بقايا أنصار "الجزائر فرنسية" ينشرون حقدهم الدفين على فلسطين
تاريخ النشر: 27th, October 2023 GMT
يلتقي المؤرخ الفرنسي، فابريس ريسبوتي (في حوار مع ميديا بارت)، مع نظيرته الفرانكوتونسية، صوفي بسيس، في مقال لها في "صحيفة لوموند"، في أن النقاش المتطرف وسط الطبقة السياسية والحزبية الفرنسية بشأن الأوضاع في غزة، أعاد استنساخ نفس ردود الفعل التي كانت سائدة إبان حرب الجزائر من قبل أنصار "الجزائر فرنسية"، مما يكشف أن ردود أفعال قياداتها، خصوصا أحزاب اليمين، لم تتطهر بعد من رواسب الفكر الاستعماري رغم كل هذه السنوات.
يفتخر وزير الداخلية، الفرنسي جيرار دارمنان، بأن بلاده رحّلت يوم 9 أكتوبر الجاري، شخصا خارج فرنسا لأنه فقط "دعا بالموت لإسرائيل". والسؤال هل كان سيقوم الوزير بنفس الإجراء ضد "الذين يدعون بالموت على فلسطين".
كما أعلن الوزير بنوع من الانتصار، أن فرنسا تعتبر "الوحيدة في أوروبا التي منعت المظاهرات الداعمة لحماس"، ولم يسأل ولو للحظة لماذا لم تقم الدول الأوروبية الأخرى بنفس السلوك، هل لأنها خائفة من حماس؟ أم أن موقفها من القضية الفلسطينية تحكمه ضوابط أخلاقية أخرى تتنكر لها أحزاب اليمين الفرنسي التي كانت تصنّف "الأفالان" ومناضليه بـ "الإرهابيين" إبان الثورة.
أصبح رفع علم فلسطين في الشارع تهمة تجر صاحبها للسجن في فرنسا، والدفاع عن حق الفلسطينيين تصنّف في خانة الخيانة للوطن والتخابر مع العدو، وعدم إدانة حماس يعتبر معاداة للسامية وإشادة بالإرهاب، ولذلك وصفت نائب منطقة بادكالي في حزب مارين لوبان، زميلها الناخب في الحزب الشيوعي بـ "القاتل" خلال مداخلته في البرلمان حول الحرب في غزة، لأنها لا تريد سماع الرأي الآخر.
ما يصدر من أعمال وردود أفعال في تصريحات وخطابات ومواقف قيادات الأحزاب الفرنسية، تصدم البعض، لأنها تصدر في بلد يفترض تقديسه لحرية التعبير وحقوق الإنسان والحيوان، لكنها ليست بالمفاجأة ولا بالغريبة، لأنها تعبّر عن رواسب عقلية كولونيالية متأصلة داخلها ولم تستطع التخلص منها، وقد فعلت نفسها ضد المهاجرين الجزائريين ذات 1961 بباريس، حيث وقفت مساندة للقمع الوحشي الذي مورس يومها ضد المتظاهرين الجزائريين الذين قمعوا ورمي بهم في نهر السين.
حتى أطفال المدارس من الجاليات العربية، تعرضوا للتضييق لمجرد إظهارهم تعاطفا مع أطفال فلسطين، وأصبح التعامل معهم كطرف معادي، وهو وليد فكر العنصرية والكراهية إزاء المهاجرين الذي روّج له إيريك زمور وأكثر من قناة تلفزيونية، تحولت إلى عراب للحرب وتعادي كل من يتحدث حتى عن وقف إطلاق النار في غزة.
تعرض المحتل الإسرائيلي لرد موجع من قبل المقاومة أحيا بشكل غير مسبوق شعور الفكر الكولونيالي وأخرجه للعلن لمن كانوا بالأمس دعاة "الجزائر فرنسية"، من بوابة "فلسطين إسرائيلية"، فظهرت قيادات من أحزاب اليمين واليمين المتطرف التي لم تتطهّر من عقليتها الكولونيالية، وهم بقايا "أو.أ.أس" و"الحركى" و"الأقدام السوداء"، أكثر صهيونية من المحتل نفسه وأكثر قسوة في مواقفهم وبياناتهم أو في خطاباتهم لمنع أي حديث عن وقف الحرب في غزة، ليسهل على نتنياهو تنفيذ جنونه الانتقامي ضد الفلسطينيين.
