بيان موقف من عضو مجلس السيادة الإنتقالي الدكتور الهادي إدريس يحيى
تاريخ النشر: 6th, November 2023 GMT
طالعتُ مثل غيري عدداً من القرارات غير المسببة (بتاريخ ٩ يوليو، و ١ نوفمبر، و أخيراً ٣ نوفمبر )، منشورة على وسائط التواصل الاجتماعي، ومذيلة باسم القائد العام للقوات المسلحة تزعم فيها إقالتي من عضوية مجلس السيادة، وقد سبق إصدار كل قرار من تلك القرارات حملةٌ إعلامية منظمة من دعاة الحرب وبقايا النظام البائد موجهة ضد مواقفي المناهضة للحرب والداعية لاستعادة السلام والمسار الديمقراطي.
تشرفتُ بعضوية المجلس السيادي فى مارس ٢٠٢١، وذلك ضمن استحقاقات تنفيذ إتفاقية جوبا لسلام السودان، والتى وُقعت عقب ثورة ديسمبر المجيدة. فقبلنا بموجب الوثيقة الدستورية وشرعيه ثورة ديسمبر المجيدة ذلك التكليف.
الشعب السوداني الأبي
إن دافعي وراء إصدار هذا البيان ليس المنازعة حول أو التمسك بمنصب بات صورياً منذ انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر، وإنما لتوضيح الحقائق ولتأكيد و تجديد مواقفي المنحازة لثورة ديسمبر المجيدة ولخيار و قف الحرب واستعادة التحول الديمقراطي عليه أوضح التالي:
أولاً، تم نشر مرسوم غير مسبب بتاريخ ٣ نوفمبر ٢٠٢٣ صادر من (رئيس مجلس السيادة) يقضي بإعفائي من منصب عضو مجلس السيادة الانتقالي، وهو مرسوم صادر ممن لا يملك سلطة ولا مشروعية لإصداره. إذ تنص المادة ١١، البند ٢ من الوثيقة الدستورية أن "يُشكل مجلس السيادة من أربعة عشر عضواً خمسة أعضاء مدنيين تختارهم قوى الحرية والتغيير وخمسة أعضاء يختارهم المكون العسكري وعضو مدني يتم اختياره بالتوافق بين المكون العسكري و قوى الحرية والتغيير وثلاثة أعضاء تختارهم أطراف العملية السلمية الموقعة علي اتفاق جوبا لسلام السودان، ويجوز للجهات التي قامت بالاختيار حق تعيين واستبدال ممثليهم). وهذا النص الدستوري حدد بوضوح أن الجهات التي اختارت ممثليها في مجلس السيادة هي صاحبت الحق الحصري في استبدال ممثليها وليس لرئيس المجلس أي سلطة لإصدار مرسوم بالإقالة. فاختياري تم بموجب اتفاق جوبا وأي مساس به يعني انهيار اتفاق مرعي من دولة جنوب السودان والشهود والضامنين الدوليين. علاوة على ذلك، فإن المادة ١٤ من الوثيقة الدستورية، التي نصت على حالات فقدان عضوية مجلس السيادة، لم تتضمن الإعفاء بمرسوم صادر من رئيس المجلس كسبب من أسباب فقدان العضوية.
ثانياً، نصت لائحة تنظيم أعمال مجلس السيادة علي أن النصاب القانوني لاجتماعات المجلس ثلثي أعضاء المجلس الحضور، أي ٩ أعضاء علي الأقل من عضوية المجلس المكونة من ١٤ عضواً. أما آليه اتخاذ القرارات داخل المجلس، فوردت في المادة ١٢ البند ٣ من الوثيقة الدستورية، التي تنص على أن "تصدر قرارات مجلس السيادة بالتوافق أو بأغلبية ثلثي أعضائه في حالة عدم التوافق).
استناداً إلى النصوص أعلاه، فإن اجتماع ثلاثة من العسكريين و رابعهم من أطراف السلام في بورتسودان لا يعتبر اجتماعاً قانونياً لمجلس السيادة و ليس له الحق في إصدار أي قرارات بإسم المجلس.
