استعراض لكتاب “العيش مع الاستعمار: الوطنية والثقافة في السودان الإنجليزي – المصري”
تاريخ النشر: 28th, October 2023 GMT
Living with Colonialism: Nationalism and Culture in the Anglo- Egyptian Sudan
جون فول John O. Voll
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
تقديم: هذه ترجمة استعراض لكتاب الأستاذة الدكتورة هيذر شاركي المعنون: "العيش مع الاستعمار: الوطنية والثقافة في السودان الإنجليزي - المصري"، الصادر في عام 2004م عن دار جامعة كالفورنيا للنشر، قام بنشره بروفيسور جون فول شهر يونيو 2004م في دورية H – Net Reviews in the Humanities and social Sciences تحت عنوان " الأعداء الحميمون للاستعمار Colonialism’s Intimate Enemies".
وهناك استعراض آخر لهذا الكتاب بقلم الباحث البريطاني مايكل فيكرز تجده في الرابط التالي: https://tinyurl.com/595y7yyf
ومؤلفة الكتاب هي المؤرخة الأمريكية هيذر شاركي، المتخصصة في التاريخ الحديث للشرق الأوسط وإفريقيا، والعالمين المسيحي والإسلامي. حصلت المؤلفة (الأستاذة بجامعة فيلادلفيا) على درجة البكالوريوس في الأنثروبولوجيا من جامعة ييل الأميركية، ودرجتي الماجستير والدكتوراه من جامعتي درم البريطانية وبرنستون الأميركية، على التوالي، ولها عدة كتب ومقالات عديدة عن السودان ومصر.
أما كاتب الاستعراض فهو البروفيسور الأمريكي جون فول، الذي يعمل أستاذا للتاريخ الإسلامي في جامعة جورج تاون بواشنطن، ونائبا لمدير معهد الأمير الوليد بن طلال للتفاهم المسيحي - الإسلامي بالجامعة نفسها. نال بروفيسور جون فول درجة الدكتوراه من جامعة هارفارد في عام 1969م (وكانت رسالته عن الطريقة الختمية بالسودان)، وظل يدرس التاريخ الإسلامي لأكثر من خمسة عقود في جامعتي نيو هامشير وجورج تاون، وعاش رَدَحاً من الزمان في بيروت والقاهرة والخرطوم. وللرجل كتب ومقالات كثيرة تناولت مواضيع مختلفة شملت الإسلام والديمقراطية وتاريخ الدول الإسلامية (ومنها السودان).
وقد صدرت – بحمد الله - مؤخراً ترجمة لهذا الكتاب (عن دار باركود للنشر بالخرطوم). وأود أن أشكر هنا كل الذين اقترحوا علي ترجمة هذا الكتاب، كان أولهم عبد الله علي إبراهيم قبل ما ينيف على عقد من الزمان.
المترجم
*******************
تسعى الدراسات الجديدة إلى تغيير فهمنا لكيفية عمل الإمبراطوريات الحديثة. وظلت مناهج الدراسات القديمة تؤكد دوما على تشكيل السياسة الإمبراطورية في العواصم والمناطق الحضرية، وتركز على أفعال الحكام في المستعمرات. غير أن الدراسات الحديثة بدأت في الاهتمام بكيفية مشاركة المحكومين أنفسهم في الإدارة الإمبراطورية. وقد قامت هيذر شاركي بتقديم إضافات مقدرة لذلك النهج الحديث بتحليلها المتقن في هذا الكتاب لأنشطة ومهن ومواقع السودانيين الذين عملوا في الحكومة التي أقامها (المستعمرون) البريطانيون بالسودان بين عامي 1898 و1956م. وتقوم فكرة الكتاب الرئيسة على أنه من الخطل وعدم الدقة تصور أن الامبراطوريات تدير أعمالها (في المستعمرات) عن طريق جماعة صغيرة من الإداريين الإمبرياليين "العباقرة الأفذاذ". وذهبت الكاتبة أيضاً إلى أن "الإمبراطورية (الاستعمارية) كانت تعتمد في تسيير أعمالها على الأرض على عمل عدد كبير من الموظفين والعمال المحليين الذين كانوا يقومون بأداء أعمال الإدارة الكلولونيالية اليومية" (الصفحة الأولى من الكتاب).
