لجريدة عمان:
2025-02-27@14:03:04 GMT

بين جداريات الحزن العربي وبركان الغضب

تاريخ النشر: 30th, October 2023 GMT

سقط القناعُ عن القناعِ عن القناعِ

سقط القناعُ

ولا أَحدْ

إلاَّك في هذا المدى المفتوح للأعداء والنسيانِ،

فاجعل كُلَّ متراسٍ بَلَدْ

لا.. لا أَحَدْ

سقط القناعُ

لعل محمود درويش لم يتخيل يومًا أن تختزل هذه الأبيات المشهد العربي في القرن الواحد والعشرين برمته، هذا المشهد المفجع الأقرب إلى ما بعد السوريالية والعدمية، لحظة فارقة في التاريخ الإنساني حيث تتكالب الأمم التي تدعي أنها متحضرة لإبادة شعب منكوب بوجوده في هذه البقعة المجنونة من العالم.

ورغم أن هذه الصرخة الوجودية انطلقت من قصيدة درويش «مديح الظل العالي» وحلّقت من بيروت المحاصرة في عام 1983 إلى العالم وفضاء الإنسانية المرتبك، إلا إنها ذات القصيدة التي تؤرخ الآن وتخلد يوميات الغزاويين، وهم يواجهون آلة القتل الغربية/ الإسرائيلية، والتي تبدو أنها لا تعيش ولا تقتات إلا بالدم الفلسطيني والعربي من بعد الحرب العالمية الثانية.

ورغم أن الفجور في الانتقام والهوس بالدم من صميم وديدن الكيان الإسرائيلي وحلفائه منذ وعد بلفور المشؤوم، إلا أنه انطلق هذه المرة في سعار دموي لا يوقفه وازع من ضمير، ولا نازع من إنسانية، ولا ذرة من أخلاق. ويبدو أن الرسالة الموجهة إلى العالم العربي اليوم، أننا سنبيدكم جميعًا لو اقتضى الأمر لضمان أمن هذا الكيان، وهو الخطاب الذي نرى تجلياته البشعة والمشحون بإمبريالية بغيظة في واقع التفكيك والتدمير والتفتيت الممنهج لدول عربية يراد لها أن تكون دولاً فاشلة قسراً للمائة عام القادمة، وما تقاطر الزعماء الغربيون والرئيس الأمريكي قبلهم إلى تل أبيب، إلا برهان لكل ذي بصيرة أن صدامًا حضاريًا يتشكل في الأفق بين أمة غاضبة ومحبطة، مكلومة بالقمع والاستبداد وبين دول عظمى تحشد أسلحتها وعتادها وتتحالف، رغم تحدياتها الاقتصادية والاجتماعية ورغم استياء الشرفاء من شعوبها وتتكالب، رغم اختلافاتها ونكباتها الأخلاقية وشذوذها ومثليتها لإبقاء ما يسمى الآن بالعالم العربي - رغم أنه يصرخ غضبًا ليكون «الأمة العربية» - مختطفًا في كهوف التخلف والتراجع الحضاري، وعلى هامش العالم.

وما غزة سوى محطة لهذه الهجمة الغربية الشرسة لتحييد العالم العربي عن أي نهوض أو ازدهار أو تنوير يمكّنه من القيام بدوره الحضاري والفكري والسياسي. ومن المفارقات أن يشاركهم هذا التدمير الممنهج لما تبقى من عناصر القوة العربية دول عربية من بيننا تموّل وتتآمر وتتعاون في كل ما من شأنه ضرب آخر رمزيات التضامن العربي حتى في حدوده الدنيا وحتى على المستويات الإنسانية والمشتركات البشرية التي لا تقبل الجدال والتفلسف السياسي والمغامرات المجنونة في سوق المصالح الثابتة والمتغيرة.

وحين ترى تلك المظاهرات الغاضبة في مختلف عواصم العالم الغربية والشرقية رفضاً للعدوان الصهيوني وبشاعته، فإنها ليست بسبب الديمقراطية الغربية العرجاء التي تصاب بالشلل عند عتبات كل قضية عربية وإسلامية، بل هي صوت الشرف والإنسانية والضمير والقيم والمشتركات الإنسانية التي سئمت هذا النفاق الغربي المقزز وازدواجية المعايير، وسقطت معه الأقنعة كلها باستثناء بعض الأصوات الشريفة التي أبت أن تكون معول هدم وقتل لآلة غربية أدمنت دماء العرب والمسلمين.

والسؤال الذي يصعب تجاهله، هل تريد إسرائيل نتنياهو سلامًا يعيد المنطقة إلى ضفة السلام والتعايش في أرض الأنبياء والرسل والأديان أرض فلسطين؟ أم أن الأمر كله مختزل في التطبيع الذي لا يخدم سوى مصالحها وتحويل الأوطان العربية إلى ساحة مخترقة للمصالح الإسرائيلية تشبه ما يحدث الآن في بعض الدول العربية المطبعة؟ ولست أدري إن كانت مفردة «التطبيع» تصف ما نرى فيها. لا يبدو لي أن السلام وارد الآن بعد كل هذه الدماء والشهداء، ومن الواضح أن السلام يرعب الآخر والحرب تنهكه وتستنزفه، في مشهد فيه من المفارقات التي تضيّق الخناق على صوت العقل، وتنسف دور النخب، ولا يبقى ثمة فسحة للحكمة والحوار في كلا المعسكرين.

