الطائف تستحضر مكانة “الشعر العربي” تراثاً وحضارة وأدباً وفكراً
تاريخ النشر: 2nd, November 2023 GMT
أطلقت وزارة الثقافة من أرض الطائف اليوم “منتدى الشعر العربي” بالتعاون مع جامعة الطائف ممثلةً في أكاديمية الشعر العربي، وبإشراف من هيئة الأدب والنشر والترجمة، ضمن مبادرة عام الشعر العربي 2023، وذلك بحضور الأدباء والمثقفين، وعدد من المتخصصين في الشّعر العربي ونقّاده من داخل المملكة وخارجها لتسليط الضوء على الشعر العربي بالشواهد الأدبية المطلة على التاريخ والتراث والثقافة، حيث استحضرت قبة المنتدى تحت زخات المطر ذاكرة و مكانة “الشعر العربي بصفته أحد أهم الفنون التعبيرية المتجذرة في عمق ووجدان الإنسان العربي منذ أزل طويل، إذ احتل الشعر مكانة رفيعة المستوى عند الإنسان دون الأدبيات الأخرى القديمة أو المعاصرة، حتى جعلوا من الشعر ديوانهم الذي ينقل مآثرهم ويجوش عن مشاعرهم وطموحاتهم، مشكلًا مصدرًا وثائقيًا تاريخيًا يُعتمد عليه في سرد قصص حياتهم وأحداثها المختلفة.
وسلطت أولى جلسات المنتدى الافتتاحية، الضوء على مبادرة عام الشعر العربي، وما يستهدفه المنتدى من تطلعات تثري الساحة الشعرية، مناقشة موضوع الشعر العربي باعتباره تراثاً غير مادي، وذلك بمشاركة المدير العام للإدارة العامة للأبحاث والدراسات الثقافية الدكتور رائد السفياني، ومدير عام الإدارة العامة للأدب خالد الصامطي، ومدير عام أكاديمية الشعر العربي بالجامعة الدكتور منصور الحارثي، وخبير مركز الإيسيسكو للغة العربية للناطقين بغيرها الدكتور أنس النعيمي.
واستهلت ثاني جلسات المنتدى بالحديث عن “الشعر باعتباره ظاهرة إنسانية” تمارسه الشعوب سواء البدائية أو المتطورة، وتتعاطاه مختلف الفئات الخاصة المثقفة والشعبية العامة، كما أن وجوده مرتبط بوجود الإنسان، وفقاً لما كشفته أقدم النقوش، باعتبار الشعر معبراً عن عاطفة الإنسان، ونظرته إلى العالم.
وانصب الاهتمام في الجلسة الثالثة، تحت عنوان “الشعر حول العالم: المكانة والدور والصورة”، ووضع الشعر في العالم، تضمنت اتجاهاته والتغييرات التي طرأت عليه في مختلف الثقافات والوظائف المناطة به في التيارات العالمية، حيث أدار الجلسة الدكتورة جميلة العبيدي، بمشاركة محمد البريكي من دولة الإمارات والدكتور صالح الزهراني والدكتور مصطفى الضبع من دولة مصر.
وشهد المنتدى ورشة عمل تتحدث عن اتجاهات القصيدة الحديثة، لتعريف الجمهور بأبرز الاتجاهات الشعرية الحديثة عبر نماذج من قصائد سعودية وعربية حديثة، كما ناقشت الورشة بنية القصيدة الحديثة وإيقاعها، ومصادر الصور الشعرية. قدم الورشة د. عادل المظيبري. كما شهد المنتدى في يومه الأول أنشطة ثقافية، وفنوناً أدائية وعرض ملصقات علمية، بمشاركة العديد من الجهات الثقافية.
وتحضر الطائف منذ القرون الماضية في المؤلفاتِ التاريخية والثقافية الشعرية؛ تراثاً وحضارة وأدباً وفكراً، ومثَّلت بذلك ريادة غير مسبوقة اتسمت في أغلب حالاتها, بالتعريف والتوثيق والتأصيل والكشف عن تراث الشعر العربي الذي تنتمي فيه بكيانها وهويتها إلى وجدان جموع الشعراء.