لقد خلقت المشاركة الواسعة للسودانيين في النظام الاستعماري وضعاً أصبحوا فيه "أعداء الاستعمار الحميمين"، مما جعل الحكم الاستعماري حقيقة واقعة، بينما كانوا هم يأملون في رؤيته وهو يرحل عن ديارهم" (الصفحة الأولى من الكتاب). ولدراسة هذه التداخلات والتفاعلات حددت شاركي ثلاث قضايا عدتها هي المسائل المركزية في كتابها: كيف كان الاستعمار يعمل فعلياً؛ وكيف نبعت الوطنية من العلاقات بين "الأعداء الحميمين"؛ وكيف تطورت الدولة الكلولونيالية وغدت دولةً قوميةً مستقلة (الصفحة الثانية من الكتاب).
لقد كان العنصر الأساس في تلك العملية هو ظهور جماعة من السودانيين المتعلمين الذين كانوا يعرفون أنفسهم بأنهم "سودانيين". وكان النظام الاستعماري يحتاج إلى متعلمين محليين للقيام بالأعمال البيروقراطية، فأنشأ أو ساعد في إنشاء مؤسسات تعليمية من أجل مقابلة ذلك الاحتياج. وشرعت تلك الطبقة الجديدة التي خلقها الاستعمار في تشكيل هوية بوسعها تقديم (بل قدمت بالفعل) أساساً للقومية / الوطنية.
وبعد المقدمة التي حددت فيها المؤلفة الإطار لهذا التحليل، بدأت (في الفصل الثاني) في مناقشة التطور الذي حدث في القرن العشرين للمفاهيم الأساسية المتعلقة بالهوية. وظهرت في مناقشات وحوارات الحكام الإمبرياليين، وكذلك السكان المحليين، كلمة "سودانيين"، التي كانت لها في البدء دلالات غايةً في السلبية تشير إلى "السود المنبتين قبلياً detribalized Blacks"، لكنها غدت مع بداية عام الاستقلال (1956م) هي الكلمة المفضلة التي تعبر عن الهوية الوطنية.
أما الفصل الثالث، وعنوانه "التعليم والتثاقف (اكتساب ثقافة الغالب السائد) والشبكات الوطنية"، فقد خصصته المؤلفة لدراسة المؤسسات التعليمية التي أنشأها الاستعمار، خاصةً كلية غوردون التذكارية، وهي المؤسسات التي تخرج فيها "سودانيون جدد". واستخدمت شاركي في وصف الواحد من هؤلاء لفظة "أفندي"، التي تعني ببساطة شخص من "الأهالي" على الطراز الأوروبي؛ وخلصت إلى أن البريطانيين في السودان كانوا قد صمموا كلية غوردون بحسبانها "آلة لتفريخ الأفندية" فعليا. (صفحة 65).
وفي الفصل الرابع من كتابها المعنون "آليات الحكم الاستعماري" تناولت شاركي المسائل الإدارية (في الدولة الكولونيالية)، ودرست ببعض التوسع التفاصيل الفنية التي كانت تدار بها تلك المسائل. وأوضحت مناقشة المؤلفة لهذا الجانب نشاطات الحكام البريطانيين، والموظفين السودانيين كذلك، في تطوير الحكومة الكولونيالية بالسودان. وقدمت الكاتبة في اختصار غير مخل عرضاً تاريخيا ممتازاً للمراحل الخمس لتطور المؤسسات الإدارية المركزية، منذ زمن الأنظمة الأساسية / الأولية التي سيطرت عليها بريطانيا في بداية القرن، مروراً بتجارب الحكم غير المباشر في العشرينيات من القرن العشرين، إلى فترة العمليات المعقدة سياسياً لإنهاء الاستعمار والسودنة منذ عام 1938م (العام الذي تأسس فيه مؤتمر الخريجيين. المترجم) إلى عام 1956م.
