أرقام خيالية لتكلفة حرب السودان
تاريخ النشر: 1st, November 2023 GMT
رصد – نبض السودان
نحو 100 مليار دولار وأكثر، أو ما يُمثل نحو نصف مليار دولار يوميًا، هكذا قدر خبراء ومحللون تكلفة الحرب الأهلية الدائرة في السودان منذ منتصف أبريل الماضي.
الحرب التي تسببت في نزوح أكثر من 5 ملايين مواطن، وتشريد ما يقارب 6 ملايين، لم تشهد أي أفق للحل، وسط إحباط كبير في أوساط السودانيين مع ارتفاع عدد القتلى إلى نحو 10 آلاف.
وبسبب التداعيات الكبيرة الناجمة عن الحرب التي أوقفت عجلة الإنتاج في غالبية مدن البلاد، توقع البنك الدولي أن ينكمش اقتصاد السودان 12% في العام الحالي 2023.
فيما خرجت أكثر من 400 منشأة تعمل في مجال الصناعات الغذائية والدوائية ومختلف المجالات الأخرى في العاصمة (الخرطوم) عن الخدمة تمامًا بعد التخريب الكبير الذي تعرضت له بسبب الفوضى المصاحبة للصراع.
أيضًا، لم تنج المشروعات الإنتاجية والزراعية في كافة أنحاء البلاد بسبب نقص التمويل وحالة عدم الاستقرار الإداري.
ويقدر الدكتور عادل عبد العزيز الفكي المحلل والخبير الاقتصادي السوداني، تكلفة الحرب في بلاده بنحو 100 مليار دولار، مشيرًا إلى أنها مجرد تقديرات أولية إذ لايزال الصراع قائمًا بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، ولم ينته بعد.
وتوقع أن يتراجع الناتج المحلي بنحو 20% إذا لم تتوقف الحرب سريعًا، لافتًا إلى أن هناك عمليات نهب طالت مؤسسات عدة، وأبرزها أفرع المصارف العاملة، قد تزيد من فاتورة الحرب والخسائر.
وأوضح أن مسألة تحديد حجم الخسائر سابق لأوانه، إذ لابد أولا أن تتوقف الحرب حتى يتم حصر الخسائر، محذرًا من أن استمرار الصراع سيزيد الأعباء على الشعب السوداني الذي يعاني بالأساس من انهيار قيمة عملته وارتفاع التضخم.
وكشف عن أنه – حتى الآن – تسبب الصراع بين الجيش والدعم السريع، في إفقار نحو نصف سكان البلاد، – أي نحو 24 مليون شخص -، مشددًا على أن هؤلاء باتوا في حاجة ماسة إلى الغذاء ومساعدات أخرى.
وحول المساعدات الأممية المقدمة، بيّن الخبير الاقتصادي، أن المساعدات الدولية لم يستفد منها أكثر من 2.5 مليون مواطن سوداني فقط حتى الآن، مع اشتداد القتال في غالبية مناطق العاصمة (الخرطوم).
وحذر الفكي من أن استمرار الصراع سيؤدي إلى إبطاء النمو الاقتصادي ورفع معدلات التضخم، وذلك بعد أن شهد الاقتصاد السوداني ارتفاعًا حادًا في مستويات المخاطر عمومًا، لافتًا إلى أن الصراع أحدث مجموعة من الآثار المدمرة على الاقتصاد والسكان.
وعن تداعيات الحرب، أشار إلى أنها طالت كل شيء بدءًا من انهيار الأنشطة الاقتصادية بالبلاد، وتضرر الأصول والممتلكات الاستراتيجية للدولة، مرورًا بتدمير وسلب الممتلكات الشخصية للمواطنين، ونزوح عدد كبير من مواطني العاصمة وغيرها من الولايات إلى دول الجوار، وهو ما ساهم في النهاية إلى انهيار المستوى المعيشي للأسر، وارتفاع معدلات الفقر بين المواطنين.
ولفت إلى أن هذه الأحداث لم تأت في ظروف أحسن حالا، حيث إن البلاد كانت تعاني بالأساس من انخفاض كبير في قيمة الجنيه السوداني إلى نحو 840 جنيهًا للدولار الأميركي الواحد، وتفاقم أزمة الكهرباء، وكذلك انقطاع المياه بشكل شبه دائم ببعض المناطق، وجميعها عوامل أدت إلى شلل تام في مؤسسات الدولة والحياة العامة بالخرطوم، كما أدت إلى إغلاقات للمدارس والجامعات.
وأوضح الفكي أن الصراع تسبب في تدمير القطاعين العام والخاص، إذ توقف التحصيل الضريبي والجمركي بنسبة كبيرة تصل إلى 80% من حجم الإيرادات المعتادة، فيما لم تنج المصانع والشركات الحكومية والخاصة، الأمر الذي أدى إلى عجز الحكومة عن صرف الرواتب لموظفي الدولة منذ أبريل الماضي.
