى كلمة كسر فيها سائر الأرقام القياسية المسجلة في إظهار الخنوع وممارسة التزلف على حد تعبير الكاتب وعضو الكنيست الصهيوني السابق يوري أفنيري في عموده المنتظم بتاريخ 10 يونيو/حزيران 2008 وأضاف أفنيري: "انظروا كيف أن أول عمل أقدم عليه أوباما بعد ضمان ترشيح الحزب له كان التضحية بمبادئه.. وها قد أقبل أوباما زاحفاً وسط الغبار لينكب على أقدام "إيباك" ويخرج عن خطه المعهود في تبرير سياسة تناقض تماماً أفكاره التي طالما نادى بها".
الذي يهم فعلاً هنا هو وجه التشابه الكبير بين المشروعين الأمريكي والصهيوني، على المستويين: الروحي والمادي لدرجة يمكن معها القول إن: "إسرائيل" ليست سوى أمريكا الصغرى، وإن أمريكا هي "إسرائيل" الكبرى. وجدت في هذه الجملة أبلغ تعبير عن مضمون كتابي فوقع عليها اختياري كعنوان للكتاب..وجاء في مقالة أفنيري أيضاً القول: "الذي يهم فعلاً هنا هو وجه التشابه الكبير بين المشروعين الأمريكي والصهيوني، على المستويين: الروحي والمادي لدرجة يمكن معها القول إن: "إسرائيل" ليست سوى أمريكا الصغرى، وإن أمريكا هي "إسرائيل" الكبرى. وجدت في هذه الجملة أبلغ تعبير عن مضمون كتابي فوقع عليها اختياري كعنوان للكتاب".
تعمل اللجنة الأمريكية ـ الإسرائيلية للشّؤون العامّة التي تعرف اختصارا باسم "ايباك"AIPAC ، The American-Israel: Public Affairs Committee ، وتضم في عضويّتها عدّة منظّمات صهيونيّة مثل بناي بريث، وتعقد اللجنة مؤتمراً سنويّاً يحضره عدد كبير من الشّخصيّات الأمريكية السّياسيّة من مجلس الشّيوخ والنّوّاب وغير ذلك، تعمل على تضخيم دورالنفوذ الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية، من خلال الصورة التي تقدمها في أجهزة الإعلام الأمريكية والعالمية على أساس أنها هي التي تتحكم بالقرار السياسي الأمريكي.
ويحاول اللوبي الصهيوني الموالي لـ "إسرائيل" داخل أمريكا أن يوهم الرأي العام العالمي، ولا سيما الرأي العام العربي، من أنه يمتلك قدرة خاصة على التأثير من خلال اتصاله برجال الإدارة والشيوخ والنواب وامتلاكه لقاعدة معلوماتية وإمكانيات التأثير على الحملات الانتخابية من خلال المساهمة في تمويلها.
وفي الحقيقة، فإن هذا التأثير في مجرى الانتخابات الأمريكية هو محدود جدا، لأن الذي يقررمصير الانتخابات الرئاسية هو المجمع الصناعي العسكري في الولايات المتحدة والاحتكارات النفطية الأمريكية، التي تأتي دائما بالرئيس المناسب الذي يخدم مصالحها في كل مرحلة تاريخية محددة.
ويستند اللوبي الصهيوني في تضخيم دوره لعدة عوامل أهمها مكانة دولة "إسرائيل" في الاستراتيجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، ودور القوة العظمى التي تقوم بها أمريكا اليوم والمرجعية الأيديولوجية ـ الثقافية الأمريكية والتي تنعكس في علاقة المجتمع الأمريكي بالجالية اليهودية القائمة على الإدماج والتبني والعلاقة الخاصة بالدولة الإسرائيلية.
لقد استطاع اللوبي الصهيوني أن يبني أوهاماً دعائية حول المصالح المشتركة بوصفها أساس العلاقة بين الولايات المتحدة و"إسرئيل"، وكيف هيأ دعاوى إعلامية وسياسية مغلوطة، هدفها إبراز قوة اللوبي الصهيوني هذا وكأنها هي التي تسير السياسة الأمريكية، وهذا ما يتناقض مع منطق الأمور وحقيقة السياسة الأمريكية، إذ كيف يمكن لإمبراطورية بقوة وجبروت الولايات المتحدة الأمريكية أن تسير بقوة لوبي معين، حتى لوكان صهيونيا.
