صحيفة أثير:
2025-04-06@23:01:55 GMT

الروائي الأردني جلال برجس يكتب: مشهدان من غزة

تاريخ النشر: 25th, October 2023 GMT

الروائي الأردني جلال برجس يكتب: مشهدان من غزة

أثير- الروائي الأردني جلال برجس

لقد تجاوز ما حدث، وما يحدث بضراوة هذه الأيام في غزة قدرة المعاجم اللغوية على إيجاد مفردات تصف بشاعته، وكأن الإنسان العربي لا شيء، على حد توصيف الشاعر والروائي الأردني الراحل تيسير سبول حينما قال في روايته (أنت منذ اليوم) : ” وخيّل إليَّ أن المسألة كلّها سؤالٌ واحد: شعبٌ نحن أم حشيّة قشّ يتدرّب عليها هواة الملاكمة، منذ هولاكو حتى هذا الجنرال الأخير”.


راح المشهد الكلي في غزة إلى أقصى درجات بشاعته التي تنذر بالكارثة. وفي خضم تلك المشاهد، تضج مشاهد بعينها تشير إلى أن البسيطة على أعتاب مرحلة جديدة من التردي الكبير، ومن السقوط في حفرة العتمة المطبقة؛ تردي ينذر بجاهلية جديدة، تصاغ على نحو متقن لا نعرف إلى أين تتجه.
أطفال غزّة ينظفون باحة المعمداني
لن ينس التاريخ أبدًا أن الأطفال الغزِّيون أخذوا في صباح الرابع عشر من أكتوبر 2023م ينظفون باحة مشفى (المعمداني) مما حلَّ به من قمامة طارئة؛ كانوا يفعلون ذلك ومسامعهم تتلقف صدى الضربات الصاروخية، وأنين الجرحى، وأثر الحزن في وجوه الناس، وابتهالات الذين فروا من ويلات الحرب، يحتمون بالمشفى، وبما تبقى لديهم من أمل بأن المدارس، والمشافي، والأطفال، والعجائز، والأشجار، والطيور، والقطط، ودمى الصغار، خارج أهداف البنادق، وخارج شاشات الطائرات الحربية، التي حينما يصبح الهدف في عقر الدائرة الإلكترونية، يتهادى إلى مسمع الطيار، أو منفذ الرماية، صوتُ آمر بالضغط على الزناد، ضغطة تنهي حياة كثير من البشر الذي يحلمون بالحياة، ولم يتوقفوا عن الغناء لأجلها منذ اللجوء الأول، ومنذ أول شهيد سال دمه على تراب بلاد يعرف المتوسطُ حزنها؛ فلا تتوقف أمواجه عن الصراخ بوجه من اغتالوا الحقيقة، وهي تمشي على قدمين واثقتين، في وضح النهار.
رأيت تسجيلًا سُئل فيه طفل فلسطيني من غزة: ما الذي ترغب أن تكون عليه حينما تكبر؟ قال ووجهه يعلن عن ابتسامة يختلط فيها الحزن بالشكيمة: نحن لا نكبر، نحن نستشهد في هذا العمر تقريبًا.
يخاف أطفال غزة مثلهم مثل أي طفل في هذا العالم، مع هذا تعلموا كيف يقصون خوفهم أمام هول كل تلك الكوارث. لكن العالم لا يخاف، بل يُصفق للوحوش البشرية التي أوغلت كثيرًا في الدمار، كأنه في حلبة نزال مثل تلك التي كان يقوم بها الرومان حين كانوا يأتون بأحد المساجين المتمردين، يطلقون عليه أسدًا، ويقولون له: إن قتلته نجوت. لكن ما إن يفعل السجين ذلك أمام المتفرجين؛ حتى يُفتح باب آخر، تنطلق منه أسود أخرى، وتبقى تنهشه، إلى أن يتلاشى تمامًا.
أي روائي ذاك الذي يقوى على أن يصف بصدقه السردي تلك اللحظة الفارقة في تاريخ الإيمان البشري بالحياة لدى أطفال رغم بشاعة كل ما يحدث إلا أنهم فعلوا ما على البشرية أن تفهم إحالته العميقة، في عالم عقيم بامتياز، عالم بات يسرع نحو التوحش بسرعة قصوى أكثر مما مضى، وفَتَح باب التأويل لفعل طفولي يستبق قمامة البارود الحارقة، وقسوة الإنسان التي يصمت العالم أمامها بمستوى غير مسبوق على الإطلاق، وكأن غولًا قادمًا من فضاءات معتمة أكثر مما نعرف، يلوي ألسنتهم، ويهددها بالبتر إن لم تقل ما دُبر في ليل دامس.
الأطفال أكثر حساسية لما يحدث حولهم، تمامًا مثل القماش الأبيض إن مسه حبر شربه بسهولة موجعة، يعرفون ما يدور حولهم، يخافون مما سيحدث، يحلمون بألا تمتد يد الحرب أكثر من استطالتها اللعينة، ومع ذلك كانوا ينظفون باحة (المعمداني)، كأن الروح المعدنية في القذائف خجلت من ذاتها، وأقلعت عن طاعة ذلك الإصبع الذي يأمرها بالانطلاق لتشيع الدمار، وتستبدل الحياة بالموت.
طفل غزّي يحتمي بالشجرة
لن ينسى التاريخ ذلك الطفل الذي وُجد متشبثًا بالشجرة احتماء من القصف الإسرائيلي على غزة. كان معفرًا بالتراب، من رأسه إلى أخمص قدميه، تتحلق يداه، وقدماه حول الشجرة، وهو يرتجف. أي تأويل هذا الذي يأخذنا إلى مقصده من الاحتماء بالشجرة غير الخوف، والسعي إلى ملاذ آمن. كيف ينام العالم الذي ينحدر نحو القاع، بسرعة مذهلة، وهو ينظر إلى طفل، ما وَجد مهربًا من عصف القنبلة، وحرارتها، وسوادها، وشظاياها، سوى صدر تلك الشجرة. هل نفسر تلك اللحظة الفارقة في تاريخ ذلك الطفل؟ أم نفسر صمود الأشجار أمام فظاعة ما يجري بلا أية هوادة.
مما لا شك فيه على الإطلاق أن العالم بكل قيمه، وقوانينه، ومعاهداته، ومبادئ شرعيته، وبكل ما فيه من حديث عن الحضارة، والعدالة، والسلم الاجتماعي، والتعايش؛ بات وهمًا خالصًا، وكأنه عبر إلى عصر جديد من الظلمة.

