مصدرها الرئيسي من المحيطات.. وجود اليوريا في الغلاف الجوي له عواقب وخيمة على المناخ
تاريخ النشر: 29th, June 2023 GMT
وجد الباحثون في جامعة مانشستر البريطانية أن المصدر الرئيسي لليوريا في النظم البيئية على الأرض يأتي من المحيطات، وأن مناطق المحيطات الغنية بالحياة البحرية لها تأثير أكبر على النظم البيئية والمناخ مما كان يعتقد سابقا.
وجاء ذلك في الدراسة التي نشرتها دورية "بروسيدنغز أوف ذا ناشونال أكاديمي أوف ساينسز" (PNAS) في 14 يونيو/حزيران الجاري.
اليوريا، وتسمى أيضا الكرباميد، مركب عضوي له الصيغة الكيميائية CO(NH2)2، وغني بالنيتروجين الضروري لتطور ونمو الكائنات الحية. وتلعب دورا مهما في عملية التمثيل الغذائي للمركبات المحتوية على النيتروجين بواسطة الحيوانات، كما أنها تستخدم على نطاق واسع في الأسمدة كمصدر للنيتروجين، وهي مادة خام مهمة للصناعات الكيماوية.
وبحسب البيان الصحفي الصادر عن جامعة مانشستر، فإن الدراسة الجديدة تكشف عن إمكانية انتقال اليوريا إلى مسافات طويلة عبر الغلاف الجوي لإفادة البيئات الأخرى التي قد تكون ناقصة المغذيات.
من ناحية أخرى، أكدت الدراسة في نتائجها أن إطلاق اليوريا الغازية في الهواء، يمكن أن تكون لها عواقب بعيدة المدى على الإنتاجية البحرية واستقرار المناخ.
تقول البروفيسورة إميلي ماثيوز، عالمة الغلاف الجوي في جامعة مانشستر "توفر ملاحظاتنا رؤى جديدة حول التفاعلات المعقدة بين الغلاف الجوي والمحيطات والنظم البيئية، كما يعد فهم سلوك وتأثير اليوريا في الغلاف الجوي أمرا حيويا لتعزيز معرفتنا بكيفية نقل الكيميائيات والمواد من خلال بيئتنا ويمكن أن يساعدنا في توجيه الإستراتيجيات للتصدي لتغير المناخ".
وبحسب البيان الصحفي، فقد تم جمع ملاحظات اليوريا في المرحلة الغازية بالغلاف الجوي فوق شمال المحيط الأطلسي باستخدام مختبر قياسات الغلاف الجوي المحمولة جوا (FAAM Airbourne Laboratory)، وهي منشأة أبحاث يديرها المركز الوطني لعلوم الغلاف الجوي (NCAS) في المملكة المتحدة.
ووفرت القياسات التي تم إجراؤها خلال تلك الرحلات بيانات مفصلة عن تكوين وخصائص الهباء الجوي والغازات في الغلاف الجوي، حيث حدد علماء من جامعة مانشستر والمركز الوطني لعلوم الغلاف الجوي، أنواعا فريدة مهمة لدورة النيتروجين البحرية المخفضة، بما في ذلك الملاحظات الأولى لليوريا في المرحلة الغازية بالغلاف الجوي.
تأثير اليوريا على المناخيقول الباحثون إن النتائج التي حصلوا عليها، لها آثار مهمة على فهم دورة النيتروجين وتدعو إلى مراجعة النماذج الحالية. وقالت إميلي ماثيوز "يلعب المحيط دورا مهما في الحفاظ على مناخ مستقر من خلال النشاط البيولوجي الذي يحدث بالقرب من سطح الماء ويسهم في امتصاص ثاني أكسيد الكربون".
وأضافت "نحن نعلم الآن أيضا أن النيتروجين مصدر مهم لليوريا في الغلاف الجوي في معظم العام، مما يعني أننا بحاجة إلى تعديل العمليات والعوامل التي تدخل في دورة النيتروجين لمراعاة الأهمية المكتشفة حديثا لليوريا".
حيث إن دورة النيتروجين هي العملية التي يتحرك خلالها النيتروجين عبر الكائنات الحية والبيئات المادية بما في ذلك الغلاف الجوي والتربة والمياه والنباتات والحيوانات والبكتيريا، أي أنه أساسي لتكوين نظام الأرض والتغيرات في البيئة الطبيعية من خلال التفاعلات مثل تكوين الهباء الجوي وإنتاج الأوزون وكإمداد بالعناصر الغذائية الأساسية للكائنات الحية.