لقد شاعت دائما مقولة في الدوائر العربية الرسمية بأن السياسة الأمريكية الخارجية في الشرق الأوسط يوجهها اللوبي الصهيوني الذي يصول ويجول ويرهب الساسة الأمريكيين لكي يقدموا دائما المصالح الإسرائيلية حتى لو تعارضت مع المصالح القومية الأمريكية.
ولكن لم تظهر دراسات تسلط الضوءعلى الحجم الحقيقي للوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية، لأن مثل هذه الدراسات تعتبر من المحرمات. والواقع أنه في مختلف المحطات كانت قوة اللوبي الصهيوني مستمدة من طبيعة النظام السياسي الأمريكي وليس في مواجهته، ومن حيوية شبكة العلاقات التي صاغتها مجموعة المنظمات التي تمثل اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، ومن طريقة عمل النظام السياسي الأمريكي ذاته، لا من القوة الذاتية لهذا اللوبي التي تضخمها أجهزة الإعلام لأسباب سياسية وإيديولوجية، حتى تبث روح الاستسلام في العقل السياسي العرب.
لكن هذا اللوبي الصهيوني يكتشف يوما بعد يوم أنه لم يعد يقود اليهود الأمريكيين، كما كان يفعل في إيهام الرأي العام خلال العقود الماضية. فاليهود الأمريكيون يعلمون أن "إسرائيل" ليست الترياق الذي بإمكانها استخدامه لحل إشكالاتها الداخلية.
ويحاول الكاتب أن يقدم عدة شهادات تبرز الدور القوي للوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، فيقول: "ولعل ما حصل مع اثنين من الأكاديميين الأمريكيين المعروفين مؤخراً ما يشكل مثالاً على طريقة عمل اللوبي اليهودي المناصر ل"إسرائيل" في الولايات المتحدة. فقد طلبت مجلة "أتلانتيك ماغازين"، من أستاذين من جامعة شيكاغو وجامعة هارفارد، إعداد دراسة عن اللوبي الإسرائيلي . وبعد عامين من العمل والبحث والتمحيص، أبلغهما رئيس التحرير بأن المجلة لن تتمكن من نشر الدراسة. وفي ذلك يقول البروفيسور جون ميشيمر: "عملنا على إعداد الدراسة على مدى عامين بالتعاون مع محرري "أتلانتيك ماغازين". وفي يناير/كانون الثاني 2005 أرسلنا لهم النص النهائي، الذي جاء منسجماً تماماً مع ما تم الاتفاق عليه ومتضمناً مقترحاتهم كافة. بعدها بأسابيع فوجئنا برئيس التحرير يبلغنا بأن المجلة قررت عدم نشر الدراسة".
قرَّر الأستاذان جون ميشيمر وستيفن وولت توسيع الدراسة وإعدادها للنشر ككتاب صدر عام 2007 بعنوان: "اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة" أوضح االمؤلفان في كتابهما بأن الفكرة الرئيسية التي شكلت موضوع الدراسة المرفوضة كانت بسيطة ومباشرة، وهي أن الولايات المتحدة تقدم دعماً مادياً وسياسياً ل"إسرائيل" بمعدلات غير عادية، وبأن هذه المساعدات لا يمكن تبريرها على أسس إستراتيجية أو أخلاقية على حد سواء. وبدلاً من ذلك "فإن هذه المساعدات هي نتاج القوة السياسية للوبي ال"إسرائيل"ي في المقام الأول".
ويرى المؤلفان "أن السياسة الأمريكية المنحازة تماماً ل"إسرائيل" تضر بالمصالح القومية للولايات المتحدة بل هي ضارة بالمصالح ال"إسرائيل"ية نفسها على المدى البعيد". ولتوضيح حجم الدعم الذي تحظى به "إسرائيل" من الولايات المتحدة من حجم ما تتلقاه من مساعدات أميركية يمولها دافعو الضرائب الأمريكيون في المقام الأول. فحتى عام 2005 كان حجم ما تسلمته "إسرائيل" من مساعدات أميركية قد وصل إلى 154 مليار دولار معظمها هبات لا ترد"...، ولمثير هنا أن المساعدات الأمريكية ل"إسرائيل" تأتي بمعدل 100 ألف دولار لكل أسرة إسرائيلية مكونة من أربعة أفراد في وقت يعاني فيه 45 مليون أميركي من ضيق الحياة المعيشية ويصنفون تحت خانة الفقراء، طبقاً لمكتب الإحصاءات الرسمي في واشنطن، الأمر الذي ينسف المقولة الأمريكية الشهيرة: الإحسان يبدأ من البيت".