أيضًا – يضيف الخبير الاقتصادي – الأزمة أضرت بالموظفين، وساهمت في تفاقم البطالة، حيث أعلنت كبريات الشركات الاستغناء عن موظفيها وتصفية أعمالها التجارية، فيما منحت شركات أخرى موظفيها إجازة بدون مرتب لأجل غير معلوم.
وحذر من أن الاقتصاد السوداني ينتظره مستقبل أسوأ، بسبب غياب الحل السياسي، واستمرار العقوبات الأميركية والأوروبية المعلنة وغير المعلنة، موضحًا أن أي تحسن قد يحتاج لوقت طويل شريطة وقف الصراع فورًا.
ولم يستبعد اعتبار أن السودان يعيش منذ نحو 7 أشهر (فترة اقتصاد حرب)، مع تواصل الاشتباكات، على الرغم من أن هذه الاشتباكات تدور في رقعة جغرافية محدودة بالعاصمة (الخرطوم)، ووقوع معظم الولايات التي تشكل نسبة كبيرة من الإنتاج الزراعي بشقيه النباتي والحيواني خارج دائرة النزاعات بصورة كبيرة.
لكنه يعيد ليؤكد بأن السودانيين اعتادوا على الحياة وسط ظروف شبيهة وغاية في الصعوبة، لذلك فإن الأرقام التي تتحدث عن ازدياد حالات الفقر ربما ترتبط بشكل أساسي بمواطني العاصمة، لأن المدن الأخرى قد تسير فيها الأمور بصورة طبيعية.
وقدّر الفكي، تكلفة تدمير البنية التحتية في المناطق الأكثر تضررًا، وهي الخرطوم ودارفور وكردفان، بنحو 60 مليار دولار، أي ما يعادل 10% من قيمتها الإجمالية.
ويرى أنه إذا توقف الصراع، فإن السودان سيحتاج إلى دعم اقتصادي طارئ يتراوح بين 5 مليارات إلى 10 مليارات دولار لإنعاش اقتصاده، إلا أن استمرار الصراع قد يزيد من حجم المأساة ومعاناة المواطنين على المدى البعيد.
وتضطر السودان، حاليًا، للاعتماد على مواردها المحدودة بالأساس، لمساعدة السكان النازحين داخليًا، والذين يبلغ عددهم حوالي 7.1 مليون شخص، وهو العدد الأكبر على مستوى العالم.
ووفقًا لبيانات الأمم المتحدة، نزح أكثر من 5.25 مليون من أصل 49 مليون مواطن في السودان منذ بدء الصراع، حيث لجأ أكثر من مليون شخص إلى البلدان المجاورة، في حين بقي أكثر من 4.1 مليون شخص داخل السودان، ويواجهون صعوبات مالية متزايدة.
المصدر: نبض السودان
كلمات دلالية: أرقام السودان حرب خيالية لتكلفة ملیار دولار ملیون شخص أکثر من إلى أن
إقرأ أيضاً:
سد النهضة ومستقبل السودان: مخاطر تتزايد في ظل الحرب
سد النهضة ومستقبل السودان: مخاطر تتزايد في ظل الحرب
لابد من كشف المخطط قبل وقوع الكارثة …
بقلم: حاتم أبوسن
في غياب فهم منطقي للأسباب الحقيقية و دوافع القوي الخفية التي تدير هذه الحرب التي تستهدف السودان أرضا و شعبا تتفجر استفهامات حول ما إذا كان واحد من أغراض هذه الحرب تفريغ المدن السودانية علي الشريط النيلي، مما يثير تساؤلات خطيرة حول الأهداف الاستراتيجية وراء كل ما يحدث الآن من تآمر! هل يريدونها أرض بلا سكان؟ يثير ذلك مخاوف حقيقية حول إستهداف سد النهضة و إستخدام الحرب كغطاء مما سيؤدي حتما إلي كارثة مائية غير مسبوقة حيث أن السودان هو المتضرر الأول من أي انهيار محتمل. إن هذه التطورات تفرض علي الحكومة السودانية التعامل بحذر و جدية تامة مع التهديدات المحتملة، وأن تتحرك بسرعة لضمان ألا يتحول سد النهضة إلى سلاح مدمر يستخدم ضد السودان وشعبه و هنا يجب أن نذكر أن أي استهداف لهذا السد ليس مما ستقوم به مليشيا الدعم السريع و لكن سيكون إكتمال لأركان جريمة عالمية تم التخطيط لها مسبقا و ينبغي أن تتحمل إثيوبيا و قوي الشر العالمي التي خططت لهذا الدمار مسئولية و تبعات ذلك.