وبحسب البيان الصحفي، لا يزال تفسير ملاحظات اليوريا في المرحلة الغازية لغزا، وهناك حاجة إلى مزيد من البحث لفهم الاقتران البيوجيوكيميائي للنيتروجين بين المحيط والغلاف الجوي.
ويؤكد البيان أن نتائج البحث تمثل مسارًا مهمًّا للانتقال بعيد المدى للنيتروجين لتخصيب المناطق الفقيرة بالنيتروجين في سطح المحيط، كما تساعد مراجعة هذه المعرفة بشكل أفضل على فهم كيفية استجابة المحيط الحيوي للتغيرات المستقبلية.
المصدر: الجزيرة
إقرأ أيضاً:
دييغو غارسيا: القاعدة الحصينة في المحيط الهندي وصراع النفوذ بين واشنطن وطهران
مع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، تبرز جزيرة دييغو غارسيا كأحد الأعمدة الأساسية في الاستراتيجية العسكرية الأمريكية. هذه الجزيرة الصغيرة، الواقعة في قلب المحيط الهندي ضمن أرخبيل تشاغوس البريطاني، ليست مجرد قاعدة عسكرية عادية، بل نقطة ارتكاز استراتيجية تستخدمها واشنطن كموقع آمن لنشر قواتها الجوية والبحرية بعيدا عن تهديدات الخصوم.
قرار الولايات المتحدة نشر قاذفاتها الاستراتيجية من طراز B-2 Spirit في دييغو غارسيا، بدلا من قواعد أقرب مثل قاعدة العديد في قطر، يعكس حسابات عسكرية وأمنية دقيقة تهدف إلى الحفاظ على تفوقها العملياتي في مواجهة إيران. فما الذي يجعل هذه الجزيرة موقعا استثنائيا؟ وهل تمتلك إيران القدرة الفعلية على استهدافها في حال اندلاع مواجهة عسكرية؟
لماذا دييغو غارسيا؟ الأهمية الاستراتيجية
تتمتع دييغو غارسيا بموقع فريد يجعلها قاعدة متقدمة للعمليات الأمريكية في الشرق الأوسط وجنوب آسيا وشرق أفريقيا. تقع الجزيرة على بعد 3800 كيلومتر من إيران، وهي مسافة تبعدها عن نطاق معظم الصواريخ الباليستية الإيرانية التقليدية، التي يصل مداها إلى 2000-2500 كيلومتر. هذا الموقع يمنح القاذفات الأمريكية مثل B-2 ميزة كبيرة في تنفيذ ضربات بعيدة المدى دون أن تكون عرضة لهجمات مباشرة.
على النقيض، تقع قاعدة العديد في قطر على بعد 1200 كيلومتر فقط من إيران، مما يجعلها أكثر عرضة للهجمات الصاروخية أو المسيرات الانتحارية التي تمتلكها طهران. في حال رصد إقلاع قاذفات B-2 من قاعدة العديد، تستطيع إيران تنفيذ ضربة استباقية قد تعرّضها للخطر قبل تنفيذ مهامها. لهذا، تفضل الولايات المتحدة استخدام دييغو غارسيا، حيث توفر بيئة عملياتية أكثر أمانا وأقل عرضة للمفاجآت العسكرية.
البنية التحتية العسكرية للجزيرة
منذ أن أسست الولايات المتحدة القاعدة في السبعينيات، بعد تهجير السكان الأصليين من أرخبيل تشاغوس، أصبحت دييغو غارسيا منصة انطلاق رئيسية للعمليات العسكرية الأمريكية.
• مدرج طيران طويل يسمح بإقلاع القاذفات الثقيلة مثل B-52 وB-2.
• مرفأ عميق يستوعب السفن الحربية والغواصات النووية.
• مخازن ضخمة للوقود والعتاد تديرها قيادة النقل البحري الأمريكية.
• حوالي 4000 فرد عسكري ومتعاقد أمريكي، مع وجود وحدة بريطانية صغيرة.