يحاول اللوبي الصهيوني الموالي لـ "إسرائيل" داخل أمريكا أن يوهم الرأي العام العالمي، ولا سيما الرأي العام العربي، من أنه يمتلك قدرة خاصة على التأثير من خلال اتصاله برجال الإدارة والشيوخ والنواب وامتلاكه لقاعدة معلوماتية وإمكانيات التأثير على الحملات الانتخابية من خلال المساهمة في تمويلها.هذا الكتاب لم يأت بشيء جديد على صعيد الدراسة المعمقة لدور اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، وللعلاقة الخاصة التي تحكم "إسرائيل" بأمريكا، بل أنه كرر نفس الأسطورة التي يتداولها الفكر السياسي العربي حول التأثير الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية، علماً أنَّ هذه الأسطورة ليست قدرًا على العرب والمسلمين أن يستسلموا لها، بل إنَّ المطلوب هو القيام وبعمل دؤوب لمواجهة هذا النفوذ الصهيوني، إذ يوجد في أمريكا أكثر من عشرة مليون عربي ومسلم، وهو عدد يفوق عدد اليهود الأمريكيين. والحال هذه بإمكان العرب والمسلمين الأمريكيين أن يشكلوا لوبي عربي منافس للوبي الصهيوني، داخل هذه التكتلات البشرية العربية والمسلمة يعتمد بالدرجة الأولى على السيطرة الاقتصادية الممكنة في هذه التكتلات واستغلال الرأي العام الشعبي الأمريكي المتعاطف نسبيا مع الشعب الفلسطيني خلال الانتفاضة الكبرى في الثمانينات، وإلى حد ما مع الانتفاضة الثانية، حتى وإن كان دوافع هذا التعاطف هي الممارسات القمعية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة التي تتناقض مع ما هو عالمي في القيم.
وفضلا عن ذلك، فإن مسؤولية العرب والمسلمين جميعا تتمثل في دعم هذه الجالية العربية والمسلمة بكل الوسائل لتشكل لها موطئ قدم في الحياة الاقتصادية الأمريكية، والعمل على تنمية ثقافة هذه الجالية وتوجيهها من أجل تغيير الصورة المشوهة التي اكتسبها الشعب الأمريكي عن العرب والمسلمين بعد أحداث الحادي عشر من أيلول.
وعلى مستوى دوام العلاقات والمرجعية النفعية، فإن هناك إمكانية للتأثير والتداخل، وهو ما حدث فعلاً خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة حيث برزت الجاليات العربية والمسلمة كقوة ملموسة تؤخذ في الحسبان في الجولات القادمة. إلا أن هذا لن يؤدي في المدى المنظور لوضع الطابع المتميز للعلاقات الأمريكية ـ ال"إسرائيل"ية موضع تساؤل وإنما زيادة أو نقصان تكلفة أو هامش المناورة المتروك ل"إسرائيل" واللوبي في الولايات المتحدة الأمريكية.
فالطابع الخاص للعلاقات الأمريكية -الإسرائيلية يعمل الآن على ضبط الصراع العربي ـ الصهيوني أكثر مما يسهم في تسويته لمصلحة كافة أطرافه. ويبقى ما هو مطلوب من العرب والمسلمين الأمريكيين أن يقوموا بالدراسات الفكرية والسياسية لبلورة سياسة إعلامية ونشرها عبر وسائل الإعلام الحديثة وشبكة الأنترنت من أجل إنشاء لوبي عربي ومسلم قوي في الولايات المتحدة قادرعلى مواجهة الدعاية المضللة للوبي الصهيوني.
إنَّ الحديث عن اللوبي يتطلب الدراسة المعمقة وغير المبسطة لعملية صنع القرار في السياسة الخارجية، إذ إن هناك عملية تبسيط واختزال في فهم السياسة الخارجية الأمريكية لدى الفكر السياسي العربي، إما عبر الاعتماد على نظرية اللوبي الصهيوني المسيطر على كل مقدرات السياسة الخارجية، وإما على أساس الاعتماد على اختزال كل عملية صنع القرار بشركات النفط والسلاح.