لجريدة عمان:
2025-04-06@06:31:44 GMT

ما يحدث في ألمانيا يكشف حالة اليسار الغريبة

تاريخ النشر: 28th, October 2023 GMT

ترجمة: أحمد شافعي

في صباح يوم الاثنين، قامت سارة فاجنكنيخت، صاحبة أقوى كاريزما لسياسي في حزب اليسار الألماني بقيادة مظاهرة ضد حزبها. هي عضوة قديمة في البرلمان الوطني، وشريكة حتى عام 2019 في قيادة الوفد البرلماني لحزب اليسار، لكن لديها الآن في ما يبدو فكرة مختلفة عما يعنيه "اليسار". فقد أعلنت هي وتسعة من زملائها أعضاء البرلمان أنهم سوف ينشئون حزبا جديدا في يناير لاجتذاب الناخبين الساخطين مثلها.

كانت سارة فاجنكنيخت تلمح للانفصال عن الحزب منذ شهور. وحزب اليسار في ألمانيا هو سليل الحزب الحاكم القديم في ألمانيا الشرقية الشيوعية الذي انضمت إليه سارة فاجنكنيخت في عام 1989 قبيل سقوط سور برلين. لكنه ليس بالحزب القديم الذي كان إياه. ولوضعه في سياق أمريكي صرف نقول إنه أصبح أكثر صحوية [too woke] مما تحتمل سارة فاجنكنيخت. إن الحكومة الألمانية الحالية تتألف من أحزاب الديمقراطيين الاشتراكيين، والخضر، والديمقراطيين الأحرار ذوي التوجه السوقي. وهي تطرح أجندة لما تطلق عليه فاجنكنيخت "يسار نمط الحياة" وليس يسارا حقيقيا. ومع ذلك فقد أغوت الكثير من زملائها القدامى.

تقول سارة فاجنكنيخت إنه في وقت يشهد عجزا في الإسكان وضعفا في نمو الأجور، فإن عزوف الحكومة عن إيقاف تدفق اللاجئين الاقتصاديين "عملا غير مسؤول". والقيود الثقيلة التي تفرضها على الطاقة تتسبب في عبء كبير على الأسر الفقيرة. وموافقتها غير المشروطة على دعم الولايات المتحدة للحرب الممتدة في أوكرانيا تؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة والشلل في الاقتصاد الألماني.

ولا يقتصر اعتراض سارة فاجنكنيخت على حزبها بسبب عجزه عن معارضة الحكومة وإنما أيضا بسب تنمره بالمواطنين الذين يعارضونها والتقليل من شأنهم. فقد كتبت في عام 2021 كتابها الرائج الذي شنت فيه هجوما على اليسارية المسايرة للصرعة بعنوان “The Self-Righteous”. وفي خريف العام الحالي ظهرت في أحد أهم البرامج الحوارية في ألمانيا لتصر على أن من اعترضوا على القواعد الألمانية الوحشية التي اتبعت في فترة كوفيد إنما هم "مواطنون طبيعيون" ولتبرر أيضا عدم تلقيها للقاح.

ويقول منتقدو فاجنكنيخت إن ما يجري أمر بسيط: إنها تتحول إلى اليمينية.

وهذا غير صحيح بالمطلق. فلم يزل تفكيرها يحمل أثر سنوات التكوين الشيوعي. وقد يكون موقفها من الهجرة تقييديا، لكنها تؤثر فتح حدود ألمانيا لطالب اللجوء السياسي. (فالتقييد الذي تريده مقصور على هجرة العمالة). ولعلها تأسى لتدفق المهاجرين من أفغانستان وسوريا والعراق، لكنها تلوم في ذلك السياسة الخارجية الأمريكية.

غير أنه صحيح أيضا أن ما تحاول فاجنكنيخت عمله بحزبها الجديد هو ذو طبيعة تحولية. وله آثاره لا على مستقبل السياسة الألمانية وحدها وإنما أيضا على تفكيرنا في ما يتحول إليه اليسار في أغلب أرجاء العالم الغربي.

