الأزمة السودانية تبحث عن «اتفاق سياسي» في مفاوضات جدة
تاريخ النشر: 27th, October 2023 GMT
أسماء الحسيني (الخرطوم)
أخبار ذات صلةاستأنف طرفا النزاع السوداني المفاوضات، أمس، في مدينة جدة برعاية أميركية - سعودية لوضع حد للأزمة المستمرة منذ 7 أشهر والتي أودت بحياة أكثر من 9 آلاف شخص، حسبما أعلنت وزارة الخارجية السعودية أمس.
وأكدت المملكة حرصها على وحدة الصف وأهمية تغليب الحكمة ووقف الصراع لحقن الدماء ورفع المعاناة عن الشعب السوداني، وصولاً إلى اتفاق سياسي يتحقق بموجبه الأمن والاستقرار والازدهار للسودان وشعبه، وفق بيان الخارجية السعودية. ويشارك في مفاوضات جدة أيضاً ممثل مشترك لكلٍ من الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية (إيجاد)، التكتل المعني بالتنمية في شرق أفريقيا. وأكدت القوات المسلحة السودانية في بيان أنه «استجابة لدعوة كريمة من دولتي الوساطة بمنبر جدة (المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميركية) باستئناف العملية التفاوضية مع قوات الدعم السريع، وإيماناً من القوات المسلحة السودانية بأن التفاوض من الوسائل التي ربما تنهي الأزمة، قبلنا الدعوة بالذهاب إلى جدة».
كما أعلنت قوات الدعم السريع أنها أرسلت وفداً إلى السعودية للتفاوض بناء على دعوة من المملكة والولايات المتحدة.
وعشية بدء المفاوضات، أعلن نائب رئيس مجلس السيادة السوداني مالك عقار، أن الحكومة طرحت خريطة طريق لإنهاء الأزمة عبر 4 مراحل، وهي الفصل بين القوات، والعملية الإنسانية، ودمج قوات الدعم السريع وإنشاء جيش واحد، تنتهي بعملية سياسية بالاتفاق على دستور يحدد كيفية حكم البلاد.
وأعرب خبراء وسياسيون سودانيون لـ«الاتحاد» عن أملهم أن تسفر الضغوط الدبلوماسية في دفع طرفي الأزمة للتجاوب مع منبر جدة والالتزام بالوقف الفوري والشامل لإطلاق النار لإنهاء الأزمة الحالية وفتح ممرات إنسانية لإيصال المساعدات الإغاثية العاجلة للمتضررين.
كما أعربوا عن مخاوفهم من محاولة كلا الطرفين عرقلة المفاوضات، مما يعقد الأزمة ويفاقم المعاناة الإنسانية، مؤكدين أن مستقبل المفاوضات يتوقف إلى حد كبير على مدى جدية المجتمع الدولي في التعامل مع القضية من ناحية، ومدى قدرة المكونات المدنية في طرح نفسها كطرف أساسي في المعادلة، ثم الدعم الذي يمكن أن تقدمه المبادرات المطروحة في الإقليم لمنبر جدة من أجل تعزيزه وتقويته ودفعه قدماً إلى الأمام.
وعلى مدى أكثر من سبعة أشهر من القتال، سقط أكثر من 9000 قتيل، وفق حصيلة للأمم المتحدة، كما ترك أكثر من 6.5 مليون سوداني منازلهم ونزحوا داخل بلادهم أو لجأوا إلى دول مجاورة.
وقالت منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسيف» إن عدد الأسر التي تعاني من الجوع تضاعف تقريباً في السودان بعد 6 أشهر من الأزمة التي أدخلت البلاد في حالة من الفوضى.
ووفق الأمم المتحدة، يحتاج أكثر من نصف السكان إلى مساعدات إنسانية للبقاء على قيد الحياة.
وقالت منظمة الصحة العالمية واليونيسيف، إن «عدد الأسر التي تعاني الجوع تضاعف تقريباً». ونبهتا في بيان صحافي إلى أن «700 ألف طفل يعانون سوء التغذية الحاد الشديد، ويحتاج 100 ألف طفل إلى علاج منقذ للحياة بسبب سوء التغذية الحاد المصحوب بمضاعفات طبية».
وقال متحدث باسم «اليونيسيف» مؤخراً إن أكثر من 20.3 مليون شخص، أو أكثر من 42% من سكّان البلاد، يواجهون مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد، خصوصاً في المناطق التي تحتدم فيها الاشتباكات وهي دارفور والخرطوم وجنوب كردفان وغرب كردفان.
المصدر: صحيفة الاتحاد
كلمات دلالية: أزمة السودان الجيش السوداني جدة السعودية وزارة الخارجية السعودية أميركا قوات الدعم السريع الدعم السريع قوات الدعم السریع أکثر من
إقرأ أيضاً:
السودان… مفاوضات أو لا مفاوضات!
السودان… مفاوضات أو لا مفاوضات!
عثمان ميرغني
بعد القصص المروعة عن الانتهاكات الواسعة التي ارتكبتها «قوات الدعم السريع»، قبل إخراجها من ولاية الجزيرة، يعيش السودانيون هذه الأيام صدمة الانتهاكات التي حدثت في الخرطوم قبل تحريرها، وجرى توثيقها في مقاطع فيديو متداولة على نطاق واسع هذه الأيام.
بقايا جثث محترقة داخل حاويات ضخمة. أسرى ماتوا عطشاً بعد حجزهم في غرفة إحدى المدارس وإغلاقهم داخلها. آخرون عثر على جثثهم مقيدة داخل حمام منزل حُبِسوا داخله وتُركوا على ذلك الحال لزمن غير معروف. قبور داخل البيوت، وفي بعض الشوارع، لأن مجندي «الدعم السريع» منعوا الناس من الخروج لدفنها في المقابر.