المصدر: صحيفة أثير

إقرأ أيضاً:

«الإليزيه»: ماكرون سيعقد قمة مع الرئيس السيسي والعاهل الأردني بشأن غزة

أفادت قناة القاهرة الإخبارية في خبر عاجل لها بأن الإليزيه أعلن أن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، سيعقد قمة مع الرئيس عبد الفتاح السيسي والعاهل الأردني الملك عبد الله بشأن غزة.

وأضاف «ماكرون» أن لا فائز في الحرب التجارية وعلى أوروبا الوحدة للحفاظ على مصالحها، واتفقت مع ستارمر على التنسيق بشأن مناقشة الرسوم الجمركية مع ترامب.

اقرأ أيضاًعاجل | الرئيس السيسي يناقش مع نظيره الفرنسي إمكانية عقد قمة ثلاثية مصرية فرنسية أردنية بالقاهرة

الرئيس السيسي يستعرض موقف إنشاء محطات المحولات اللازمة لمناطق الاستصلاح الزراعي

الرئيس السيسي يتلقى اتصالا هاتفيا من نظيره التونسي للتهنئة بعيد الفطر المبارك

مقالات مشابهة

  • اللهم نصرك الذي وعدت ورحمتك التي بها اتصفت
  • من هي ابتهال أبو السعد التي فضحت عملاق التكنولوجيا في العالم؟
  • ماكرون يعلن عن قمة مع الرئيس السيسي والعاهل الأردني بشأن غزة
  • ماكرون يعلن عن قمة مع الرئيس المصري والعاهل الأردني بشأن غزة
  • «الإليزيه»: ماكرون سيعقد قمة مع الرئيس السيسي والعاهل الأردني بشأن غزة
  • رئيس الوزراء: امريكا ستخسر امام شعبنا الذي اذهل العالم
  • «الخارجية الفلسطينية»: العالم خذل أطفال فلسطين في ظل صمته عن معاناتهم التي لا تنتهي
  • ياسر جلال يكشف سبب عدم ظهوره في مقالب رامز
  • الحرب العالمية التجارية التي أعلنها ترمب لا تخصنا في الوقت الراهن
  • الملك الأردني يدعو إلى وقف الحرب الإسرائيلية على غزة فورا