المصدر: صحيفة الجزيرة
كلمات دلالية: كورونا بريطانيا أمريكا حوادث السعودية الشعر العربی
إقرأ أيضاً:
المرحوم الدكتور زكي مصطفي: العالم واللغو
(أدين للدكتور زكي مصطفي، شقيق الدفعة كامل مصطفى، بالاجتهادات التي أخاطر بها في موضوع الماركسية والإسلام. وأدين في هذا لكتابه "القانون العام في السودان: في سيرة مادة العدل والقسط والوجدان السليم" (1971).The Common Law in the Sudan: An Account of the 'justice, Equity, and Good Conscience' Provision
وكتبت أنعيه لمأثرته رحمه الله
توفي في ديسمبر 2003 الدكتور زكي مصطفي عميد كلية القانون بجامعة الخرطوم والنائب العام الأسبق. ولم يكن زكي قانونياً فحسب، بل كان مفكراً قانونياً من الطراز الأول. ولم أجد له مثيلاً في غلبة الفكر عنده على محض الممارسة سوي المرحوم الدكتور نتالي أولاكوين والدكتور أكولدا ماتير وعبد الرحمن الخليفة (في طوره الباكر). وقد قطع عليه انقلاب مايو في طوره اليساري الباكر حبل تفكيره نتيجة تطهيره من الجامعة ضمن آخرين بغير جريرة سوي الظن برجعيتهم. وهذه الخرق العظيم لحقوق الإنسان ظل عالقاً برقبة الشيوعيين. وقد نفوا مراراً وطويلاً أنهم كانوا من ورائه. وربما كان إنكارهم هذا حقاً. فقد كانت مايو سراديب تنضح بما فيها. فأنا أشهد بالله أن الشيوعيين لم يصنعوا التقرير الختامي المنشور للجنة إصلاح جامعة الخرطوم (1970) على انهم كانوا عصبة لجان ذلك الإصلاح. فقد أملى المرحوم محي الدين صابر التقرير النهائي من رأسه وكراسه معاً. وهذه عادة فيه. وما زلت احتفظ بأوراق اعتراضاتنا الشيوعية على ذلك التقرير لمفارقته لتوصيات اللجان. وتحمل الشيوعيون وزر التقرير وبالذات ما ورد عن تحويل الكليات الي مدارس. وعليه ربما لم يأمر الشيوعيون بتطهير زيد أو عبيد غير انهم لم يدافعوا صراحة عن حق العمل. بل أداروا له ظهرهم مطالبين بحق الشورى قبل أن تقدم مايو علي خطوة في خطر التطهير في مجال عملهم. وفهم الناس أنهم لا يمانعون في فصل الناس متي شاوروهم في الأمر.
حين قطعنا حبل تفكير المرحوم زكي في 1969 كان مشغولاً بأمرين. كان عميداً للقانون في قيادة مشروع قوانين السودان (1961) الذي هدف لتجميع السوابق بتمويل من مؤسسة فورد. وقد تم علي يد المشروع توثيق كل القضايا التي نظرتها المحاكم قبل 1956. أما الأمر الثاني الذي لم يكتب لزكي أن ينشغل به حقاً بسبب التطهير فهو تطوير فكرته المركزية التي درسها في رسالة الدكتوراة ونشرها في كتاب في 1971. فقد تساءل زكي في كتابه لماذا لم يأذن الاستعمار الإنجليزي للشريعة أن تكون مصدراً من مصادر القانون السوداني. وأستغرب زكي ذلك لأن الإنجليز لم يجعلوا قانونهم قانوناً للسودان، بل وجهوا القضاة للاستعانة بما يرونه من القوانين طالما لم تصادم العدالة والسوية وإملاءات الوجدان السليم. وقال زكي لو ان الإنجليز أحسنوا النية بالشريعة لوجدوها أهلاً للمعاني العدلية المذكورة. وقد صدر زكي في فكرته هذه من خلفية إخوانية. ولكنه شكمها بلجام العلم فساغت. وستنفلت قضية الشريعة والقانون في السودان من أعنة زكي الأكاديمية الشديدة لتصبح محض حلقمة سياسية دارجة ما تزال ضوضاؤها معنا.
ولعله من سخرية القدر أن يسترد زكي بعد 15 عاماً القانون الموروث عن الإنجليز الذي خرج لمراجعته وتغييره في دعوته التي أجملناها أعلاه. فقد أصبح في 1973 نائباً عاماً مكلفاً بإعادة ترتيب البيت القانوني على هدي من القانون الموروث عن الاستعمار. فقد اضطرب القانون كما هو معروف علي عهد نميري. وأشفق زكي كمهني مطبوع على فكرة القانون نفسها من جراء هذا الاضطراب. وكان أكثر القوانين استفزازاً هو القانون المدني لعام 1971 الذي نجح القوميون العرب في فرضه على البلد بليل. وقد وجد فيه زكي إساءة بالغة للمهنية السودانية. فتحول من فكرته الإسلامية التي أراد بها هز ساكن القانون الموروث عن الاستعمار الي الدفاع عن إرث ذلك القانون. ففي مقالة بليغة في مجلة القانون الأفريقي لعام 1973 جرّد زكي علي القانون المدني حملة فكرية عارمة. فقد ساء زكي أن لجنة وضع القانون المدني تكونت من 12 قانونياً مصرياً و3 قضاة سودانيين لنقل القانون المصري بضبانته قانوناً للسودان. وعدد أوجه قصور القانون الموضوعية بغير شفقة. واستغرب كيف نسمي استيراد القوانين العربية تحرراً من الاستعمار بينما هي في أصلها بنت الاستعمار الفرنسي. وأحتج زكي أن القانون المدني أراد ان يلقي في عرض البحر بخبرة سودانية عمرها سبعين عاماً واستحداث قانون لم يتهيأ له المهنيون وكليات القانون ولا المتقاضون.
لم اقصد في هذه السيرة القول أن زكي لم يثبت على شيء. فعدم ثباته على شيء هو نفسه ميزة. فقد أملت عليه مهنيته العالية أن "خليك مع الزمن" بما يشبه الإسعاف حتى لا تسود الفوضى في حقل حرج كالقانون بفضل النَقَلة ضعاف الرأي. رحم الله زكي مصطفي فهو من عباد ربه العلماء.
ibrahima@missouri.edu