وقامت المؤلفة في الفصل الخامس المعنون "الحياة ونظام الحكم الاستعماري: شروط التعاون" بدراسة العلاقات المعقدة بين التعاون مع الحكم الاستعماري، وبين معارضته. وهنا أبرزت شاركي المفاهيم الجديدة للإمبريالية التي وردت في الأبحاث الأكاديمية الحديثة. وفي مثل هذه الدراسات حل الوعي الدقيق بموقف القوميين / الوطنيين الذين تلقوا تعليماً حديثا، والذين كانوا حاكمين ومحكومين في ذات الوقت، محل التناقضات الاستقطابات التبسيطية (simplistic polarities) القديمة بين الحاكم والمحكوم. وخلصت شاركي إلى أن "الخدمة في دواوين الحكومة الاستعمارية غدت أسلوب حياة a way of life لمعظم المسؤولين الشماليين. وعلى الرغم من أن التحريض الوطني جاء من بين صفوف بعض أولئك المسؤولين الشماليين، إلا أنهم كانوا جزءًا من النظام الاستعماري، مثلهم مثل البريطانيين الذين حكموه به" (صفحة 119). وأفضى تأثير ذلك التعايش التكافلي المعقد إلى جعل الدولة المستقلة هي الوريث المباشر للحكم الاستعماري، وحلت محله بشكل أساسي. وكانت عملية نشوء "الأمة بعد المستعمرة" هي في قلب التحليل الوارد في الفصل السادس وخاتمة الكتاب.
ومن منظور الدراسات الجنسانية (دراسات النوع)، تجدر الإشارة إلى أن هذا الكتاب هو في الأساس تحليل لـ "عالم ذكوري"؛ إذ لم يكن البريطانيون يركزون كثيراً على تعليم المرأة، ولم يكن هناك مكان للنساء سواءً في كلية غوردون أو في الخدمة البيروقراطية. ولم يكن ذلك القيد يقتصر على الموظفين السودانيين، إذ أنه لم تكن هناك أي امرأة تعمل في القسم السياسي بحكومة السودان (الذي كان يشغل وظائفه رجال النخبة البريطانية).
اعتمدت دراسة شاركي هذه، بشكل ملحوظ، على عدة مصادر واسعة النطاق. فقد استخدمت في بحثها ملفات مئات الموظفين السودانيين الذين عملوا في خدمة الحكومة الاستعمارية، والمذكرات التي أصدروها، وما هو موجود في الأرشيفات السودانية والبريطانية، من أوراق رسمية وغير رسمية؛ إضافة لمكتبة شاملة من المواد المكتوبة باللغتين العربية والانجليزية. وقامت المؤلفة أيضا بإجراء العديد من المقابلات مع طيف واسع من الأشخاص الذين كانت لهم مساهمات فيما وصفته في كتابها من تطورات. غير أنها لم تسمح لكل ذلك الكم الهائل من قواعد المعلومات بأن يطغى على ما عرضته من تحليل مفصل وممتاز وسهل القراءة. ويمكن أن تُعد دراسة شاركي هذه ذات علاقة بحقل الدراسات المهم المسمى "دراسات التابع أو التابعين subaltern studies"، ولكنها أفلحت في تحاشي استخدام المصطلحات المتخصصة والسجالات الأيديولوجية التي تشوه أحياناً ما سبق نشره في دراسات أخرى بهذا الحقل.
