ثيوفيلوس الثالث: مدعوون وسط الصعاب إلى أن نكون شهادة حية لرسالة المحبة
تاريخ النشر: 31st, October 2023 GMT
كانت أوضاع الجماعة المسيحية في غزة والأرض المقدسة موضوع مقابلة أجرتها جريدة أوسيرفاتوري رومانو مع غبطة البطريرك ثيوفيلوس الثالث بطريرك المدينة المقدسة للروم الأرثوذكس.
أجرت جريدة أوسيرفاتوري رومانو مقابلة مع غبطة البطريرك ثيوفيلوس الثالث بطريرك المدينة المقدسة للروم الأرثوذكس وذلك عقب ترؤسه صلاة وتأبينا على أرواح ضحايا حرب غزة، وضحايا الغارة الجوية الإسرائيلية التي ضربت يوم الخميس مجمع كنيسة القديس بورفيريوس للروم الأرثوذكس.
انتقل الحديث بعد ذلك إلى ما يتم اتخاذه من إجراءات ومبادرات لحماية المؤمنين ودعمهم، وقال غبطة البطريرك ثيوفيلوس الثالث في هذا السياق إن واجبنا المقدس في هذه اللحظة الصعبة هو مد الأيادي لدعم وحماية أخوتنا المسيحيين وجميع المتضررين من مأساة غزة. وأشار إلى أن البطاركة وقادة الكنائس في القدس يعملون بلا كلل من أجل تقديم المساعدة الإنسانية والدعم لأكثر المتألمين. وتحدث من جهة أخرى عن نشاط هيئات أعمال المحبة التي تعمل في تعاون مع الشركاء المحليين من أجل ضمان توفُّر الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء والملجأ والخدمات الصحية بأفضل شكل قدر إمكانياتنا، حسبما أضاف، وذلك بعد قرار إسرائيل قطع إمدادات المياه والتيار الكهربائي والغذاء والأدوية. وتابع غبطته مشددا على العزم، من خلال الصلاة والمساعدة والدعم الملموس، على القيام بحماية ومساندة المتضررين من هذه المأساة متَّبِعين تعليم يسوع الذي دعانا إلى أن نكون أدوات سلام ومداواة في عالم في حاجة إلى المحبة والشفقة.
وفي إجابته على سؤال حول المشاعر السائدة لدى الجماعة المسيحية سواء في فلسطين أو إسرائيل تحدث غبطة البطريرك عن الرجاء والصمود والالتزام العميق بإيماننا. وقال إنه وبينما تواجه المنطقة ظروفا معقدة وصعبة يظل أخوتنا وأخواتنا راسخين في العزم على عيش تعليم المسيح. وواصل أننا في هذه الأرض التي غالبا ما تشهد الشجار، نواصل تعزيز السلام والتعايش.
وتحدث في هذا السياق عن المشاركة الفعالة في الحوار ما بين الطوائف والأديان وفي الجهود الساعية إلى بناء جسور بين المنتمين إلى أطر وديانات مختلفة. وتابع أن جماعاتنا تعمل كشهادة حية لرسالة المحبة والمغفرة والمصالحة والتي هي محور المسيحية. إلا أنه لا يمكن من جهة أخرى، تابع البطريرك ثيوفيلوس الثالث، إنكار المصاعب والشدائد التي على كثيرين في المنطقة مواجهتها، وخاصة مَن يعيشون تحت ذعر الغارات الجوية والقصف المدفعي في غزة.
وكرر غبطته هنا الحديث عن رسالة إيمان والتزام من أجل السلام والقناعة بأننا كمسيحيين مدعوون إلى أن نكون صانعي سلام في هذه الأرض مجسدين الرجاء في مستقبل أكثر إنارة وتناغما بين سكانها جميعا. وأكد مواصلة الصلاة والعمل من أجل السلام والعدالة والرخاء لكل من هم في هذه الأرض المقدسة والمعذبة.