في ألمانيا كما في الولايات المتحدة، ثمة انقسام عميق في الناخبين إلى "شعبويين" و"نخبويين". وكلا الجانبين غير راض عن تسميته، ناهيكم عن اتهامات التطرف التي غالبا ما تصاحب التسميتين. ومن المؤكد أن فاجنكنيخت شعبوية. ولكن في السياق الألماني أصبح السؤال عما لو أنها شعبوية يسارية أم شعبوية يمينية سؤالا ملحًّا للغاية.

بعد انصرام سبعة عقود على الحرب العالمية الثانية بات فيها الاعتدال شعارا سياسيا للبلد وأصبح فيه الديمقراطيون المسيحيون مستودعا لأغلب النزعات المحافظة، تغيرت ألمانيا كثيرا. وبعد ويلات أزمة اليورو في 2010، وأزمة الهجرة ابتداء من عام 2015، وأزمة الصناعة بسبب حرب أوكرانيا، تطرف البلد إلى حدود لا يمكن تصورها. فحزب "البديل من أجل ألمانيا" [AfD] هو أول حزب قومي كبير في ألمانيا منذ الحرب العالمية الثانية، وترتيبه حاليا هو الثاني في استطلاعات الرأي.

وفي خطبة له، أشار أخيرا النائب بيورن هوكي ـ زعيم الجناح الأكثر تشددا في حزب "البديل من أجل ألمانيا" ـ إلى المصاعب التي تواجهها فاجنكنيخت مع حزب اليسار ثم خلص إلى دعوتها: "تعالي إلينا".

قالت فاجنكنيخت إنها تعد هوكي متطرفا يمينيا ولا تريد أن تكون لها علاقة به. وتميل المواقف الألمانية بشأن حزبها الجديد إلى التمحور حول مسألة محددة: هل ستوسع فاجنكنيخت الصعود الشعبوي اليميني أم ستخصم منه. والاستطلاعات ترجح الخصم: ففي أغسطس نشرت صحيفة دي تسيت استطلاعا أجراه معهد إنسا في ولاية تورينجيا حيث حزب (البديل من أجل ألمانيا) هو أكبر الأحزاب مبينة أنه لو خاض حزب فاجنكنيخت الانتخابات هناك فسوف يأتي في المركز الأول بـ 25% ويليه حزب (البديل من أجل ألمانيا) بـ22%. وقد أظهرت الاستطلاعات سابقا نسبة 30% لحزب البديل من أجل ألمانيا.

يتشكك آخرون في أن فاجنكنيخت سوف تجتذب ناخبين من اليمين المتطرف. ففي مقالة كثر التعليق عليها بعد نشرها في صحيفة فرانكفورتر ألجماينه تسايتونج التي تنتمي إلى يمين الوسط، أكد أستاذ علم الاجتماع أوليفر ناختوي المقيم في بازل بسويسرا أن أهدافها المفضلة ليست التطرف في ألمانيا وإنما الوسط الليبرالي وأن انتقادها "لا يختلف كثيرا عن حرب اليمين الثقافية".

والوسط الليبرالي معرض بالفعل للخطر. فقد أجريت انتخابات الولايات هذا الشهر في ولايتي هيسي وبفاريا، وفي كلتيهما خسرت أحزاب الائتلاف الفيدرالي الحاكم الثلاثة جميعا ـ وهي أحزاب الديمقراطيين الاشتراكيين والخضر والديمقراطيين الأحرار. فالتحالف الذي بدا حتى وقت قريب أنه يمثل مطامح المزيد من العالمية والوعي البيئي في ألمانيا بات يترنح.

شيء ما يجري في البلاد الغربية لدفع الجماهير (مثلما كان يطلق عليهم) بعيدا عن أحزاب اليسار ويسار الوسط بعد أن كانت على مدار القرن الماضي ترحب بها وتناصرها. في بعض الأوقات تلوم فاجنكنيخت كسل الساسة المحترفين. فقد قالت مرة إن "تنظيم حرية التعبير أسهل من رفع الحد الأدنى للأجور". وهي كثيرا ما تتحدث وكأن هناك بالفعل يسارين اثنين: يسار رفع الأجور الراغب في توزيع الثروة بإنصاف ويسار تنظيم حرية التعبير الذي يريد تأكيد الهوية الجندرية أو محاربة العنصرية. ولوقت طويل كان هذان اليساران ـ اقتصاديا وثقافيا ـ يميلان إلى استيطان الأحزاب نفسها.

