لجريدة عمان:
2025-04-03@09:43:19 GMT

قططُ غزّة

تاريخ النشر: 7th, November 2023 GMT

تُشكّلُ الصورة في العصر الحديث خطابا قابلا للقراءة، قابلا للتأثير، هي خطابٌ قوامه زاويةُ النظر المُختارة، وموضوع التركيز أو محور التبئير، وعينُ المُصوّر وما يُمكن أن يبثّه في صورته من إحساس، ومن مواقف يدعو إليها. الصُورة في عالمنا الحديث خطابٌ جذّابٌ منفّرٌ، صادقٌ كذّابٌ، يتراجع أثر الصورة بفعل اليد، عملا تشكيليّا أو كاريكاتوريّا، ليترك المكان إلى الصورة بفعل الكاميرا، ثابتة أو متحرّكة.

وقد أبدت حرب غزّة هذا الأثر بشكل جيّد، فعيون المُصوّرين فاقت فنّ التشكيليين، وسخريّة الواقع ولا معنى ما نراه كلّ لحظة، فاقت سُخريّة الرسّامين بالقلم واليد. لقد كان للصورة أثرٌ بائن، فاعلٌ في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وشكّل عدد من الرسّامين الكاريكاتوريين، أو المُصوّرين الفوتوغرافيين شوكة في حلق الادّعاءات الإسرائيليّة وكشفا للحقائق عبر الفنّ أو عبر النقل، ولا يُمكن في هذه الظروف اليوم ألاّ نتذكّر ناجي العليّ الذي بسبب رُسومه اغتالته قوى الظلام، وهو الذي تنبّأ أنّ الموت نهاية كلّ من يقف ضدّ بني صهيون، إذ قال: «اللي بَدُّو يكتب لفلسطين، واللي بدُّو يرسم لفلسطين، بدُّو يعرّف حاله: ميت»، ولقد مات بفعل التزامه بالقضيّة الفلسطينيّة، أزعجهم حنظلة، الكاريكاتور الذي رحل إلى كلّ بقاع العالم، الكاريكاتور الذي صار رمزا للقضيّة الفلسطينيّة، ولنضال الشعب الفلسطينيّ، الكاريكاتور الذي تحمّل رموزا وتحوّل من السخريّة المؤلمة بالخطوط والألوان إلى الموسيقى، إلى السينما، إلى الأدب، إلى خطب الساسة، حنظلة لم يكن محض طفل هازئا بكتفيه المرفوعتين، مُعرضا عن العالم، مُدبرا، بل كان كمّا من المعنى، تلقّاه العالم وفكّك رسائله، وكان له الأثر الذي فاق كيد السياسيين وخطط الاستراتيجيين. لقد كان لحنظلة وُجودٌ وبقاءٌ لا يُهرِمُ ويمتنع عنه فعلُ الزمن، كان طفلا في العاشرة، وبقي كذلك، وسيبقى دليلا صارخا على عقم آلات الاستبداد، وعلى عمق فعل الفنّ في حمل قضايا البشريّة، لقد قال ناجي العليّ واسما صُورته، خياله، الذي تحوّل إلى واقع: «وُلد حنظلة في العاشرة من عمره وسيظلّ دائما في العاشرة من عمره، ففي تلك السنّ غادر فلسطين وحين يعود حنظلة إلى فلسطين سيكون بعدُ في العاشرة ثمّ يبدأ في الكِبر، فقوانين الطبيعة لا تنطبق عليه لأنه استثناء، كما هو فقدان الوطن استثناء».

حرب فلسطين مع الكيان الإسرائيلي لا تُدار بوقعِ زلازل القنابل فحسب، وإنّما تُدار بالقلم، أدبا ورسما ومسرحا وسينما، تُدارُ اليوم أيضا بالفاعلين الاجتماعيين، وبالمشاهير ومختلف مواقفهم، تُدار بمن يُتابعه الملايين من المشاهدين، الذين يتأثّرون بصورة أو بجملة أو بأغنية، وتتعدّل مواقفهم حسب مواقف من يُتابعون، تغيّر الزمن، وصارت مواقف الشعوب مرتبطة بملايين المتابعة والمشاهدة، وقد أدرك العدوّ ذلك من قديم الزمان فامتلك أجهزة الإعلام العالميّة وسيطر عليها، ولذلك نرى اليوم نتاج ذلك في وُجود صُنّاع رأي يُميلون الكفّة تُجاه الغاصب المغتصب.

الصُورة عنصرٌ فعّال، كان لها الأثر الهامّ وما زال، ولكن مع الأسف في غالب الأحيان تُستَهلك صور العرب في نطاق قوميّ محدود، وتُروَّجُ صُور أنصار الكيان الغاصب في كلّ بقاع العالم، ومن حسن الحظّ بتوفّر شباب من خيرة شبابنا يُتابع مواقع التواصل ويعمل على التأثير، وبوجود أمثلة من الناجحين في مختلف المجالات ألقوا جانبا حسابات الشُهرة وإمكان «قطْع أرزاقهم» وصرّحوا وكشفوا تضامنهم مع أهل غزّة، ويُمكن أن نضرب مثالين على ذلك، مواقف لاعبة التنس العالمية أنس جابر، ومقاومة باسم يُوسف للميل الإعلامي الأعمى لنُصرة الكيان الإسرائيليّ.