وفي ختام المقابلة أجاب البطريرك ثيوفيلوس الثالث على سؤال حول مشاعره الشخصية فقال إنه كبطريرك يحمل مع قادة الكنائس الآخرين ثقل المسؤولية عن الخير الروحي والسكينة للجماعة المسيحية في هذه المنطقة، وأيضا عن حماية الحج إلى الأرض المقدسة.
وتابع أن مشاعره الشخصية في مثل هذه اللحظات الصعبة هي متجذرة في تعليم المسيح الذي يجعله يحافظ على الإيمان والرجاء والمحبة. وأعرب هنا عن تعاطفه الكبير مع المتألمين وأيضا عن شعوره بالمسؤولية الكبيرة في القيادة من خلال تقديم المثال مُبرِزا رسالة المسيح، رسالة الشفقة والمغفرة والمصالحة. ثم ختم غبطته قائلا إنه يفكر أمام الصعاب والتحديات في كلمات القديس بولس في رسالته إلى أهل فيلبي: أَستَطيعُ كُلَّ شيَءٍ بِذاكَ الَّذي يُقوِّيني. وأضاف أنه بهذه القوة وبدعم الجماعة يقوم بمهمته سعيا إلى العدالة والسلام وأوضاع أفضل لجميع أبناء الله في هذه الأرض المقدسة.
المصدر: بوابة الفجر
كلمات دلالية: غبطة البطریرک الأرض المقدسة فی هذه الأرض إلى أن نکون من أجل
إقرأ أيضاً:
هل تسقط ضربات واشنطن الحوثي؟
في اليمن لا شيء يحدث كما يبدو ولا شيء يقال كما هو. فحين تقصف واشنطن مواقع الحوثيين في صعدة والحديدة ومناطق يمنية تسيطر عليها الجماعة لا يعني ذلك بالضرورة انها تريد اسقاطهم بل ربما فقط تريد ان تقول انها هنا.
من السهل ان تغرم بالأرقام، ان تتباهى بعدد الأهداف التي دمرت والمخازن التي سحقت والمواقع التي جرى تحييدها، لكن من الصعب ان تفهم ما لا يقال. الحوثي ليس مجرد هدف عسكري. ليس جسما يمكنك شطبه من الجو ولا حفرة تقصفها فتنتهي القصة. الحوثي مشروع زمني، منظومة نمت على انقاض الدولة وتربت في حضن الفشل وتغذت من غباء خصومها اكثر من دعم طهران
كل صاروخ يسقط على صعدة يلد قصيدة تلقى في صنعاء. وكل غارة أمريكية تترجم في وسائل اعلام الجماعة على انها شهادة جديدة على المظلومية. هذه جماعة تتقن تحويل القصف الى سرد. وتلك هي خطورتها
قبل أيام سألني صديق عربي، هل تعتقد ان أمريكا ستسقط الحوثي؟ اجبته، الحوثي لا يسقط بصاروخ، يسقط حين تزاحمه على الأرض، حين يرى جنودا يطرقون أبواب صعدة بعلم الجمهورية، لا حين تنهال عليه الضربات من السماء
الحوثي ليس هشا. لقد بني من خيبات الاخرين. هو اكثر من ميليشيا. هو عقل جماعي اعيد تشكيله، منظومة متكاملة تعيش على هامش الدولة وتمتص دمها. لا احد يجند الأطفال كما يفعل، لا احد يستثمر في القتال كما يستثمر في الزامل. لا احد يحول الجوامع الى منابر تعبئة، والمدارس الى مراكز تفخيخ ذهني كما فعل ويفعل. لكنه رغم هذه البنية، يظل كيانا منفصلا عن المجتمع، جسما فوقيا لا يندمج في الناس، ولا يملك روابط حقيقية معهم. وهذه العلاقة الصفرية، كانت دائما نقطة سقوط لا مفر منها، مهما تأخر الوقت