ثالثاً: بعد سبعة أشهر من التكليف أي فى ٢٥ من أكتوبر، قام قائد الجيش بانقلاب عسكرى عطل بموجبه بعض بنود الوثيقة الدستورية. رفضنا الانقلاب، ورفضنا كذلك نحن الأعضاء الثلاثة من الجبهة الثورية الموقعين على اتفاق جوبا اداء القسم للمرة الثانية بموجب إجراءات الانقلاب. وقد أدى قائد الجيش و بقية المكون العسكري اليمن الدستورية للمرة الثانية فى محاولة لشرعنة الانقلاب. أما نحن؛ فقد تمسكنا بالقسم الذي تم بموجب الوثيقة الدستورية قبل الانقلاب. بالتالي فمن الناحية العملية، كان هنالك مجلسين، مجلس يستمد شرعيته من الوثيقة الدستورية وآخر من الانقلاب.
رابعاً: بموجب أحكام الوثيقة الدستورية كل أعضاء السيادي مجتمعين يمثلون رأس الدولة، ورئيس المجلس تنحصر مهامه فى إدارة الاجتماعات، وذلك وفقاً لأحكام اللائحة الداخلية المنظمة لأعمال للمجلس، التي تنص على أن النصاب القانونى لأي اجتماع هو على الأقل ٩ أعضاء من جملة ١٤ عضواً. بعد الانقلاب، حاول قائد الانقلاب إدخال أعضاء جدد. وقد اعترضنا على ذلك، لكنه مضى فى التعيين، ثم تراجع باقالتهم فى أقل من ٦ شهور. منذ ذلك الحين لم يجتمع المجلس ولم يتخذ أي قرار لأنه فاقد للأهلية القانونية. و نسبة لهذا التعطيل الذي أحدثه الانقلاب ظللنا متمسكين بعضوية المجلس الشرعي دون أن ينعقد أي اجتماع لمدة عام قبل إشعال زعيم الانقلاب وحلفائه الحرب في ١٥ ابريل؛ فمن يقيل من؟
خامساً، برغم الانقلاب و تداعياته، حاولنا جاهدين التواصل مع المكون العسكري بغرض إصلاح ما أفسده الانقلاب واستعادة مسار التحول الديمقراطي. فقدمنا مبادرة من الدمازين باسم الجبهة الثورية، وأثمرت مجهوداتنا مع الآخرين فى التوقيع على الاتفاق الاطاري، الذي شكل أساساً لخروج البلاد من الأزمة الدستورية، التي أحدثها الانقلاب. لكن من قاد الانقلاب فى ٢٥ أكتوبر، ٢٠٢١ قاد انقلاباً آخر فى ١٥ ابريل ٢٠٢٣ بالتعاون مع عناصر النظام البائد لقطع الطريق أمام استقرار البلاد والتحول الديمقراطي.
سادساً، اتساقاً مع مواقفنا السابقة رفضنا التماهي مع دعاة الحرب، ورفضنا الذهاب إلى بورتسودان حيث حكومة الحرب التي يهيمن عليها الفلول، وعملنا مع قوى الثورة والتغيير لوقف الحرب واستعادة التحول الديمقراطي، وشاركت الجبهة الثورية بفعالية في الاجتماع التحضيري في أديس أبابا، هذه المواقف هي التي دفعت بالنظام البائد لإصدار أكثر من قرار بإقالتي باسم القائد العام للجيش، ودفع زعيم الانقلاب ومشعل الحرب بإقالتي بقراره الأخير.