والسؤال الذي يطاردني كمواطن عربي يقف غاضبًا مقهورًا وحزيناً أمام هذا المد الدموي والبطش الغربي وآلته العسكرية ونفاقه ضد شعب أعزل إلا من كرامته، إلى أين المفر؟ وما السبيل إلى أوطان حقيقية تقينا وتجنبنا الفناء الحضاري والانقراض الجغرافي في كوكب شكلناه علما وحضارة وإنسانية ذات مجد وسؤدد؟ أين المفر؟ لا أجد مخرجا لهذا الطموح الوجودي قبل أن تتم المصالحة الحقيقية بمعناها الحضاري الشامل بين الأنظمة والإنسان العربي وحفظ كرامته وحريته وبقائه، وهو ما لن يحدث في زمننا البائس هذا، وعسى أن يتحقق لأحفادنا فأسمى أمنيات المواطن العربي اليوم أن يجد قوت يومه وعياله، ويحفظ بقاءه لا أكثر! وإلى ذلك الحين، سنظل نتفرج على دموية الآخر التي تسيل في شوارعنا وأحلامنا ومستقبلنا مهما سقطت أقنعة الداخل والخارج في انتظار بركان الغضب الذي سيقتلع كل هذا الذل والهوان، ويعيد لهذه الحضارة العظيمة مجدها وعنفوانها، مهما بدا الحاضر عبوسًا قمطريرًا.

المصدر: لجريدة عمان

إقرأ أيضاً:

ختام اجتماعات اللجان الدائمة للبرلمان العربي بالقاهرة

اختتمت اليوم بالقاهرة، أعمال اجتماعات اللجان الأربعة الدائمة للبرلمان العربي، وذلك برئاسة محمد بن أحمد اليماحي رئيس البرلمان العربي؛ للتحضير للجلسة الثالثة من دور الانعقاد الأول من الفصل التشريعي الرابع للبرلمان العربي، التي تعقد غدًا الأربعاء بمقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، وتسبقها جلسة طارئة خاصة بفلسطين لبحث المستجدات على الساحة الفلسطينية.

أهمية اجتماعات اللجان الأربعة الدائمة 

وناقشت لجنة الشؤون الخارجية والسياسية والأمن القومي، التطورات السياسية والأمنية في العالم العربي، فضلًا عن استعراض مذكرة بشأن إعداد رؤية برلمانية لتفعيل دور الدبلوماسية الوقائية لنزع فتيل الأزمات ومنع نشوب الصراعات، وتستهدف هذه الرؤية إبراز بعد جديد للدبلوماسية البرلمانية باعتبارها دبلوماسية المسار الشعبي كونها أصبحت إحدى الأدوات الرئيسية الفاعلة في السياسة الخارجية، كما ناقشت اللجنة مذكرة بشأن إعداد رؤية برلمانية لمكافحة الآليات الحديثة لترويج وتصنيع وتهريب المخدرات والمؤثرات العقلية .

كما ناقشت لجنة الشؤون الاجتماعية والتربوية والثقافية والمرأة والشباب، بحث الآليات اللازمة لتوفير الرعاية الصحية للجميع في مناطق الحروب والنزاعات، كما ناقشت أيضا التصور الخاص بعقد ندوة تتعلق بحماية الآثار في الدول العربية، خاصة وأن اللجنة تعكف على إعداد قاعدة بيانات عن آثار الدول التي تعرضت لانتهاكات نتيجة الكوارث الطبيعية أو النزاعات المسلحة أو غيرها من الأسباب.

تعزيز العلاقات مع عدد من المنظمات

واستعرضت لجنة الشؤون الاقتصادية والمالية، تقرير اللجنة الفرعية المعنية بتعزيز العلاقات مع عدد من المنظمات والجهات ذات الاختصاص الاقتصادي، بالإضافة إلى مذكرة عرض بشأن إعداد الاستراتيجية العربية لدعم الدول العربية في مجالات الاقتصاد الأزرق.

كما استعرضت لجنة الشؤون التشريعية والقانونية وحقوق الإنسان، المسودة الثانية للرؤية العربية التي تم إعدادها لحماية الرموز والمعتقدات الدينية وحظر الإساءة إليها في العالم العربي، إلى جانب مناقشة تقرير اللجنة الفرعية المعنية بدراسة مشروع قانون مكافحة الهجرة غير المشروعة في العالم العربي، وكيفية مواجهة هذه الظاهرة التي تهدد حياة الكثير مما يقومون بالهجرة غير المشروعة، كما بحثت اللجنة المسودة الأولي للرؤية العربية الموحدة لمعالجة مشكلة النازحين واللاجئين العرب.

 

مقالات مشابهة

  • أمريكا الإسرائيلية وإسرائيل الأمريكية.. الأسطورة التي يتداولها الفكر السياسي العربي!
  • ملتقى الرياض لكرة القدم يحدد مسار التطور لكرة القدم المصغرة في العالم العربي
  • أحمد أبو الغيط: العالم العربي منقسم.. ومصر تواجه تحديات كبرى بعد 2011
  • في يوم السياحة العربي.. اعرف سبب اختياره في هذا التوقيت
  • ختام اجتماعات اللجان الدائمة للبرلمان العربي بالقاهرة
  • الرئيس عون: عازم على إعادة بناء جسور الثقة مع العالم العربي
  • مجمع اللّغة العربيّة بالشّارقة ... ترسيخ حضور «الضّاد» في قارّات العالم
  • محجوب فضل بدری: صياد النجوم فی أبْ قَبَّة فحل الديوم !!
  • وزارة الرياضة تستضيف الملتقى العربي لكرة القدم المصغرة
  • الجامعة السويسرية الدولية تحذر من الجامعات الوهمية التي تستخدم اسمها في مصر