الضربات تؤلم الجماعة وتحد من تحركاتها لكنها لن تقتلها. الجماعة مؤمنة، لا بالمعنى الروحي، بل بالاستراتيجية. لا تخاف من الخسائر بل من فقدان الحاضنة. خصومها لا يثقون ببعضهم، ولا يجرؤون على دخول المعركة بقرار وطني مستقل. لهذا تنام الجماعة مطمئنة رغم الضربات الامريكية
الحوثي لا يملك نفطا، لكنه يسيطر على كل مورد غير نفطي. الضرائب، الجمارك، الزكاة، التعليم، التجارة، الأوقاف. كل شيء. الدولة الحقيقية موجودة في يده، اما الشرعية فتجلس في الفنادق وتنتظر دعما لن يأتي
في الداخل، اعادت الجماعة تعريف كل شيء بهويتها الخاصة. لم تعد الوظيفة العامة مرتبطة بالقانون، بل بالمشرف. ذلك الذي لا يحمل صفة رسمية، لكنه الدولة كلها. هو الامن والتموين والقضاء والجباية. هو الذي يقيم الموظف لا على أساس أدائه، بل على حجم ما ضخه الى الجبهة
وفي الاعلام؟ صنع الحوثي آلة بسيطة لكنها مذهلة، يتحدث للناس بلغتهم، زوامل وخطاب شعبي صارخ، يزرع فكرة واحدة، نحن وحدنا نقاتل، والاخرون يتآمرون
وحين اندلعت حرب غزة، تحرك بحساب. اطلق تهديدات وصواريخ رمزية ونجح في استحضار صورته كلاعب إقليمي يتفاعل مع القضايا الكبرى، خصومه التزموا الصمت او لجأوا الى الخطاب الدبلوماسي، وفي بلد فقير مثقل بالأزمات ما يزال يحتفظ برصيد وجداني تجاه فلسطين، بدت تلك التحركات محسوبة بعناية واثمرت له حضورا في الوعي العام العربي واليمني بشكل خاص
رغم كل ذلك، هل يعني هذا انه لا يهزم؟ ليس بالضرورة. الحوثي قد يصمد امام الضربات الجوية لكنه يضعف امام زحف بري حقيقي. فالجغرافيا التي تحصنه قد تتحول الى مأزق يقيده، والولاء الذي يعززه قد يتبدد في لحظة. اما المقاتل الذي شب على فكرة الاستشهاد فقد يتسلل اليه الملل اذا طال الطريق بلا نهاية. الحوثي مشروع موت لا صلة له بالحياة، وكل من لا يحتمل الحياة لا يمكن ان يصمد امامها طويلا
ما الذي يضعفه فعلا؟ حين يرى القبيلة تنسحب، حين تكتشف القاعدة الاجتماعية انها مجرد خزان مقاتلين لجماعة لا تمنحهم خبزا ولا املا. حين يفقد سطوته على المدارس، وعلى الجوامع، وعلى الموظف الذي لم يعد يجد ما يأكله
وهل أمريكا ستفعل؟ أمريكا لا تريد اسقاط الحوثي. أمريكا تفاوض ايران على طاولة أخرى، والحوثي مجرد ورقة. حين تهدأ المضائق وتهدأ السفن قد تنتهي الغارات
الضربات وحدها لا تصنع نصرا. النصر يصنعه الداخل. يصنعه يمنيون قرروا ان يستعيدوا بلدهم، لا من الحوثي فقط، بل من الفساد، من الشتات، من الفشل، من البلادة التي تحكم الرياض وابوظبي والقاهرة باسم اليمن
الضربات ستستمر، وربما تصيب، وربما تقتل، لكنها لن تسقط الحوثي قولا واحدا. الذي يسقط الحوثي ليس الصاروخ، بل اللحظة التي يتوحد فيها خصومه، ويكفون عن الرهان على غيرهم. والحوثي سيسقط، لا لضعف سلاحه، بل لان مشروعه بلا حياة، وعلاقته بالناس بلا جذور، وهذا كاف وحده