لعل المرء قد يتردد قبل أن يذهب إلى أنه كان على الكاتبة أن تضيف شيئاً لهذا العمل الشامل. ولكن على الرغم من ذلك، فمن الممكن أن يرحب بعض القراء بإضافة سير ذاتيةbiographies أكثر لبعض الشخصيات الجديرة بالانتباه التي ورد ذكرها في الكتاب ضمن مجموعات بعينها. وتعتبر هذه الدراسة، بشكلها الحالي ومن جوانب عدة، هي دراسة سيرة جماعية. غير أن بعض التوسع في ذكر السير الذاتية للشخصيات التي وردت بالكتاب قد تساعد في التأكيد على النقاط العامة التي أتت عليها شاركي. فعلى سبيل المثال أرى أن الحيوية في الجزء الذي تناولت فيه المؤلفة المصاعب التي لاقاها خضر حمد (1) مع المسؤولين البريطانيين لإثبات هويته الشخصية التي كان يراها تتعدى القبيلة، دليل على أن أهمية وفائدة إيراد معلومات شخصية أكثر عن بعض من ذكروا في هذا الكتاب (صفحتي 32 – 33). كما أرى أن شاركي تميل إلى التركيز على الإدارة المركزية. إن التجارب في حكومات الأقاليم تدعم فرضياتها الأساسية؛ غير أنها تطرح قضايا جد مختلفة، خاصة قضايا العلاقات بين السودانيين المتعلمين الذين يشكلون محور عملها وبين زعماء القبائل والشيوخ السودانيين من ذوي الطراز القديم، الذين كانوا يمثلون في ذلك الوقت حياة معظم السودانيين.
يحدد هذا الكتاب قضايا ذات أهمية واسعة لفهم الإمبريالية وعلاقتها بديناميات التحديث والهوية الأوسع والأشمل؛ بينما سيجده المتخصصون في الشؤون السودانية ذا أهمية خاصة. إن وضوح أسلوب كتابة شاركي، وأهمية الموضوعات الأساسية التي قامت بمناقشتها يجعل لهذا الكتاب أهمية كبيرة لأي فرد له اهتمام بالعلاقات بين الأنظمة الحاكمة والمحكومين في العصر الحديث (أو أي عصر آخر).
_____ ______ _____
(1) يمكن الاطلاع على مقال عن خضر حمد بقلم جمال محمد إبراهيم (https://shorturl.at/tuBS0)، ومقال آخر عنه لمحمد وقيع الله (https://shorturl.at/cimEH).
alibadreldin@hotmail.com
المصدر: سودانايل
كلمات دلالية: الذین کانوا هذا الکتاب فی الفصل إلى أن غیر أن
إقرأ أيضاً:
فضيحة “الدرونز” التي كشفت مشاركة فرنسا في إبادة غزة
#سواليف
في ليلة 17 يوليو/تموز 2014، كانت عائلة شحيبر التي تنحدر من #غزة على موعد مع حادث أليم ومُعتاد في #فلسطين المحتلة، حيث قصف #جيش_الاحتلال منزلهم. أما الهدف الإستراتيجي، فتمثل في قتل عدة أطفال: أفنان (8 سنوات)، ووسيم (9 سنوات)، وجهاد (10 سنوات)، الذين استُشهِدوا وهم يُطعِمون الحَمام على سطح المنزل، فيما تسبب القصف في استشهاد طفلين آخرين.
بعد القصف مباشرة، بدأت منظمتان حقوقيتان هما “الميزان” الفلسطينية و”بتسيليم” الإسرائيلية في البحث عن السبب الحقيقي وراء الاستهداف، لكنها خلصت إلى عدم وجود أي هدف عسكري في منزل شحيبر حسب ما أكدته الأمم المتحدة نفسها بعد ذلك في تقرير نشرته في يونيو/حزيران 2015.
هناك سؤال ثانٍ كان يؤرق المحققين المستقلين حيال #السلاح الذي استُخدِم في القصف، وما أثار الاهتمام في أثناء تنقيب المحققين هو أسطوانة سوداء حملت نقوشا مسحها الانفجار جزئيا وعليها كُتب “أوروفارد ـ باريس ـ فرنسا”.
