لجريدة عمان:
2025-04-05@10:18:22 GMT

أحداث الذروة.. مرحلة من اللانظام

تاريخ النشر: 5th, November 2023 GMT

تتوافد كمية المعلومات المضللة؛ غالبا؛ مع طراوة الأحداث فتؤثر سلبا على قناعات الناس، وقد توجد نوعا من البلبلة في المواقف وفي ردود الأفعال التي يقوم بها الأفراد (قولية/ فعلية) وهذا الأمر يستوجب أن يكون الفرد على درجة كبيرة من الذكاء، ودرجة كبيرة من التأمل، ودرجة كبيرة من التيقن، ودرجة كبيرة من القدرة على إيجاد مقارنات بين الأحداث؛ حديثها وقديمها، وألا يسلم الإنسان الأمر من دون رؤية، وإلا قد يقع في مآزق كثيرة، وأهمها على الإطلاق مدى إيمانه بأهمية ما يتخذه من إجراء على مستواه الشخصي؛ أولا؛ لأن الإنسان - يفترض - أن تسيره مجموعة من المبادئ والقيم السامية، وألا يكون مساحة مستباحة لكل دور، ولكل موقف، فمواقفه محددة، ومعروفة؛ لدى نفسه؛ والتزامه الذاتي أيضا معروف لدى نفسه، ولا يفترض؛ أبدا؛ أن يعول على الآخرين في مثل هذه الالتزامات الذاتية، وللآخرين أن يكتشفوا حقيقته من خلال أفعاله وسلوكه، وبالتالي فمن لا يكون على هذه الشاكلة، فهو معرض لأن يعيش سلوكا مزدوجا «انفصام في الشخصية» وهذا ليس من صفات الإنسان السوي.

وبقدر أهمية هذه الصورة، إلا أنه ليس من اليسير المحافظة عليها في ذروة الأحداث، وقد يكون ذلك من الامتحانات الصعبة التي تمر على الفرد في حياته، وإن تباعدت؛ فهذا لا يعني عدم تكرارها، ولو بسيناريوهات مختلفة.

جميعنا يقع في مستنقع ذروة الأحداث، ويأتي توصيف الـ«مستنقع» للحظة ما من لحظات هذه الذروة، حيث يغيب من خلالها التفكير الواعي، والرؤية السديدة، فتأتي مجموعة الانفعالات لتسيطر على مجمل العوامل الضابطة لسلوك الأفراد الذين هم في لحظة حدثهم ذاك، ولأنه أمر متوقع من الغالبية العظمى من الناس، فإن تسلسل الأعذار لمجمل الأخطاء التي تحدث حينها قائم، والناس يتفهمون ظروف هذه المواقف، ولكن لا ينسون مجمل الأخطاء التي تقع، وقد يتخذونها أمثلة في أحاديثهم الجانبية، مع أن الجميع معرض لأن يكون في ذات الموقف في يوم من الأيام.

وتأتي إشكالية هذه الذروة أنها تكثر فيها القرارات العاطفية، والانفعالات غير المدروسة، ومن السهولة جدا أن ينصاع الفرد في هذه المواقف لأي صاحب ذي غرض سيئ، فهناك البعض من يستغل هذه المواقف لتحقيق مآربه الشخصية، بغض النظر عن فداحة بعض الأحداث وقسوتها على النفس، وهذا بالتأكيد ليس من الأخلاق في شيء، ويعكس دناءة الشخصية عند من يشعر نفسه بأن فرصته المواتية للنيل من الطرف الآخر، أو زجه في التزام مادي أو معنوي في أي شأن من شؤون الحياة اليومية، ولذلك فمجمل القرارات التي تتخذ في مثل هذه الظروف، تظل قرارات لا يعول عليها في بناء رؤية مستدامة لما هو آت، وبالتالي فسرعان ما يكتشف حالة التسرع التي رافقت اتخاذها في ذلك الظرف الصعب، بعد أن تنجلي الغمة، ويعود الفرد إلى حالته الطبيعية.