وبالنتيجة وجد زعيم حزب فرنسا الأبية، يصنّف كعميل لحركة إرهابية ويعامل بنفس الطريقة التي كانوا يطلقونها على الفرنسيين، من أمثال هونري مايو، هنري علاق، بيار أودان، وغيرهم من المتعاطفين مع الأفالان إبان الثورة. هذا السلوك لم يخلق فجأة، بل ظل دفين في أعماق قيادات الأحزاب اليمينية من بقايا أنصار "الجزائر الفرنسية"، وعجّلت حماس بتفجيره وإخراجه للعلن غداة 7 أكتوبر، لأنهم ربما رأوا فيه بأنه1 نوفمبر جديد الذي بدأ فيه العد التنازلي لنهاية خرافة استعمارية اسمها "الجزائر فرنسية".
إسرائيل دولة احتلال مثلما كانت فرنسا محتلة للجزائر، ومن يؤمن بالفكر الكولونيالي، لا يجد أي صعوبة في إنكار الحق في المقاومة المعترف به في المواثيق الدولية والوقوف لجانب الجلاّد ضد الضحية. وفي هذا الصدد، تذكّرت جيزيل حليمي، المحامية والناشطة والسياسية الفرنسية-التونسية المعارضة بقوة لحرب الجزائر، والتي دافعت عن مناضلي الأفالان بالأمس، كيف عارض دعاة "الجزائر فرنسية" من "الأقدام السوداء" و"الحركى" ومنظمة "الأو.أ.أس"، إدخال رفاتها لدفنها في مقبرة "عظماء فرنسا" (البنتيون) بباريس رغم اقتراح جمعيات نسوية فرنسية ذلك تكريما لنضالها التاريخي، وهي نفس الأصوات التي تريد إلغاء فلسطين من الخريطة.
أزعج الأمين العام الأممي غوتيريش بكلامه "من المهم أن ندرك بأن هجمات حماس لم تحدث من فراغ، لقد تعرّض الشعب الفلسطيني لاحتلال خانق على مدار 75 عاما". ليس لأنه قال تصريحات غير عادية، وإنما فقط لأنه ذكرّهم بأن الاحتلال هو السبب في كل ما حدث، بعدما اعتقد البعض أنه تم طي مسألة اسمها "القضية الفلسطينية"، ولذلك خرج الكيان المحتل ليطالب بإقالة غوتيريش من منصبه الأممي، وقد نجد من يدعو أيضا لتجريده من الجنسية البرتغالية، مثلما طالبت بذلك فاليري بوايي، عضوة في مجلس الشيوخ عن حزب الجمهوريين في فرنسا، بتجريد كريم بن زيمة من الجنسية الفرنسية، فقط لأنه تضامن مع ضحايا غزة، واتهامه بالانتماء لجماعة "الإخوان المسلمين"، كما ردّد وزير الداخلية الفرنسي واعتبرته الوزيرة السابقة النائبة بالبرلمان الأوروبي نادين مورانو (تصريح لقناة "سي نيوز" وإذاعة "أوروبا 1)، بأن بن زيمة اختار معسكره وبات "عميلا للبروباغندا التي تمارسها حماس وتهدف لتحطيم إسرائيل".
هذا النوع من النقاش المتطرف الجاري وسط قيادات الأحزاب اليمينية المتطرفة الفرنسية، التي لم تتطهّر بعد من فكرها الاستعماري، قد أضرت بصورة فرنسا داخليا وخارجيا، يرى فيه صاحب موقع "ميديا بارت" إيدوي بلينال، بأن "قادة فرنسا الحاليين يقودوننا إلى حرب الحضارات".
ويبدو أن هذا الأمر وراء خطوة الرئيس ماكرون بإعادة تصويب الموقف الفرنسي، بعدما انجرّ بعيدا عن مسافته التقليدية في الصراع العربي الإسرائيلي، اعتقادا من أحزاب اليمين بأن ذلك سيعيد سراب كذبة كولونيالية.
المصدر: الخبر
كلمات دلالية: الجزائر فرنسیة فی غزة
إقرأ أيضاً:
وزير الخارجية الفرنسي يزور الجزائر الأحد.. الهدف طي صفحة التوتر بين البلدين
تستعد الجزائر لاستقبال وزير الشؤون الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، في زيارة رسمية بعد غد الأحد 6 أبريل الجاري، بدعوة من وزير الشؤون الخارجية الجزائري، أحمد عطاف.
تأتي هذه الزيارة في وقت حساس بعد سلسلة من الاتصالات والمكالمات الهاتفية بين المسؤولين في البلدين، بهدف تسوية الخلافات التي شهدتها العلاقات الجزائرية الفرنسية في الفترة الأخيرة.
وحسب بيان وزارة الخارجية الجزائرية، فإن هذه الزيارة ستكون فرصة هامة لتحديد تفاصيل البرنامج المشترك بين البلدين، ولتوضيح ملامح العلاقات الثنائية في المرحلة المقبلة. كما ستسمح بتوسيع التعاون في العديد من المجالات بما يتماشى مع مصالح الشعبين الجزائري والفرنسي، وفي إطار سعي الطرفين لتعزيز استقرار العلاقات بينهما.