لكن ربما كان هذا حادثا تاريخيا أكثر مما هو تماثل فعلي. فقبل أجيال، كان عمال الزراعة والصناعة يضبطون نبرة الحركات اليسارية. وكان مشروعها لضمان معاملة اقتصادية أكثر إنصافا يتقاطع في بعض المواضع مع مشاريع المهاجرين والأقليات العرقية والعنصرية، والنساء، والمثقفين. وبرغم أن عمال المزارع اليوم يشكلون نسبة ضئيلة من أغلب القوى العاملة في الغرب، كما تقلصت معدلات تشغيل العمالة في الصناعة بشكل حاد أيضا. وهكذا أصبح اليسار ـ بشكل طبيعي إلى حد كبير ـ حركة سياسية مختلفة. وليس ذلك لأن أحدا غير رأيه أو ارتكب خطأ أيديولوجيا ولكن لأن اليسار الآن يعكس مصالح فئات مختلفة من الشعب.

ولامتلاء اليسار بالأقليات، فإنه يزداد اهتماما بهيراركيات الاحترام وينتبه إلى مراقبتها. ولامتلائه بالمثقفين، فإنه ـ بشكل متزايد وخاطئ ـ يميل إلى اعتبار الديمقراطية بحثا عن الحقيقة لا بحثا عن التوافق، ويميل إلى حسبان المختلفين معه ـ مهما كثروا عددا ـ أعداء الديمقراطية بل ومستبدين. ولعل بعض الناس لا يزالون موجودين في اليسار ومنشغلين بنوعية المظالم الاقتصادية التي كانت تؤجج حماسة فاجنكنيخت أيام كانت تقرأ كارل ماركس وروزا لوكسمبرج في القرن العشرين. ولكن هؤلاء لن يستمروا حاضرين بالضرورة.

ما من خروج على القانون في سياسات آخر الزمن هذه التي يتبعها اليسار. لكنها لم تعد سياسات واضحة في قيامها على رؤية المساواة، وقد تنتهي إلى أن تكون سياسات نخبوية. وطبيعي لمن لم تزل ذاكرتهم اليسارية تمتد إلى العهد الذي تمتد إليه ذاكرة فاجنكنيخت أن يجدوا صعوبة في اعتبارها سياسات يسارية أصلا.

كاتب المقال من كتاب الرأي في التايمز ومن مؤلفاته "تأملات في الثورة في أوروبا: الهجرة والإسلام والغرب".

• https://www.nytimes.com/2023/10/27/opinion/germany-leftist-populist-party-wagenknecht.html

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: البدیل من أجل ألمانیا حزب الیسار فی ألمانیا

إقرأ أيضاً:

جايجي يكشف حالة فساد غريبة في نينوى: ما سرّ الإحالة إلى التقاعد؟

بغداد اليوم- نينوى

لم يكُ ذاك اليوم عاديًا بالنسبة لموظف الخدمات "جايجي" داخل احدى الدوائر الخدمية في محافظة نينوى، ليكون سببًا عن فك واحدة من أعقد طلاسم الفساد في الدائرة التي يُفترض أن تكون خدمية على يد "مسؤول رفيع المستوى" مؤثر فيها لتصطاده سنّارة العدالة بعد احالته إلى التقاعد.

ذهب "الجايجي" ليستلم مبلغاً من المال كمكافأة، شرط أن يوقع على وصل القبض بصمت، إلا أن "الجايجي" رفض الأمر، وقرر إزاحة الستار عن حالة الفساد المذكورة، ويكون سبباً في كشفها دون تردد، وفقاً لرئيس اللجنة الأمنية في مجلس المحافظة محمد جاسم الكاكائي.