تحتاج المواقف والرؤى المستدامة إلى كثير من التيقن الناتج عن معايشة الأحداث المستمرة، وذلك حتى تتأصل هذه الرؤى وتؤتي بنتائج واقعية توجه الأفراد نحو اتخاذ السلوكيات المتزنة، وغير المتسرعة، وبخلاف ذلك فمن المتوقع أن يحدث ترهل وردود أفعال متشنجة، ومتسرعة، وانفعالية، لا تعكس إدراكا حقيقيا لمسارات الأحداث، ونتائجها المتوقعة، وهذا لا يبني وعيا متأصلا لمواجهة الأحداث الجسام مع تكرارها في كل مرة، فالحياة؛ كما هو معلوم قائمة على أحداث متتالية، لا يكاد الإنسان ينهي حدثا ما، إلا ويصطدم بحدث آخر، قد يكون أشد ضراوة من سابقه، ويحدث هذا على المستويين الشخصي والعام، ولأن الفرد جزء من العام، فإن مآلات الأحداث تتداخل في اهتمامات العام والخاص على حد سواء، وهذا مما يعقد المسألة كثيرا، ويصعب الفصل بينهما، كما يلقي بالمسؤوليات على كلا الطرفين.

والمسألة تأخذ خطورتها أكثر من جانب الأفراد؛ خاصة في الأحداث العامة، وذلك لأن قناعات الأفراد وردود أفعالهم وأقوالهم مرتبطة كثيرا بمفهوم (حمالة أوجه) أي التغير والتبدل في المواقف والقرارات في أية لحظة، خاصة إذا كان ليس هناك التزام مادي ملموس، والإنسان؛ عموما؛ لا يلتزم إلا بالشيء المكتوب الموثق، وذلك للحد من التنصل بمسؤولياته تجاه العام، وللحد من مناوراته المعروفة، في لحظات الالتزام الجماعية، وللتقليل أيضا من حالات الانفعالات غير القائمة على أسس ثابتة، ومقنعة.

الكل ينادي بأهمية البعد الإنساني، وأن الحياة لا يمكن أن تتنصل منه في أي موقف كان، يروج بهذا المفهوم في حالات الظروف الطبيعية التي تكون فيها الأنفس آمنة مستقرة، لا تتنازعها المخاطر من كل حدب وصوب، ولكن في لحظة زمنية فارقة تتلاشى هذه الأهمية لهذا البعد، فتظهر الكوامن النفسية المخبوءة؛ حينها تتجرد الأنفس من إنسانيتها، وتظهر وجهها القبيح، حتى وإن تصنعت بالأناقة، وبالمظهر الكاذب، حيث تذهب هذه الأنفس إلى ما يروي عطشها، دون أدنى رحمة بالطرف الآخر، ذلك أن الإنسان مركب من مجموعة من الإشباعات العاطفية المختلفة، وإذا لم يتم إرواؤها إلى حد التخمة فإن هذه الإشباعات تظل أفواهها مفتوحة، ولن تغلق إلا بإلجامها بما تحن إليه، ولقد عايشنا ظروفا استثنائية عديدة - حدثت في فترات سابقة - تجلت فيها هذه الصورة في أسوأ معانيها؛ للأسف؛ خاصة في ظروف الأنواء المناخية التي مرت بها السلطنة في سنوات مضت، وهذه المشاهد وثقت، وكتب عنها الكثير.

غالبا من يتأثر بغير هدى في اللحظة الحرجة للأحداث؛ وخاصة الجسيمة منها؛ هم العوام من الناس، والذين ينجرون وراء كل ناعق بما يسمى بـ «عقلية القطيع» وفي المقابل أيضا هم أول من يتراجع عن مواقفهم، وفي لحظة زمنية قصيرة جدا، ليس لأنهم ليست لهم الرؤية الواعية مثل الآخرين الذين يراقبون المشهد من بعيد، ولكن لأن هناك انسياق غير طبيعي يعيشه الكثيرون من الناس في لحظات الذروة، هذه الصورة يؤكدها علماء النفس في تقييمهم للناس عندما يتخلى الفرد عن كل مكتسباته المعرفية، وخبرة الحياة في مثل هذه الظروف، وينساق في زمرة المجموعة؛ قد لا يدري إلى أين سوف تأخذه؛ المهم أنه ضمن المجموع؛ هكذا استسلام طوعي، وبلا مقابل، ولذلك حتى يعود الفرد إلى حالته الطبيعية يحتاج إلى فترة زمنية تتيح له التفكير للعودة إلى نقطة الصفر؛ التي كانت قبل طراوة الحدث الذي اغتال كل مقوماته التي تمكنه من أن يكون أكثر اتزانا، وأكثر حيادية، وهنا أشير إلى تغريدة نشرها أبو الخطاب المحرزي؛ عبر منصة «إكس» قال فيها: «هل تسيرنا العاطفة عندما تكون متأججة فقط أم لنا أهداف سامية؟ ويضيف: «يبدو لي ذلك جلي عندما يعلو صوت المقاطعة لوجود حدث يدغدغ العاطفة أو أخذنا طوفان التقليد فقط، فنتسابق للمقاطعة وماهي إلا أيام معدودة ويصدق فينا المثال القائل: عادت حليمة إلى عادتها القديمة. من لا يسير على هدف يضل الطريق». والمحرزي يذهب هنا إلى الإشارة إلى المقاطعة العشوائية؛ المرتهنة بقناعة الأفراد كل على حدة، وهذه النتيجة التي يشير إليها متوقعة بدرجة قد تصل إلى (100%) بعكس المقاطعة المنظمة التي تكون تحت مسؤولية جهة ما.