مقالات ذات صلةبسبب هذا الاكتشاف رفعت أسرة شحيبر دعوى في فرنسا ضد شركة “إكسيليا”، بسبب تواطؤها المحتمل في جريمة حرب اقترفتها إسرائيل في عملية “الجرف الصامد”. تقول هذه الأسطوانة الكثير عن الدعم العسكري والتقني الفرنسي لصالح جيش الاحتلال، وأحدث فصل فيه ما كشف عنه موقع “ديسكلوز” في تحقيق يورط فرنسا في #جرائم_إسرائيل في حق أهل غزة أثناء #حرب_الإبادة الدائرة حاليا.
رمادية فرنسية
قبل انطلاق الحرب على غزة يوم 13 أكتوبر/تشرين الأول 2023، كانت فرنسا رسميا وإعلاميا أيضا تصرح بالدعم الكامل لجيش الاحتلال للرد على ما حدث في السابع من أكتوبر. لكن إسرائيل حولت هذا الزخم الغربي من التعاطف إلى الإقدام على #جرائم حرب يصعب إخفاؤها.
بدأ التوجس يجد طريقه إلى أروقة الداعمين الغربيين، خصوصا مع ارتفاع الأصوات الرافضة للإبادة في الرأي العام الغربي، ومحاولاته الضغط على صناع القرار لوقف تصدير السلاح إلى إسرائيل.
في فرنسا، سبق أن وجَّه 115 برلمانيا في أبريل/نيسان من عام 2024 رسالة إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مطالبين إياه بإيقاف مبيعات الأسلحة إلى إسرائيل، لأن أي تحرك عكس ذلك يعني ضلوع باريس في الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني.
قبل ذلك بأيام، كان مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قد أصدر قراره بحظر تصدير الأسلحة إلى دولة الاحتلال، وصوَّتت 28 دولة لصالح هذا القرار، فيما اعترضت 6 دول على رأسها الولايات المتحدة وألمانيا، أما فرنسا فوجدت لنفسها مكانا مريحا في المنطقة الرمادية التي جلست فيها 13 دولة من الممتنعين عن التصويت.
يتسق موقف فرنسا من هذا القرار الأممي مع موقفها العام حيال حرب غزة، وملف تزويد إسرائيل بالأسلحة، أو ببعض القطع التي تستعملها تل أبيب في صناعة أسلحتها التي توجهها في الغالب نحو الفلسطينيين العُزّل.
منذ بداية الحرب على غزة، سلكت فرنسا مسلكا يرقص على جميع الحبال، فهي لم تعلن قطع أي تعامل عسكري مع دولة الاحتلال، لكنها في الوقت نفسه نزلت بهذا التعاون إلى أقل درجة ممكنة، بحيث تحافظ على خيط رفيع يربطها بتل أبيب، مع بذل كل الجهد المطلوب للمحافظة على هذا الخيط من الانقطاع.
موضوعيا، لا تُمثِّل تجارة الأسلحة بين فرنسا وإسرائيل إلا 0.2% فقط من 27 مليار يورو من صادرات باريس إلى دول العالم التي يمكنها استعمالها عسكريا أو في مجالات تقنية أخرى وتكون غالبا مجرد قطع غيار، حسب تصريح سيباستيان ليكورنو، وزير القوات المسلحة الفرنسي.
لا تمانع فرنسا من تبادل المساعدة مع الإسرائيليين فيما يخص بيع الأسلحة، لكن المساعدة تخضع لحسابات أخرى أفصحت عنها مصادر لصحيفة “لوموند” أثناء التحقيق الذي نشرته الجريدة الفرنسية عام 2021 حول برنامج “بيغاسوس” للتجسُّس، حيث يقول المصدر: “نحن قريبون من الإسرائيليين بمسافة تسمح لنا أن نعرف ماذا يفعلون، لكن في الوقت ذاته، لدى فرنسا رغبة واضحة في عدم مساعدة إسرائيل في أي عمليات تقوم بها في غزة، لذلك لا نريد أخذ أي مجازفة في إرسال بعض الأسلحة التي قد تُستعمل في ذلك”.