تراءى لي في هذه الفوضى الإنسانيّة العارمة، وهذا التقتيل الوحشي الذي ينعمُ به أغلب ساسة الكون، أن أتساءل، إذا كان العالم القويّ الممثّل في أمريكا وأوروبا لم يعد يهتمّ بموت البشر، ولم يعد يهتم ولا يغتمّ لموت الأطفال والنساء والعُجّز والمدنيين، وإذا كان هذا العالم القويّ الفاعل الصانع للآراء يقول بشكل شبه صريح إنّ كلّ الفلسطينيين هم إرهابيّون بالقوّة نساء وأطفالا وشيوخا، وإنّ إسرائيل بإفنائهم تخدم العالم وتخدم دول الجوار، في انتظار أن يعمّ التقتيل وأن يصير كلّ عربيّ هو مشروع إرهابي، وهو الأمر الذي صار غالبا على تعامل الآخر معنا بشكل علني، خاصّة عندما نزور بلدانهم، فهل يهتمّ هذا العالم الغربيّ الرقيق، الرؤوف، بدفن الحيوانات تحت الأنقاض، بقصف الحيوانات بالقنابل ورميها بحمم النيران؟ آلة الحرب العمياء التي يقودها أمراء «العنهجيّة» والصعلكة و«الفتونة»، يسوسها مجرمون دون خلق ولا قيم، تأكل البشر وتجوع، تشرب دماءهم وتظمأ، تأخذ أنفاسهم وتختنق، وفي الآن نفسه تأخذ معها لطائف الحيوانات، خاصّة تلك التي تؤنسُ الأطفال، وتسعدهم، وتُرافقهم، وتصحبهم، القطط، قططُ غزّة التي كانت ضحيّة التدمير الأعمى، لحقتها القنابل والصواريخ، ودُكّت الأسقف والجدران فوق رؤوسها، فهل أنّ الجمعيّات التي تتشدّق كلّ حين بالدفاع عن الحيوان، لم يعد يعنيها الحيوان؟ أو هل أنّ حيوانات غزّة كما بشرها «دمها ماء»، ودمها مباح؟ أو هل أنّ كلّ من اختار غزّة حيوانا أو بشرا أو حجرا هو مقصوف ومهدور ترابه ودمه بمباركة من العالم؟ وإن بُحّت أصواتنا، وعجزنا عن إيقاف إسالة الدم البشريّ في غزّة، وقلوبنا تتقطّع كلّ لحظة لما نراه ونشاهده، فإنّنا ندعو إلى هُدنة من أجل حقن دماء الحيوانات، وإعطاء وقت للقطط كي تتنفّس، وتأخذ شربة ماء، ألم تُنادي بريجيت باردو وعددٌ هامّ من مناصري الرفق بالحيوان بإيقاف عيد الأضحى بسبب من إراقة دماء الشياه؟ ألم ترسل بريجيت باردو الرسائل للمسؤولين لحثّهم على تحجير النحر والذبح على الطريقة الإسلاميّة، قائلة في رسالة من رسائلها: «أرفض ذبح الحيوانات في المسالخ وفق الشريعة الإسلامية من أجل الحصول على اللحوم الحلال؛ لأن تلك العملية تعتبر تعذيبا للماشية»؟ ها هي الماشية، والحيوانات الأليفة تُقطَّعُ وتُحرَّق وتُمزّق أجزاؤها، وتُعذّب العذاب الأليم، فارفعوا أصواتكم دفاعا عنها إن عجزتم عن الدفاع عن الأطفال! لقد نشر فاعلون اجتماعيون من غزة عددا من مقاطع الفيديو التي تُظهر أثر الحرب على القطط، وكانت المقاطع مؤثّرة جدّا، ولكنّها حتما لا تُعادل أثر طفلة خارجة من ركام القنابل والصواريخ، تبحث عن أمّها وأبيها وإخوتها الذي مزّقتهم ضغطة زرٍّ من طيّارٍ يعود بعد أداء وظيفته هانئا لمعانقة ابنتها الصغيرة. قطط غزّة معرّة العالم ووصمة جُبن على جبين هذا القرن الذي يُقَاد بعقل ديناصور، أمّا أطفال غزّة فلهم ربّ كريم، هو قادرٌ على تصريف أمورهم وضبط مصيرهم، وسيبقى حنظلة مديرا ظهره لكلّ من خانوه، الطفل الخارج من فلسطين قهرا، المرفرف فوق سمائها طوعا، وتبقى الصُورة هي الحربُ الحقيقيّة، وهي الأثر الباقي.