استخدمت الولايات المتحدة القاعدة في عمليات حربي أفغانستان (2001) والعراق (2003)، وهي الآن عنصر أساسي في أي مواجهة محتملة مع إيران.
التوترات مع إيران: رسائل الردع والتهديدات المتبادلة
في ظل التصعيد الأمريكي ضد إيران، خاصة خلال إدارة دونالد ترامب التي أعادت سياسة "الضغط الأقصى"، أصبحت دييغو غارسيا جزءا من الترتيبات العسكرية لمواجهة طهران.
• في آذار/ مارس 2025، نشرت الولايات المتحدة قاذفات B-2 في الجزيرة كإشارة ردع واضحة.
• هذه القاذفات تحمل أسلحة استراتيجية مثل قنابل GBU-57 المضادة للتحصينات، والقادرة على ضرب المنشآت النووية الإيرانية المحصنة تحت الأرض.
• الرسالة الأمريكية لطهران واضحة: القدرة على توجيه ضربات موجعة من موقع آمن خارج نطاق الردع الإيراني.
الرد الإيراني: تهديدات بقدرات مشكوك فيها
إيران من جهتها لم تقف مكتوفة الأيدي، إذ هدد قادتها العسكريون مرارا باستهداف دييغو غارسيا في حال اندلاع صراع مفتوح. لكن السؤال الأهم: هل تمتلك إيران فعلا القدرة العسكرية لضرب القاعدة؟
هل تستطيع إيران استهداف دييغو غارسيا؟
رغم التهديدات الإيرانية، فإن القدرة الفعلية على ضرب القاعدة محل شك كبير للأسباب التالية:
1- المدى الصاروخي غير كافٍ
• صواريخ إيران الباليستية مثل شهاب-3 وسجيل-2 يصل مداها إلى 2000-2500 كيلومتر، وهي أقصر من المسافة المطلوبة (3800 كلم).
• إيران تمتلك صاروخ "خرمشهر" الذي يُزعم أن مداه 3000-4000 كيلومتر، لكن لا يوجد دليل عملي على نجاحه في ضرب أهداف بهذا البعد.
2- المسيرات بعيدة المدى: خيار غير فعال
• إيران طورت طائرات مسيرة مثل "شاهد-136B" التي يُقال إن مداها 4000 كيلومتر، لكن سرعتها البطيئة وضعف حمولتها يجعلها عرضة للإسقاط قبل الوصول لهدفها.
• القاعدة محمية بأنظمة دفاع جوي متطورة مثل "ثاد" و"باتريوت"، مما يقلل فرص نجاح أي هجوم.
3- الخيار البحري: تهديد محتمل ولكن ضعيف
• إيران قد تحاول إطلاق طائرات مسيرة من سفن حربية في المحيط الهندي، لكن ذلك سيتطلب اقتراب السفن من مناطق تخضع للرقابة الأمريكية المكثفة، مما يجعلها هدفا سهلا للقوات البحرية الأمريكية.
4- التبعات السياسية والعسكرية
• أي هجوم مباشر على دييغو غارسيا يعني إعلان حرب مفتوحة مع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.
• الرد الأمريكي سيكون ساحقا ومدمرا، وربما يشمل ضربات استراتيجية ضد مواقع حساسة داخل إيران، وهو ما يدركه القادة الإيرانيون جيدا.
الخلاصة: دييغو غارسيا بين الردع والتصعيد
دييغو غارسيا ليست مجرد قاعدة عسكرية، بل رمز للهيمنة الأمريكية في المحيط الهندي وأداة ردع استراتيجية ضد الخصوم. اختيارها لنشر قاذفات B-2 يعكس رغبة واشنطن في الحفاظ على تفوقها العملياتي وحماية أصولها الجوية من أي تهديدات مفاجئة.
أما التهديدات الإيرانية باستهداف الجزيرة، فتبقى في إطار الدعاية أكثر منها تهديدا عمليا، نظرا لمحدودية القدرات الصاروخية والمسيرة الإيرانية في الوصول إلى الجزيرة بفعالية. ومع ذلك، فإن تصاعد التوترات بين الجانبين يجعل دييغو غارسيا نقطة ارتكاز في أي سيناريو مواجهة مستقبلية، حيث ستظل جزءا من التوازن الاستراتيجي بين واشنطن وطهران، بين الردع والتصعيد المحتمل.