أسلحة فرنسا.. للدفاع فقط
في تقرير لها في 28 أبريل/نيسان الماضي، أفادت صحيفة “لوموند” أن فرنسا حتى قبيل الحرب الأخيرة على غزة كانت تزود إسرائيل بقطع ضرورية لصنع القذائف المدفعية، لكن في أكتوبر/تشرين الأول 2023، قررت باريس وقف العقود الخاصة بهذه القطع.
وتشير تقارير البرلمان الفرنسي الصادرة عام 2023 إلى أن فرنسا أرسلت إلى إسرائيل عددا من المعدات الخاصة بتدريع السيارات والمراقبة عبر الأقمار الصناعية.
بعيدا عن المعلومات التي جاءت في وسائل الإعلام الفرنسية، ثمَّة أخبار أخرى أكثر لفتًا للأنظار، منها التحقيق الاستقصائي الذي نشره موقع “ديسكلوز” الفرنسي في مارس/آذار 2024، وقال إن باريس سمحت في نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2023 بإرسال شحنة تضم ما لا يقل عن 100 ألف خرطوشة (ما يغلّف الطلقة)، انطلقت من مرسيليا عبر شركة “أورولينكس” الفرنسية المتخصصة في صناعة المُعدات العسكرية.
يشير التحقيق إلى أن حجم الشحنة وصل إلى 800 كيلوغرام من الذخائر أُرسِلَت إلى شركة “آي إم آي سيستمز” الإسرائيلية، المُزوِّد الحصري للجيش الإسرائيلي لهذا النوع من الذخائر، ويتعارض هذا التمويل المباشر مع تأكيد باريس عبر قياداتها السياسية أن الأسلحة والمعدات الدفاعية فقط هي ما تصل إلى تل أبيب.
فضيحة المُسيَّرات
مع جولة خفيفة في مواقع التواصل الاجتماعي للعالقين في غزة، نجد أن صوت الخلفية المشترك بين الفيديوهات يغلب عليه ضجيج الطائرات المُسيَّرة، أو ما ُسميه أهل غزة بـ “الزنّانات”.
شكَّلت حرب غزة فرصة لإسرائيل لتفعيل الكتيبة 166 التي تحمل اسم “سرب الطيور النارية”، بحسب ما نشر موقع “إسرائيل ديفِنس”، والهدف من هذه الطائرات هو مراقبة غزة، ثم تنفيذ الضربات. وضمن هذا السرب هناك الطائرة “هيرميس 900” التي يصل طولها إلى نحو 15 مترا، وهي قادرة على الطيران لمدة 30 ساعة متواصلة، وعلى ارتفاع 9000 متر.
لا يحتاج الضباط الذين يوجِّهون هذه الطائرات إلا إلى غرفة تحكم تبعد مئات الكيلومترات عن مسرح العمليات، ثم تنفيذ الضربات مستفيدين من الدقة الكبيرة التي توفرها هذه الطائرات الحديثة، حيث بإمكانها مثلا الإجهاز على سائق سيارة على بُعد 5 أو 10 أمتار دون إصابة أي راكب آخر في السيارة نفسها، رغم أن الاستعمال الإسرائيلي لهذه الأسلحة لا يهتم كثيرا بالقتلى المدنيين.
في تحقيق جديد حول صفقات السلاح بين فرنسا وإسرائيل، نشر موقع التحقيقات الفرنسي “ديسكلوز” وثائق تُثبت تورط شركة “تاليس” الفرنسية، التي تمتلك الدولة 26% من أسهمها، في تسليم إسرائيل مجموعة معدات إلكترونية تساعد في جمع قطع طائرة “هيرميس 900″، من بينها قطعة “TSC 4000 IFF”، وهي تساعد هذه المُسيَّرات على تجنُّب الصواريخ والمُسيَّرات “الصديقة” التي قد تعترض طريقها، حتى لا تسقط الصواريخ الموجهة نحو الفلسطينيين على الإسرائيليين أنفسهم.