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: فی العاشرة

إقرأ أيضاً:

الرئيس الفلسطيني يعتمد موازنة 2025 بعجز 2 مليار دولار

قالت الحكومة الفلسطينية أمس الاثنين إن الرئيس محمود عباس اعتمد الموازنة العامة للعام 2025 بعجز مالي يقترب من 7 مليارات شيكل (1.9 مليار دولار).

وأضافت الحكومة في بيان "يبلغ إجمالي الإيرادات المتوقعة لعام 2025 ما يقارب 16.041 مليار شيكل، منها إيرادات محلية متوقعة 5.807 مليارات شيكل، وإيرادات المقاصة 10.234 مليارات شيكل، في حين من المتوقع أن يصل إجمالي النفقات العامة إلى 20.645 مليار شيكل".

وتابع البيان "وبحال استمرت الاقتطاعات الإسرائيلية الحالية غير القانونية من أموال المقاصة، فمن المتوقع أن تصل الفجوة التمويلية إلى 6.923 مليارات شيكل".

وأوضحت الحكومة -في بيانها- أن هذه الفجوة التمويلية "دون احتساب الدعم الخارجي، إذ تسعى الحكومة إلى تجنيد مصادر تمويل خارجية لمعالجة ما أمكن من العجز المتوقع في موازنة 2025".

وتواصل الحكومة الإسرائيلية اقتطاع مبالغ مالية من أموال الضرائب التي تجمعها نيابة عن السلطة الفلسطينية عن البضائع التي تمر من خلالها إلى السوق الفلسطينية مقابل عمولة مالية تبلغ 3%.

الموازنة التي اعتمدها محمود عباس تركز على ضبط الإنفاق العام (رويترز)

وذكرت الحكومة -في بيانها- أن موازنة العام 2025 تهدف "إلى تحقيق التوازن بين تلبية الاحتياجات المتزايدة للمواطنين ومتطلبات الإصلاح المالي والإداري، وذلك في ظل استمرار الاقتطاعات الإسرائيلية غير القانونية من أموال المقاصة، والتي تجاوزت 7 مليارات شيكل خلال السنوات الأخيرة".

إعلان

ولا تستطيع الحكومة الفلسطينية الوفاء بالتزاماتها المالية منذ أكثر من عامين سواء لموظفيها الذين عملت على دفع نسبة من رواتبهم أو للقطاع الخاص الذي يقدم لها خدمات في مجال القطاع الصحي أو الإنشاءات أو الإقراض.

ولم يتسلم موظفو القطاع العام أي نسبة من راتب شهر فبراير/شباط الماضي حتى اليوم.

الحصار المالي

وجاء في البيان "تركز الحكومة في موازنة 2025 على ضبط الإنفاق العام وحشد التمويل الخارجي لدعم المشاريع ذات الأولوية، بهدف تعزيز القدرة على الإيفاء بالالتزامات المالية، بما في ذلك دفع رواتب الموظفين وسداد المستحقات المالية للموردين من القطاع الخاص والبنوك".

وأضافت الحكومة أنه "تم اعتماد حزمة من التدابير التقشفية التي تهدف إلى تقليل النفقات التشغيلية والرأسمالية إلى الحد الأدنى، لمواجهة الحصار المالي".

واستعرضت الحكومة بعض هذه الإجراءات، التي تشمل " مراجعة الهياكل التنظيمية ودمج أو إلغاء المؤسسات غير الضرورية، ووقف الاستملاكات وشراء المباني الحكومية والحد من استئجارها، إضافة إلى تعليق شراء أو استبدال السيارات الحكومية إلا للضرورة القصوى، كما تم تعزيز الرقابة على مهمات السفر غير الضرورية، وتوجيه النفقات التطويرية لاستكمال المشاريع الجارية فقط".

مقالات مشابهة

  • إسرائيل تطارد المرتبطين بالملف الفلسطيني في لبنان منذ 25 عاماً
  • ترامب يعلن عن نسب الرسوم التي سيفرضها على عدد من دول العالم والعربية
  • ترامب يعلن عن نسب الرسوم التي يعتزم فرضها على عدد من دول العالم
  • غزة.. الاحتلال اعدم 15 من طواقم الدفاع المدني والهلال الأحمر الفلسطيني
  • بعد واقعة أسد طنطا.. ضوابط حيازة الحيوانات الخطرة بالقانون
  • عاجل | الدفاع المدني في غزة: إسرائيل ارتكبت جريمة حرب باستهداف طواقمنا وطواقم الهلال الأحمر الفلسطيني
  • الرئيس الفلسطيني يعتمد موازنة 2025 بعجز 2 مليار دولار
  • “حماس”: الرهان على كسر إرادة الشعب الفلسطيني تحت “الضغط” مصيره الفشل
  • المجلس الوطني الفلسطيني يدين جرائم الاحتلال في رفح
  • مصر: الوقفات المليونية أكدت مساندتها للشعب الفلسطيني ورفض التهجير