أسرى حررهم الجيش من المنازل والمعسكرات التي حُوّلت إلى معتقلات عشوائية تحدثوا عن التعذيب والتنكيل والحرمان من الطعام؛ فمات بعضهم، ولم يُسمَح لأحد بدفنهم. ظهر الناجون في حال يُرثى لها، وبعضهم ليسوا أكثر من هياكل عظمية، فتعذر إسعافهم وإنقاذهم، وماتوا بعد أيام قليلة من إنهاء أَسْرهم.
مع الصدمة من هذه الممارسات وقصص الانتهاكات التي تتردد من دارفور إلى الجزيرة والخرطوم ومناطق أخرى، أصبحت هناك هوة شاسعة بين «قوات الدعم السريع» وغالبية الشعب السوداني. هوة يصعب ردمها. والنتيجة هي أن هناك واقعاً جديداً تشكل في المشهد السوداني باتت معه غالبية مقدَّرة من الناس تقف في ناحية لا ترى في «الدعم السريع» سوى ممارساته التي تستهدف المواطن في دياره وممتلكاته وأعراضه. وبالتالي لا ترى إمكانية للتعايش معه.
الانتهاكات الواسعة كانت أيضاً سبباً في انضمام عدد كبير من الرجال والشباب لصفوف المقاومة الشعبية والمستنفرين الذين يقاتلون إلى جانب الجيش؛ ما أسهم أيضاً في تغيير المعادلات في المعركة التي يراها كثيرون دفاعية لحماية الممتلكات والأعراض، ووجودية لحماية السودان من مؤامرة داخلية وخارجية كبيرة.
ضمن هذا المشهد فإن الجيش السوداني، بعدما كان أكثر انفتاحاً على مسألة المفاوضات لنحو 18 شهراً من الحرب، أصبح موقفه اليوم متشدداً ورافضاً لها؛ ففي كل الخطابات التي سمعها الناس، منذ نهاية العام الماضي وحتى اليوم من الفريق عبد الفتاح البرهان، ونائبه الفريق شمس الدين كباشي، ومساعده الفريق ياسر العطا، ومعهم قيادات أخرى في الجيش ومجلس السيادة، كان الموقف هو أن لا مفاوضات ولا هدنة، وأن «قوات الدعم السريع» إذا أرادت الحل فإن عليها تسليم سلاحها والتوجُّه إلى معسكرات محددة. التقدم الميداني الكبير والمتسارع الذي حققه الجيش وحلفاؤه منذ انتقالهم من الدفاع إلى الهجوم في سبتمبر (أيلول) الماضي، كان سبباً في هذا التحول، مثلما كانت انتهاكات «الدعم السريع» ضد المواطنين، والتدمير الواسع والممنهج الذي أحدثته في الممتلكات والمؤسسات والبنى التحتية عاملاً آخر في تغير المزاج العام وتبني خطاب متشدد إزاء «قوات الدعم السريع».
هناك بالطبع من يحاولون، لحساباتهم الخاصة، إنقاذ ما يمكن إنقاذه لـ«الدعم السريع» وتبرير هزائمها الأخيرة؛ بالحديث تارة عن أن هذه القوات انسحبت تكتيكياً من الخرطوم، وتارة عن وجود مفاوضات سرية بينها وبين الجيش للتوصُّل إلى صفقة تنهي الحرب. هؤلاء لا يقدمون حججاً منطقية تدعم أقوالهم، ولا يفصحون بأي تفصيل عن رؤيتهم لمستقبل ودور «قوات الدعم السريع»؛ فهل بعد كل ما ارتكبته هذه القوات يمكن إعطاؤها دوراً في أي مشهد قادم؟ وهل يمكن استيعابها في الجيش الوطني «المهني» الواحد الذي يُفترض أن يكون من بين أهداف وخطط مرحلة ما بعد الحرب؟ وهل أن منحها أي دور مستقبلي سيعني نهاية الحروب في السودان، أم أنه سيشجع آخرين على تكرار تجربتها بكل مآسيها؟
الخطابان الأخيران للبرهان وحميدتي، مطلع هذا الأسبوع، كانا بمثابة التأكيد على عدم وجود مفاوضات، ومؤشراً على أن الفترة المقبلة ستشهد تصعيداً في وتيرة العمليات العسكرية وانتقال المعارك من الخرطوم إلى دارفور وكردفان، آخر معاقل انتشار «قوات الدعم السريع» وحلفائها.
هناك الكثير من المؤشرات أيضاً على أن أطرافاً عديدة في الداخل وصلت إلى قناعة بأنه لم يعد وارداً الآن العودة إلى أي مفاوضات تعطي «الدعم السريع» دوراً عسكرياً أو سياسياً في المشهد السوداني بالمرحلة المقبلة. وأي مفاوضات إن حدثت في هذه الظروف، فإنها ستكون على شروط تسليم العتاد، وتسريح هذه القوات. وحتى في صيغة كهذه، فقد أوضح الفريق البرهان في خطاباته الأخيرة أنه لا يمكن إسقاط الحق العام في المحاسبة عن الدمار والقتل والاغتصاب وكافة الجرائم البشعة التي ارتُكبت في حق المواطن والبلد ومنشآته الحيوية. هذا الموقف لا يعبر عن رأي قيادات الجيش فحسب، بل عن المزاج السائد وسط قطاعات كبيرة من الشعب السوداني الذي عانى معاناة غير مسبوقة في هذه الحرب، وسيخرج منها بكثير من الدروس، والعِبر، والوعي لأهمية عدم تكرار الحلول المجتزأة التي تراعي حسابات السياسة، وتعيد إنتاج الأزمات والحروب مستقبلاً.
الوسومالجيش السودان عصمان ميرغني مفاوضات