رغم كل التحديات الأخري فإن سد النهضة الإثيوبي يمثل خطرًا يفوق الحرب الحالية في حجمه وتأثيره. الحرب مهما بلغت شدتها، تبقى محصورة في مناطق معينة، ولكن انهيار سد النهضة أو استخدامه كسلاح سياسي قد يؤدي إلى محو أجزاء واسعة من السودان بالكامل، في كارثة تفوق كل ما شهده تاريخنا من دمار. هذا ليس تهويلًا ولا مبالغة، بل حقيقة علمية واستراتيجية يجب أن تتعامل معها الحكومة بجدية تامة. إن التقليل من شأن هذا التهديد، أو الاستمرار في التعامل معه بحسن نية، هو رهان خاسر ستكون عواقبه كارثية. السودان في موقف لا يسمح له بالتهاون، ولا مجال فيه للمجاملة أو التجاهل. على القيادة السودانية، رغم الظروف الصعبة، أن تضع ملف سد النهضة على رأس أولوياتها، وأن تتحرك بجدية وحزم لضمان أمن البلاد قبل فوات الأوان
هذه فرصة أخري للتذكير بفداحة هذا الأمر و التنبيه إلي أن سد النهضة الإثيوبي خطرًا استراتيجيًا لم يُعطَ حقه من التقدير. الآن أصبح السد أداة يمكن استخدامها كسلاح سياسي وأمني في أي لحظة. ومع تصاعد النزاعات في السودان، يصبح أمن السد و التحكم فيه قضية أمن قومي للسودان.
لسنوات، تعامل السودان مع سد النهضة بتهاون كامل مفترضًا أن إثيوبيا ستراعي مصالحه المائية والأمنية. لكن الواقع يكشف أن إثيوبيا، رغم وعودها، مضت قدمًا في بناء وتشغيل السد بشكل أحادي، متجاهلة المخاوف المشروعة للسودان ومصر. ومع غياب حكومة سودانية مستقرة، أصبحت الخرطوم في موقف ضعيف تفاوضيًا، مما يفتح الباب أمام كل الإحتمالات.
إن الوضع الحالي في السودان يجعل السيناريو الأسوأ أكثر احتمالًا: انهيار السد بسبب خطأ فني، أو استهدافه عسكريًا في ، أو حتى استخدامه كورقة ضغط. في كل هذه الحالات، السودان هو المتضرر الأكبر، نظرًا لقربه الجغرافي واعتماده المباشر على مياه النيل الأزرق. ومع غياب خطط طوارئ واضحة، فإن أي خلل في السد يمكن أن يؤدي إلى كارثة إنسانية واقتصادية غير مسبوقة.
في ظل الأوضاع الإقليمية المتوترة، لا يمكن استبعاد أي احتمال. إذا قررت إثيوبيا، لسبب أو لآخر، تقليل تدفق المياه أو حجزها لفترات طويلة، فسيعاني السودان من موجات جفاف خطيرة تؤثر على الزراعة وإمدادات المياه والكهرباء. و لكن يبقي الخطر الأعظم إذا تم إطلاق كميات هائلة من المياه بشكل مفاجئ، فقد تحدث فيضانات مدمرة تجرف قرى ومدنًا بأكملها.
أما على الصعيد العسكري، فإن احتمال استهداف السد في أي مواجهة إحتمال لا يمكن تجاهله. وإذا حدث ذلك سيكون السودان بالضرورة في قلب الكارثة، حيث ستجتاحه موجات مائية هائلة تدمر و تغرق آلاف الكيلومترات من أراضيه مما سيقود لكارثة إنسانية ستكون الأعظم في هذا العصر.
في ظل هذه المخاطر، لا بد من إعادة النظر في استراتيجية السودان تجاه سد النهضة و التعامل بصرامة مع إثيوبيا، المطلوب الآن ليس مجرد تصريحات أو بيانات، بل خطوات فعلية تشمل إعادة تقييم الموقف الرسمي بحيث يتبنى السودان موقفًا حازمًا يراعي تأمين البلاد و السكان أولا دون أي تنازلات . كما يجب المطالبة بآليات واضحة لإدارة السد، والضغط من خلال القنوات الدبلوماسية والقانونية لضمان شفافية تشغيله، وتحديد قواعد ملزمة تمنع أي استغلال سياسي له. السودان أيضًا بحاجة إلى تنسيق فعال مع الأطراف الدولية، واستغلال التغيرات السياسية الحالية لمطالبة الوسطاء الدوليين، مثل الولايات المتحدة والاتحاد الإفريقي، بضمانات واضحة حول سلامة السد وحماية السودان من أي تبعات محتملة. لابد من إطلاق صافرة الإنذار مبكرا لفضح أي مخطط يدور في الخفاء.
إلى جانب ذلك، يجب تطوير خطط طوارئ وطنية للتعامل مع أي طارئ متعلق بالسد و التركيز علي حماية السكان أولا إضافة إلي حماية مرافق الدولة الإستراتيجية من أي أحتمال سواء كان فيضانًا مفاجئًا، أو انقطاعًا طويلًا في تدفق المياه، أو انهيارًا كارثيًا. إن استمرار تجاهل هذا الملف، أو التعامل معه بسياسة الانتظار، قد يكلف السودان ثمنًا باهظًا في المستقبل القريب. الحل ليس في التصعيد غير المدروس، بل في تبني نهج ذكي ومتوازن يحمي مصالح السودان ويمنع أي إستخدام للمياه كسلاح..و تحميل إثيوبيا و من يقف خلفها المسئولية مقدما و التحذير الصارم من عواقب الإغراق المتعمد للسودان.
habusin@yahoo.com