والإثنين الماضي جدد الرئيسان الجزائري عبد المجيد تبون، والفرنسي إيمانويل ماكرون، رغبتهما في استئناف الحوار المثمر بين بلديهما استنادا على "إعلان الجزائر" الصادر في أغسطس/ آب 2022.
وقالت الرئاسة الجزائرية في بيان إن "رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون تلقى مساء (الاثنين) اتصالا هاتفيا من نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، أعرب من خلاله عن تمنياته للرئيس تبون والشعب الجزائري بالتوفيق والازدهار بمناسبة عيد الفطر المبارك".
وأشارت إلى أن الرئيسين تحادثا "بشكل مطول وصريح وودّي حول وضع العلاقات الثنائية والتوترات التي تراكمت في الأشهر الأخيرة"، في أول اتصال بين الزعيمين منذ يوليو/ تموز الماضي في ظل أزمة دبلوماسية غير مسبوقة بين البلدين.
واتفقا خلال المكالمة الهاتفية على عقد لقاء قريب بينهما، دون تحديد موعد معين.
وجدد رئيسا البلدين رغبتهما في "استئناف الحوار المثمر الذي أرسياه من خلال إعلان الجزائر الصادر في أغسطس 2022، والذي أفضى إلى تسجيل بوادر هامة تشمل إنشاء اللجنة المشتركة للمؤرخين الفرنسيين والجزائريين، وإعادة رفات شهداء المقاومة والاعتراف بالمسؤولية عن مقتل الشهيدين علي بومنجل والعربي بن مهيدي"، وفق البيان.
ووفق البيان الجزائري، اتفق الرئيسان على "متانة الروابط - ولاسيما الروابط الإنسانية - التي تجمع الجزائر وفرنسا، والمصالح الاستراتيجية والأمنية للبلدين، وكذا التحديات والأزمات التي تواجه كل من أوروبا والحوض المتوسطي والإفريقي".
وتحدث البيان عن أهمية "العودة إلى حوار متكافئ بين البلدين باعتبارهما شريكين وفاعلين رئيسيين في أوروبا وإفريقيا، مُلتزمين تمام الالتزام بالشرعية الدولية وبالمقاصد والمبادئ المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة".
واتفق تبون وماكرون بحسب الرئاسة الجزائرية، على "العمل سويا بشكل وثيق وبروح الصداقة هذه بُغية إضفاء طموح جديد على هذه العلاقة الثنائية بما يكفل التعامل مع مختلف جوانبها ويسمح لها بتحقيق النجاعة والنتائج المنتظرة منها".
واتفق الرئيسان على "استئناف التعاون الأمني بين البلدين بشكل فوري".
وأكدا على "ضرورة الاستئناف الفوري للتعاون في مجال الهجرة بشكل موثوق وسلس وفعّال، بما يُتيح مُعالجة جميع جوانب حركة الأشخاص بين البلدين وفقا لنهج قائم على تحقيق نتائج تستجيب لانشغالات كلا البلدين".
كما أشاد الرئيسان بما أنجزته اللجنة المشتركة للمؤرخين التي أنشئت بمبادرة منهما (عقب زيارة ماكرون في أغسطس 2022)، وأعربا عن عزمهما الراسخ على مواصلة العمل المتعلق بالذاكرة وإتمامه بروح التهدئة والمصالحة وإعادة بناء العلاقة التي التزم بها رئيسا الدولتين، وفق البيان.
وأوضح البيان أن اللجنة المشتركة للمؤرخين "ستستأنف عملها بشكل فوري وستجتمع قريباً في فرنسا، على أن ترفع مخرجات أشغالها ومقترحاتها الملموسة إلى رئيسي الدولتين قبل صيف 2025".
وقد شهدت العلاقات الجزائرية الفرنسية توترات عدة في السنوات الأخيرة، أبرزها في يوليو 2024 بعد اعتراف فرنسا بمقترح الحكم الذاتي المغربي للصحراء الغربية، وهو ما أثار غضب الجزائر. ومنذ عقود يتنازع المغرب وجبهة البوليساريو بشأن السيادة على الإقليم، وبينما تقترح الرباط حكما ذاتيا موسعا في الإقليم تحت سيادتها، تدعو الجبهة إلى استفتاء لتقرير المصير، وهو طرح تدعمه الجزائر.
كما زادت حدة التوترات في نوفمبر 2024 بعد توقيف الكاتب الجزائري بوعلام صنصال في فرنسا، مما عمق الخلافات بين البلدين.