يشير التحقيق إلى أن 8 قطع من هذه الأجهزة أُرسِلَت فعلا إلى إسرائيل بين ديسمبر/كانون الأول 2023 ومايو/أيار 2024، أي بعد أشهر من انطلاق العمليات الإسرائيلية في غزة.
ويسلط التحقيق الضوء على إشكالية مراقبة العقود السرية التي تعقدها الجهات العليا الفرنسية مع بعض الدول ومن بينها إسرائيل، وذلك رغم خروج وزير الدفاع الفرنسي يوم 20 فبراير/شباط 2024 أمام البرلمان مؤكدا أن جميع القطع التي تُرسَل إلى إسرائيل عبارة عن معدات يُتأكَّد من نوع الآليات التي تُستَعمل فيها.
يعود هذا التعاقد السري بين فرنسا وإسرائيل إلى 2 مارس/آذار 2023، حين اشترت شركة “إيلبيت سيستيمز” الإسرائيلية المصنعة لطائرات “هيرميس 900” ثماني قطع إلكترونية بمبلغ 55 ألف يورو للقطعة الواحدة من جهات فرنسية (440 ألف يورو إجمالا). وصل الطلب بعد أسابيع من انطلاق الرد الناري على هجمات 7 أكتوبر، في الوقت الذي كانت تحذر فيه الأمم المتحدة من أن النيران الإسرائيلية غالبا ما تطول النساء والأطفال الرضع.
ورغم ذلك، يقول موقع “ديسكلوز” إن وزارة الدفاع الفرنسية لم تحترم الاتفاقيات التي وقَّعت عليها بعدم بيع أسلحة لجهات تستهدف المدنيين، بل واصلت دعم تحركات حكومة نتنياهو في تدمير قطاع غزة.
كانت فرنسا قد واجهت في وقت سابق دعوة من 11 منظمة حقوقية تتزعمها منظمة العفو الدولية “أمنستي” بسبب إرسالها أسلحة إلى تل أبيب، مع العلم أن الأخيرة لا تجرب أسلحتها ولا الأسلحة التي تحصل عليها من حلفائها إلا في مواجهة الفلسطينيين.
سكوربيون
تجمع فرنسا وإسرائيل علاقة تسليح وتكنولوجيا وطيدة، ويكشف تحقيق مهم لموقع “أوريان 21” عن العلاقة بين جيش الاحتلال وجهاز الدفاع الفرنسي، وعن الغموض الكبير الذي يكتنف هذه العلاقة، التي تشهد تعاونا بين الفرنسيين والإسرائيليين على حروب المستقبل التي سيكون أبطالها الروبوتات والطائرات المُسيَّرة.
تمتاز العلاقات بين فرنسا وإسرائيل بنوع من الودية، وإن كانت قد تعكرت في الفترة الأخيرة، بيد أن الأمر ليس بذلك الوضوح أو الشفافية فيما يتعلق بالجانب العسكري، لأن العلاقة تتأرجح بين الود والمنافسة، بل تصل أحيانا إلى الاختراق. لا يحب الفرنسيون الطريقة التي يتعامل بها الإسرائيليون في مجال الصناعات العسكرية، فهم يكسرون الأثمان بهدف الاستيلاء على أسواق السلاح.
وليس هذا فحسب، بل أصبح جيش الاحتلال منذ سنوات يتوجه إلى أهم الأسواق التقليدية التي كانت فرنسا تتمتع بالأفضلية المطلقة فيها لينافسها هناك، وهي سوق أفريقيا.