سابعاً، إنني أقول بكل ثقة إنني غير معنى بأي من القرارات، التي صدرت ممن لا يملك الحق الدستوري في إصدارها. ولسوف أواصل جهودي لوقف الحرب مع القوى التى تؤمن بالديمقراطية وبوحدة و استقرار السودان. وأقول للقائد العام للقوات المسلحة: لقد منحك التاريخ والشعب السوداني ثقة كبيرة وعظيمة، عندما تم تكليفك برئاسة المجلس السيادي الانتقالي عقب ثورة ديسمبر الظافرة. و كانت أمامك فرصة تاريخية بأن تحول السودان إلى دولة مستقرة مزدهرة، ومحررة من قبضة الفلول، الذين دمروا السودان. لكنك اخترت الطريق المناهض للثورة، وتحالفت مع من قسموا البلاد إلى شمال وجنوب ويريدون مزيداً من التقسيم الآن، وارتكبوا حرب الإبادة الجماعية فى حق الشعوب السودانية الأصلية فى أطراف البلاد، ودمروا مؤسسات الدولة. إنك بتحالفك الخاطئ، المدمر هذا أدخلت بلادنا فى حرب عبثية ومحنة كبرى، يدفع الشعب السوداني كله ثمنها القاسي معاناة وتشرداً وتمزقاً.
أقول للقائد العام للقوات المسلحة عليك أن تنظر لأربعة سنين للوراء لترى كيف صار الحال والمآل، جاء ملايين السودانيين والسودانيات لأسوار القيادة العامة رافعين شعارات السلمية والمصالحة بين الجيش والشعب، طلبوا الحرية والسلام والعدالة، فصار الحال الآن على النقيض، حرب وقتل وتشريد وظلم ولجوء ونزوح. كنت رئيس مجلس سيادة من ١٤ عضواً من كل أرجاء السودان وقواه المدنية وحركات الكفاح المسلح، فانتهى الحال لاجتماع ٣ عسكريين ورابعهم من أطراف السلام، فهل أخذت العبرة مما مضى وعلمت في أي مسار تقود البلاد وما هو مستقبلها في ظل نهجك الذي اخترته واختاره فلول النظام السابق؟
أخيراً، أقول بأننا قد حاولنا بعد الانقلاب وبعد الحرب مساعدتك للخروج من الأزمة، التى خلقتها. لكننا تفاجأنا بانشغالك بمعارك صغيرة للغاية، وبالاستماع إلى دعاة الحرب من الفلول ومن شايعهم، ربما لا زالت أمامك فرصة ضئيلة للارتقاء إلى مستوى الأزمة وذلك بأن تختار العمل لوقف الحرب فوراً والاتجاه نحو سلام شامل وعادل من أجل السودان وشعبه الذي يموت ويعاني ويتشرد بالأخطاء المدمرة التي ارتكبتها. وعلى الرغم من القتامة التي تعيشها بلادنا، إنني على ثقة بأن بلادنا سوف تخرج من هذة الأزمة قوية وموحدة. وسوف تكون هذه الحرب هي آخر الحروب، ويعم السلام والاستقرار أرضنا. ويومئذٍ سوف يحاسب شعبنا من قتلوا أحلامهم فى الاستقرار والتحول المدنى الديمقراطي.
الدكتور الهادي إدريس يحيى
عضو مجلس السيادة السوداني الإنتقالي
رئيس الجبهة الثورية السودانية
رئيس حركة تحرير السودان المجلس الإنتقالي
٥ نوفمبر ٢٠٢٣
المصدر: سودانايل
كلمات دلالية: الجبهة الثوریة مجلس السیادة
إقرأ أيضاً:
نشر ثقافة السلام أساس إعمار السودان
قضت ھذھ الحرب اللعينة على كثير من العلاقات الاجتماعية حتى داخل الاسرة الواحدة، وأحيانا بين الاخوين الشقيقين. فقد كان صادما لأحدى الاسر أن وجدت فجأة ابن لھا يقاتل في صف مليشيا الدعم السريع بينما ابن ثاني لھا يقاتل في صفوف القوات المسلحة السودانية.
وبالطبع وقع اللوم على الوالدين من قبل الجيران والعائلة الكبيرة وتمت مقاطعة الأسرة بل شتمها من الكل، اي من الذين يعتبرونها مساندة للقوات المسلحة ومن الذين يعتبرونها مساندة لمليشيا الدعم السريع!!!