بحسب الكاكائي، فإن حالة الفساد المكشوفة على يد "الجايجي" وقعت في دائرة معاونية المحافظة لشؤون الاعمار والاسكان:"معاون المحافظ كان يستلم مكآفات خاصة بالموظفين منذ عام 2020 ويوقع عليها، إلا أن تلك المكافات كانت تذهب لجيب المسؤول المُستلم". يضيف الكاكائي بأسف.

الغرابة في كشف حالة الفساد، أنها تأتي بعد إحالة المعاون إلى التقاعد بعد بلوغه السن القانوني للتقاعد، وتم إحالته إلى القضاء". يؤكد رئيس اللجنة الأمنية.

كما حالات الفساد الأخرى، تبدو هذه الحالة بمثابة الصدمة للكاكائي الذي أقرّ في حديث خاص لـ"بغداد اليوم" وجود ما وصفها بـ"الكوارث" في دوائر المحافظة. في إشارة منه إلى حالات الفساد فيها، مطالبًأ القضاء والدوائر المختصة بمحاربة تلك الظواهر، والعمل على كشف الفاسدين وتقديمهم للقضاء لينالوا عقابهم العادل.

والجدير بالذكر، إن ظاهرة الفساد انتعشت في محافظة نينوى لاسيما في مؤسساتها الحكومية بعد تحريرها من تنظيم داعش الارهابي، وفقًا لتقارير صحفية، وأصبحت بيئة نشطة لهدر المال العام والميزانيات المخصصة بعد أن خصصت الحكومة العراقية ومنظمات الدولية ملايين الدولارات لاعادة اعمارها بسبب الدمار الذي لحقها بفعل العمليات العسكرية أثناء تحريرها.

كما تم احالة العديد من المسؤولين التنفيذيين في المحافظة إلى القضاء وتمت محاكمتهم باحكام مختلفة بسبب تورطهم في حالات فساد واهدار للمال العام ومنهم من كان في مناصب كبيرة وحساسة، ومن أبرزهم المحافظ الأسبق نوفل العاكوب، الذي أقيل بقرار برلماني في آذار 2019، وخضع لسلسلة من المحاكمات بتهم الفساد وهدر المال العام وسجن لما يزيد عن 20 سنة، وكذلك معاون محافظ نينوى لشؤون التخطيط رعد العباسي، الذي صدر حكم ضده منتصف 2023 بالحبس الشديد لخمس سنوات بتهمة الفساد، ثم خففت محكمة التمييز الحكم إلى حبس لمدة سنتين.

وصدر في الخامس من أيار/مايو2023 حكم غيابي بالسجن 15 سنة بحق رئيس مجلس محافظة نينوى السابق بشار الكيكي، وفقاً للمادة 315  لاقترافه جريمة الاختلاس فضلاً عن العشرات من موظفي ديوان محافظة نينوى ودوائر التسجيل العقاري/الأيسر والبلدية والمجاري إضافة إلى موظفين في جمعيات إسكان تعاونية، اتهموا بالفساد والاستيلاء على أموال عامة كالعقارات.

المصدر: بغداد اليوم + وكالات


مقالات مشابهة

  • جايجي يكشف حالة فساد غريبة في نينوى: ما سرّ الإحالة إلى التقاعد؟
  • زيلينسكي يكشف أول الدول الأوروبية التي سترسل قوات إلى أوكرانيا
  • قائد الثورة يكشف تفاصيل الفشل الأمريكي في اليمن – فيديو
  • مليشيا آل دقلو الدرب راح ليهم فی أَلْمِی !!
  • حالة طوارئ.. ذئاب تنتشر في أمريكا| ماذا يحدث؟
  • بيل غيتس يكشف المهن التي ستظل بعيدة عن تأثير الذكاء الاصطناعي: 3 فقط
  • ماذا يحتاج منتخب ألمانيا للتتويج بالألقاب؟.. ناجلسمان يكشف
  • أحمد مالك يكشف سر “ولاد الشمس” وحلمه الذي تحقق
  • أحمد عزمي يكشف تفاصيل الشخصية التي قدمها بمسلسل ظلم المصطبة
  • مصر: بيان رسمي يكشف مستجدات حالة الطفلة "ضحية رشق الحجارة"