منذ اتفاق أوسلو، استثمرت إسرائيل كثيرا في القارة السمراء، خصوصا في مجال حماية الأنظمة القائمة. وفي السياق نفسه، حافظ الإسرائيليون رغم ذلك على نوع من التعاون مع الفرنسيين كما حدث في الكاميرون، حيث دعموا الجيش الكاميروني للقتال ضد جماعة “بوكو حرام”، وأقدم مرتزقة إسرائيليون على تأطير كتيبة التدخل السريع، التي تعمل تحت قيادة الرئاسة مباشرة، وجهز الإسرائيليون كتيبة التدخل السريع ببنادق كانت حتى الأمس القريب لا تأتي إلا من الصناعة الفرنسية.
تجاوز تأثير السلاح الإسرائيلي رعايا فرنسا السابقين من الأفارقة إلى فرنسا نفسها. وصحيح أن جيش الاحتلال منذ بدء عدوانه الغاشم على غزة قد استعان بكل مَن له إبرة يمكنها أن تغطي حاجتها العسكرية لإبادة غزة وسكانها، إلا أن الإسرائيليين في الظروف العادية يؤثّرون بالفعل في مجال التسليح والدفاع الفرنسي، مع أن العكس ليس صحيحا بالضرورة.
ففي خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كانت فرنسا هي التي تبيع الأسلحة لجيش الاحتلال، أما اليوم، فأضحت تل أبيب تبيع لباريس، إذ استوردت فرنسا أنظمة المراقبة الإلكترونية والمُسيَّرات، وحتى الجنود الآليين. ولا يُخفي الفرنسيون انبهارهم بالتكنولوجيا الإسرائيلية، وبالقليل من البحث، يمكننا الوصول إلى بعض نتائج هذا التعاون الخفي، أما الفاكهة المسمومة الأكثر نضجا هي “برنامج سكوربيون”.
لا يعلم الفرنسيون الكثير عن برنامج خفي يسمى “تآزر الاتصال المعزز بتعدد الاستخدامات وتثمين المعلومات”، المعروف اختصارا بـ”سكوربيون”، وهو برنامج “ذكي” سيدخل في قلب إستراتيجية القوات البرية الفرنسية للعقدين المقبلين.
أهم نقطة في برنامج “سكوربيون” هي تطوير قيادة رقمية واحدة تعتمد على وصلة مشتركة، تسمح للجنود المختلفين والأدوات العسكرية المنتشرة، وبالخصوص المُسيَّرات والروبوتات، بالاتصال في وقت واحد لاستباق أي ردود فعل يقوم بها العدو المفترض.
لذا، سيتمكن الجندي الفرنسي من الحصول على جميع هذه المعلومات عبر مواقع “جي بي إس” خاصة بالبرنامج، الذي عملت عليه شركة “إلبيت” الإسرائيلية، من أجل حرب “بدون ضوضاء”، وبحيث يُتيح هذا النظام الاستباقي لفرنسا أن تتجنَّب مقتل العديد من جنودها عبر قراءة التحركات الاستباقية لعدوها.
عمل جيش الاحتلال على تطوير تقنياته عبر تجريبها في غزة وفوق جثث أهلها، ولذلك تمكن من التقدم في نقاط ثلاث: أولها محو أصوات محركات المُسيَّرات، وثانيها تصغير حجمها وتطويرها بحيث يماثل حجمها حجم الحشرات، وأخيرا القضاء على أي آثار رقمية لها مع تحديد إشارات العدو.
كل هذا وأكثر يوجد في برنامج “سكوربيون” الذي لا تقتصر أهميته في الصناعة الفرنسية على الاستخدام، بل تتجاوزه إلى التصدير، حيث أبدت بعض الدول، ومنها دول عربية، حماسها الشديد للحصول عليه، وهو برنامج وصل بالطبع، قبل كل هؤلاء المشترين، إلى جيش الاحتلال الإسرائيلي.
وبذلك يبدو الموقف “المحايد” الذي تحاول القيادة السياسية في فرنسا اتخاذه من حرب الإبادة الحالية، موقفا لا تعضده مواقف الجانب العسكري، الذي بات بصورة أو بأخرى جزءا من هذه الحرب، وجزءا من آلة القتل التي تحرق وتدمر يوميا كل ما تطاله دون رادع.