في أحلك الظروف وأشدها قسوة تتجرد بعض الأنفس من المعاني الإنسانية، وتنتصر للمصلحة الخاصة، والمصلحة الخاصة قد تذهب لخدمة مجال ما ينتمي إليه الفرد (طائفي؛ ديني؛ عرقي؛ جندري؛ والقائمة تطول) وهذا أشد إيلاما للبشرية؛ حيث يغيب البعد الإنساني ويتجرد الإنسان من إنسانيته، فيصبح وحشا كاسرا متعطشا للمادة؛ أكثر منها للمناخات الإنسانية؛ وهذا ليس تعميما؛ فـ «تأخذه العزة بالإثم» وبالتالي فلا يستغرب من هذا السلوك القاسي الذي يبديه الإنسان تجاه أخيه الإنسان، فهو هنا لم يتجرد من إنسانيته؛ كما هو القول الشائع؛ وإنما يوظف الذات الإنسانية نفسها في الجانب الآخر من معادلة الضمير، فما بين ضمير ميت وآخر حي، تتسع الممارسات، وتتمايز، وهذا كله لا يزداد ضراوة إلا في الأحداث الجسيمة التي تسيرها العواطف، أكثر من أن توازن في تفعيلها العقول.

أحمد بن سالم الفلاحي كاتب وصحفي عماني

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: کبیرة من

إقرأ أيضاً:

وزير: تسقيف الأسعار ليس حلاً للغلاء بل قد يكون له سلبيات

أكد وزير الصناعة والتجارة الخارجية، رياض مزور، أن الحكومة تمتلك السلطة القانونية لتسقيف الأسعار، إلا أن هذا الإجراء لا يعتبر حلاً فعالاً لمشكلة الغلاء.

وفي تصريح له خلال برنامج تلفزيوني، أوضح مزور أن تسقيف الأسعار قد يكون له تأثيرات سلبية تتفوق على فوائده، حيث يؤدي إلى خلل في توازن العرض والطلب.

وأشار الوزير إلى مثال الطماطم، حيث يمكن للحكومة فرض سقف سعري لا يتجاوز أربعة دراهم، وهو ما يعني أن سعرها في سوق إنزكان للجملة لن يتعدى درهما ونصف.

ومع ذلك، أوضح مزور أن تكلفة إنتاج الطماطم تفوق هذا السعر بكثير، مما قد يدفع الفلاحين إلى التخلي عن زراعتها، وبالتالي ننتقل من مشكلة الغلاء إلى أزمة ندرة في العرض.

وأكد مزور أن الحل يكمن في تحسين توازن العرض والطلب، وتنظيم سلسلة التوزيع، بالإضافة إلى معالجة دور الوسطاء في السوق، بدلاً من اللجوء إلى تسقيف الأسعار.

مقالات مشابهة

  • سوريا تردّ على تقرير «منظمة العفو الدولية» بشأن أحداث الساحل
  • دمشق ترد على العفو الدولية بشأن أحداث الساحل
  • الحكومة السورية ترد على تقرير العفو الدولية بشأن أحداث الساحل
  • الصحة في أرقام .. 2560 جنيها نصيب الفرد من الإنفاق و643 مستشفى حكومي
  • خبير روسي: التكامل بين الذكاء الاصطناعي والدماغ البشري لن يكون ممكنا قبل منتصف القرن
  • هل يمكن للحراك الاجتماعي أن يكون مفتاح انتعاش اقتصاد أوروبا؟
  • النمر يحذر: تنميل الأطراف قد يكون علامة على مشكلة صحية خطيرة
  • بعد انتهاء شهر رمضان وعيد الفطر 2025.. كيف تستعيد نظامك الغذائي؟
  • وزير: تسقيف الأسعار ليس حلاً للغلاء بل قد يكون له سلبيات
  • أنطونيو كوستا ليورونيوز: يجب أن يكون الرد الأوروبي "حازمًا ولكن ذكيًا" في مواجهة "خطأ ترامب الكبير"