الضربات الامريكية الأخيرة، وان بدت موجعة، ليست الا فصلا من مسرحية متكررة. تستهدف قيادات، تدمر مخازن، وتلتقط صورا بالأقمار الصناعية لتعرض في مؤتمرات البنتاغون. لكن في الجبال، تحت الأرض، في انفاق حفرت خلال عشر سنوات من القتال، تعيد الجماعة ترتيب صفوفها
هذه ليست ميليشيا تقليدية تشل اذا فقد قائد. هذه جماعة ايدلوجية تمتلك سردية عابرة للزمن. منصات الصواريخ على عجلات، خطوط الامداد موزعة، معامل التصنيع مقسمة كما ذكر المتخصص في شؤون الجماعة عدنان الجبرني
لكن المفارقة الكبرى لا تكمن هنا. المفارقة ان الضربات، بدل ان تزعزع الجماعة، تفضح خصومها. الشرعية، او ما تبقى منها، تركت خلف ستائر الفنادق، تنتظر متى يتغير المزاج الدولي، بدل ان تبني مشروعا. عشر سنوات ولم تتوحد جيوشها. كل فصيل يحفر خندقه الخاص، ويبني جيشه الخاص. مأرب، عدن، الساحل، حضرموت، كل واحدة دولة مصغرة داخل اللا دولة
لماذا لم تتوحد؟ لان الجميع يريد النصر دون ان يتنازل. الجميع يريد ان يكتب تاريخه وحده، ان يظهر في الصورة النهائية كمن قاد المعركة. الحوثي يعرف هذا. يراهن عليه. لهذا لا يخشى السقوط، بل ينتظر تمزق خصومه اكثر
المجلس الرئاسي؟ عاجز. لا يمتلك قرار الحرب ولا السلام. يعيش على هامش السياسة، يدير الوقت، لا الدولة. كل طرف فيه يسعى خلف مكاسبه، لا خلف خلاص اليمن. والنتيجة؟ حوثي واحد في صنعاء، وسبعة رؤوس في الرياض، لا احد منها قادر على اتخاذ قرار موحد
في هذه المعادلة المختلة، لا شيء يسقط الحوثي اكثر من اتفاق يمني داخلي، تتوحد فيه البنادق خلف مشروع دولة، لا مشروع غنيمة. لا شيء يخيف الجماعة اكثر من صوت يخرج من الأرض، من جبل مأرب او سهل شبوة، يقول كفى
الجماعة تتقن الحرب، لكنها لا تعرف كيف تحكم. سيطرت على الموارد، لكنها فشلت في توفير الرغيف. هيمنت على المؤسسات، لكنها فشلت في إدارة الناس. صوت التذمر يتصاعد في صعدة، في اب، في ذمار. لكنها تستثمر في الخوف، وفي غياب البديل. هي لا تنتصر، بل تعيش على عجز من يفترض انهم البديل
وايران؟ ليست المشكلة فقط في انها تدعم الجماعة، بل في انها علمتها كيف تدير المعركة طويلة النفس. لا ترسل فقط السلاح، بل ترسل عقلية، كيف تبني شبكة، كيف تدير منطقة بدون مؤسسات، كيف تراوغ المجتمع الدولي، كيف تزرع ممثلين في المؤتمرات الحقوقية
في لحظة ما، سيتوقف القصف. ستغلق السماء. وستبقى الارض. من يملك الارض؟ من يتحكم بالناس؟ من لديه مشروع قابل للحياة؟ هذه هي الاسئلة الحقيقية
اما الحوثي، فهو ليس اعجوبة. بل فراغ، تمتلئ به المساحات التي تركها الاخرون. وكل يوم لا تتحرك فيه جيوش الجمهورية باتجاه صنعاء، هو يوم جديد في عمر الجماعة. لكن سقوطه قادم لا محالة، لان الموت لا يحكم الحياة طويلا
الخلاصة؟
صوت الداخل من يسقط الحوثي، لا طنين الخارج.
هو قرار وطني، لا بيان خارجي