ھذا الوضع المزرى انتشر بصورة او بأخرى في الاحياء السكنية بل حتى في القرى والريف، مما أدى لخوف الجميع من وجود فرد او افراد بينھما او قربھم متحمس الى درجة التطرف "شايلاھ الھاشمية" لمناصرة أحد الطرفين حسب وجھة نظرھ الخاصة، ولوحظ أن الامر يبدأ ببلاغات كيدية وتصفية حسابات قديمة وقد ينتھي بحماقة كبرى داخل الاسرة او الحي.
في أخف الحالات اصبحت الاسر في حالة نقاشات حادة، تتطور لنزاعات داخل العائلة واتخاذ موقف مع او ضد القوات المسلحة، مما دفع بالبعض للنزوح قريبا من مناطق سيطرة القوات المسلحة او بعيدا عن مناطق سيطرة مليشيا الدعم السريع
نعم. ستقف الحرب عما قريب بشكل او بأخر؛ ولكن بعد ان يكون قد سقط الالاف من القتلى و الضحايا و المفقودين.
وبعد أن يكون قد أصاب الاسر والاحياء السكنية تمزق مجتمعي كبير، بل عند البعض أصبح الصراع قبلي وجھوي وعنصري وقد يصر البعض على نشر هذا التعصب حوله، و ھو أمر يلاحظ أنھ انتشر انتشار النار في الھشيم في وسائط التواصل الاجتماعي.
لذلك يجب بعد توقف الحرب، ان يكون لكل مواطن وقفة مع نفسه ويصل لقناعة بأن الإصلاح يبدأ من المستوى الفردي، ،فيتسأل ماذا عساي فاعل للمساهمة في الإصلاح و"تعزيز التسامح" على مستوى الاسرة والعائلة والحي السكني، مما يؤدي لإعادة بناء اللحمة و رتق النسيج الاجتماعي ، أي المساھمة في ايجاد نوع من المصالحة الوطنية على مستوى القاعدة "ضبط المصنع"، ثم يأتي دور منظمات المجتمع المدني والجمعيات التطوعية لرفع شعار ان "السودان بلد واحد" والتكرار اليومي في اجھزة الاعلام وغيرھا لأغنية المرحوم الفنان أحمد المصطفى " أنا سوداني" ، و "تعزيز التفاهم والتسامح والتعايش السلمي بين الأفراد والمجتمعات".
ثم على مستوى أعلى يأتي دور الحكومات المحلية لتقوم بالصلح بين المجتمعات المتعددة الثقافات واللهجات فتجمع رؤوس القبائل ووجهاء المجتمع وتركز عليهم في حلقات توعوية بضرورة نشر مفاهيم التعايش السلمي، وان القانون فوق الجميع، كذلك يمكن من خلال الندوات المحلية وخطب المساجد وحتى دروس الخلاوي التركيز على قيم المساواة التامة بين كل المواطنين بمختلف أعراقهم ودياناتهم، كما ينبغي للحكومات المحلية القيام بمحاربة كل ظواهر العنف واولها جمع السلاح الناري.
ثم على مستوى الحكومات الإقليمية والمركزية. يجب الالتفاف للتعليم فھو الركيزة الأساسية لبناء الاخاء والانصهار الاجتماعي بين اطفال اليوم الذين سيكونون اباء وأمهات الغد، لذلك يجب ان يكون ضمن مناھج التعليم حصص للتربية الوطنية موجھة لصقل الطفل بكل قيم الاخاء والمساواة والوطنية الصادقة..
أن بناء السودان الجديد لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال نشر ثقافة السلام وتبني قيم التسامح والتعايش السلمي بين جميع أبناء الوطن. إن إصلاح ما أفسدته الحرب يتطلب جهداً جماعياً يبدأ من الفرد والأسرة ويمتد إلى المجتمع بأسره. علينا جميعاً أن ندرك أن السودان وطن يسع الجميع، وأن الوحدة الوطنية هي الركيزة الأساسية لإعادة إعمار ما دمرته الصراعات. فلنجعل من التسامح قيمة عليا ومن الحوار وسيلة لحل النزاعات، ولنعمل معاً على غرس بذور المحبة والسلام في نفوس الأجيال القادمة، حتى ينهض وطننا قوياً موحداً ينعم بالأمن والاستقرار.
wadrawda@hotmail.fr